عصام العطار

المستقبل لا نفاجأ به، بل نصنعه بأيدينا

إبراهيم الجبين

عصام العطارحين تدخل شوارع مدينة آخن الألمانية، مدينة الملك شارلمان، وعاصمة أوروبا القديمة التي كانت تعرف باسم (أكوس غرانا)، سيكون أول ما تفكّر فيه هو تلك اللحظة التي اقتحم فيها أحد عناصر المخابرات السورية، منزل أحد اللاجئين السياسيين السوريين فيها، بعد أن قام بتهديد امرأة في الجوار، كي تنادي من خلف باب البيت المصفّح، على زوجة السوري، ليدخل بعدها مفرغا خمس رصاصات في رأسها وصدرها، وهو يعلم ورؤساؤه يعلمون أن المطلوب رقم واحد في تلك الأيام للمخابرات السورية، لم يكن في البيت، وإنه قد تمّ إبعاده من قبل الحكومة الألمانية للمحافظة على حياته، ولكن الهدف كان الزوجة .. بنان علي الطنطاوي زوجة عصام العطار.

ولد عصام العطار في العام 1927م في دمشق القديمة، لأسرة عريقة عاشت قرونا تقضي بين الناس في المذهب الشافعي وعلم الحديث، ولكنه حين يحدّثك عن ذلك يقول عن نفسه ممازحا “صحيح أن أجدادي من أئمة الشافعية، ولكني حنبلي في مواقفي”، وكان والده أحد رجالات دمشق الذين رفضوا التتريك وهيمنة الإتحاديين، ووقفوا إلى جانب السلطان عبدالحميد حين تم خلعه، الأمر الذي تسبب في صدور الحكم بالإعدام على العطار الأب غيابيا، غير أنه هرب ليعيش سنين في جبل العرب بين الدروز السوريين، ومنها نفاه الأتراك إلى اسطنبول، ليعود مع الحرب العالمية الأولى إلى دمشق، وبعد انهيار السلطنة العثمانية بسنوات قليلة، ولد عصام العطار، في المناخ الدمشقي، الرصين والخلاق في الوقت ذاته، وفي بيت جمع الدين إلى الآداب والعلوم والسياسة أيضا، فكان لقاء العطار الأول مع فارس الخوري في بيت والده، كما التقى فيه بالكثيرين، ليكبر على تلك الصور وتلك الذاكرة.

درس العطار سنوات تعليمه الأولى في دمشق، في مدرسة التجهيز قرب المنشية، حين دخل الصف أستاذ قصير القامة يميل رأسه يمينا ويسارا، وكتب على اللوح: “تاريخ الحضارات” ليعجب به العطار، ويعجب به الأستاذ، وليصبحا صديقين فيما بعد، كان الأستاذ هو “ميشيل عفلق” مؤسس حزب البعث الذي كان عائدا حينها من فرنسا، ليبشّر بفكر قومي جديد سيغيّر وجه سوريا والعراق والشرق الأوسط لأكثر من نصف قرن فيما بعد.

كان العطار يميل ككل السوريين إلى النبرة العربية التي ولدت في دمشق، على يد مثقفيها، حتى نمت وأصبحت تيارات شتى في العالم العربي، ولكن المناخ الديني كان أقوى في حياة الدمشقيين من طراز العطار، فلم يلازم عفلق طويلا وانفصل عنه ليذهب نحو مجموعات إسلامية دينية ظهرت على شكل جمعيات، مثل “شباب محمد” التي كانت ناديا للشباب له مثائله في المدن السورية الأخرى، وقد كانت قد تأسست جمعية سمّيت “الهداية” في العام 1930م، وكان من مؤسسيها كامل القصار رجل الدين والقاضي، وسليمان العظمة أحد التجار والملاكين الكبار في سوريا، وفي الوقت الذي كان حسن البنا يؤسس في الإسماعيلية، جماعة الإخوان المسلمين، في العام 1938م، كانت قد اندلعت في سوريا ثورة عارمة، ضد الفرنسيين الذين كانوا يحتلون البلاد، وكان الجميع من مختلف التيارات الفكرية والأديان والطوائف، منخرطين في ما سمّوه “الجهاد” ضد فرنسا.

وكذلك تأسست جمعية “التمدن الإسلامي” في العام 1932م والتي أصدرت مجلة “التمدن الإسلامي”، ودار الأرقم في حلب، وكان من زعمائها عمر بهاء الدين الأميري، وفي مدنية حمص ظهر مصطفى السباعي العائد من مصر، والذي كان رئيسا لفرع جمعية “الهداية” الذي سيؤسس بعد سنوات قليلة فرع جماعة الإخوان المسلمين في سوريا، ويصبح مراقبها العام، بعد أن تم دمج عدة جمعيات إسلامية في منتصف الأربعينات في جسم واحد، حيث أقامت الجماعة في صيف العام 1946م معسكرا تدريبيا ضمّ 300 شاب، في تلك الفترة التقى عصام العطار بالسباعي، وصار ملازما له، صديقا وتلميذا مقرّبا، وصار عضوا في جماعة الإخوان المسلمين السورية.

حدثان غيّرا حياة العطّار

يقول العطار : “في سنة 1945م افتتح المعهد العربي الإسلامي في دمشق، وحضرتُ فيه بعض الدّروس، ودعت إدارةُ