الذاكرة والمصابرة

مازن هاشم

تُحي الأمم ذكرى الحوادث الفاصلة في تاريخها لأن فيها عِبَراً ولأنها غالباً ما تكون قد امتزجت مع معاناةٍ وتضحياتٍ جسام.  وحيث أنّه ما زالت الثورة العربية تتفتّق وتعترك مع أعدائها الظاهرين ومنافقيها المتلصّصين، فلا بدّ من بضع كلماتٍ تقشع الغبش عمّا ران على صورة الثورة وتعيد إلى الذهن البديهة التي قد يقمعها الألم.

شيطان لو…

نظرية المؤامؤةليس غريباً أن تسمع من بعض الناس أنه لو عرفنا ثمن الثورة لكان لنا قولٌ آخر.  غير أنّ هذا المنطق خطأ من عدة أوجه:

أولاً: يركّز هذا المنطق على المدى القصير المنظور فحسب.  فمثلاً احتفل الزنج في أمريكة بتحريرهم دستورياً وما زالت هذه لحظة افتخار لهم، غير أنهم لم يدروا يومها أنّ معنى ذلك كان بداية عمليات انتقامٍ بشعة من قِبل الشعب وصلت حدّ الشنق وتحريق البيوت مما لم يتعرضوا له في أيام الذلّ والاستكانة كعبيدٍ غير أحرار.  واستمرّ هذا القمع عدّة عقود.  فهل يمكن القول إنّ مساعيهم للاعتراف بهم مواطنين أحراراً بحسب الدستور كان خطأً؟

ثانياً: لا تعرف الأمم ماذا يمكن أن يكون قد حصل لو لم يفعلوا ما فعلوا، فلربما ازداد الشقاء الذي يعيشون تحته لو لم يثوروا.  والنظرة الممحّصة للواقع في سورية تدلّ بوضوح أنّ النظام الحاكم كان يقود البلد إلى حال عبودية تامة، محيطاً نفسه بسياجٍ طائفي عشائري، محميّ بسياجٍ آخر من المنتفعين، ليرضخ الشعب رضوخ الذليل الذي لا يملك دفاعاً لا عن عرضٍ ولا عن دين.

ولا عجب أنّ التذمّر أكثر ما يُسمع من الرماديين الذين لم يخسروا كثيراً خلال الثورة، غير كدر أصوات القنابل تسقط على رؤوس غيرهم.  وإنّه من فضل الله أنه لا يمكن تحديد أي فريق مسؤول عن إشعال الثورة، لأن أثمانها هي مما لا يمكن لأي حزب أو جماعة أو فصيل تحمّل تبعاته… الثورة هي كذا قدر هذا البلد.

الأصابع الخارجية!

يؤكد المغرمون بالمنطق التآمري أنّ ثمة أصابع خارجية سبّبت قيام الثورة.  ولكن انقداح الثورة كان نتيجة أسبابٍ موضوعية مفهومة.  فمن ناحية، كان تقسيم بلاد الشام تقسيماً اعتباطياً وشيّد أبنيةً على فوالق زلزالية لا بدّ يوماً من أن تنزلق صفائحها… وهذا الذي حصل.  وزاد سوء هذا التقسيم في أنه يتضارب مع المنى الثقافية والآفاق العروبية للمنطقة، فكيف له أن يستمرّ.  وربما كان يمكن أن يُكتب له الاستمرار لو اُسند الأمر إلى أهله وقاد البلد مخلصون متنوّرون.  ولكن جرى تعيهد بلاد الشام إلى أقلّياتٍ إديولوجيةٍ وطائفيةٍ تكره ثقافة الشعب وسمْت حياته، تريد أن تُحدثِن الناس وتجعلهم (تقدميين) من خلال محو ذاكرتهم الثقافية وانتزاع روحهم الحضارية.  كما فُرض على الناس نظام اقتصادي غريب عن طباعهم يأسر إبداعهم.

طبعاً، أصبح دور اللاعبين الإقليميين في هذا الزمن مهماً جداً، ولا غرابة في ذلك، فنحن نعيش عصر العولمة.  وإنّ قَدَر أرض سورية في قلب بلاد الشام أن تكون عقدةً جيوسياسية بحيث أنّ أي تغيير فيها يسبّب تغييرات فيما حولها؛ أي أنه لا يمكن تخيّل عدم تدخّل القوى الإقليمية.  وليس عيباً أنّ يوجد من يساعد بالمال (والسلاح)، فالنظام المجرم عنده من يدعمه أيضاً، وتكمن المشكلة في طريقة المساعدة لا في أصل مشروعيتها.  والمصيبة هو أنه مقابل التصميم الأكيد لإيران ومقابل المصلحة الروسية الراجحة، تتصادم خطط (أصدقاء) سورية وتختلف نيّاتهم.  وبعض الدول العربية من هؤلاء الأصدقاء تقدّم قليل الدعم للثورة وهمها إفشال الربيع العربي لا نجاحه.  وهذه هي المعضلة، لا تستطيع الثورة الاستغناء عن (الأصدقاء) وقد تكالبت عليها قوى الأرض، ولا تستطيع الركون إلى دعمهم الموعود المتقطّع الذي يمشي على غير هدى… فبئس العشير.

استحالة إصلاح نظام فاشي:

لا مراء في أنّ قوى الثورة أخطأت كثيراً في خياراتها العملية، واعتمدت استرتيجياتٍ بدون أن تعدّ لها العدّة اللازمة.  غير أنه من السذاجة بمكان الاعتقاد بأنّ النظام كان يمكن تأهليه بوسائل (حضارية) ناعمة.

لقد بُنيت هيكلية النظام السوري وفق النموذج الستاليني.  وهذا النموذج نموذجٌ شموليّ إلى أقصى الحدود، كتلةٌ صمّاء إدارتها متمركزة في أيدٍ قليلة من المجرمين. وهذه الهيكلية مدعّمة بشبكة علاقات عشائرية/طائفية حاقدة على مجموع الشعب وتتمنى التشفّي منه.  فهل تنصلح تركيبة الشرّ هذه بغير هدمها؟

في مثل هذا الضرب من الأنظمة الاستبدادية لا يوجد شيء اسمه معارضة.  والنظام المدنيّ هو الذي تزيحه بثمنٍ معقول الاحتجاجاتُ الواسعة، لا النظام العسكريّ العسسيّ.  وطبقات هذا النظام ثلاثة: عتاة المجرمين الذي يخونون البلد ويرهنون مصالحه الكبرى، وسرّاقٌ يبتزّون الناس، وأزلامٌ تابعون يلعقون ويصفّقون.  ولا مكان لعزيزٍ كريمٍ في هذا النظام.

حرب أهلية؟

تردّد أبواق الإعلام العالمي أنّ الصراع في سورية حرب أهلية.  ويتساءل المواطنون، هل يقتل الجار جاره بناءاً على الهوية، وهل تقاتل البلدةُ البلدةَ بناءاً على الانتماء الطائفي؟  وبغضّ النظر عن الناشز من التصرّفات الفردية، يحدث القتال على خطّ سياسي واضحٍ: مع النظام وضدّ النظام.  نعم، تشكّلت أحقادٌ على خطّ الانتماء العلويّ، وما كان لها إلا أن تتشكّل.  غير أنّ الثقافة السورية قادرةٌ على امتصاص النقمات إذا حلّ السلم ورافقته ترتيباتٌ عادلة.  قصّة المحنة السورية قصّة واضحة لا تحتمل التأويل، فهي بكل بساطة قصّة نظامٍ فاشيّ يقتل شعبه.

هل اخطُطفت الثورة؟

جوابي هو لا…

إذاً فما بال داعش وأخواتها؟

أقول من ناحيةٍ وظيفيةٍ هؤلاء أعداء الشعب وليسوا بديلاً ثورياً حتى يُحسبوا عليها.  داعش و حالش وتوابعهما هم جزء من الطبيعة الإقليمية للصراع، ولا يشك شاكّ أنّ وراء كلّ منهما راعٍ دوليّ.  أما من ناحية الثورة، فإنها لم تغيّر رأيها ولا هويتها ولا مطالبها.

فما زال المطلب العام للثورة هو الحرية والكرامة.  ومن مقتضى الحرية والكرامة أن يعيش الناس وفق نمطهم المعاشي المعتاد من غير فرضٍ إديولوجي.  وما زالت الثورة تطمع في نظام حكمٍ على الطريقة الدِمقراطية المؤسساتية الحديثة التي يتمّ فيها تقديم من عندهم أهليّة.  وما زالت الثورة تتطلّع إلى مساواة المواطنين أمام قانونٍ عادل.

≈            ≈            ≈

كنا تلامذة يافعين وقرأنا عن هولاكو و جنكيز خان وتدمير التتار ، ولم يكن يخطر ببالنا أن يعيش البلد مثل هذا المصير ثانية أو أن يكون جزءاً من بطشه الهمجي… وهذه المرة موثّق بالصوت والصورة.  وكما زال الطغاة والفراعنة واندثرت ممالكهم، سوف يزول الظلم عن الأرض المباركة.  وواجبنا نحن البشر الضعاف أن لا نصغي إلى الإعلام الرجيم ولا نركن إلى وساوس الصدور، وأن نبذل غاية الوسع ولا نسخط على القدر التاريخي المكتوب.

أترك ردا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s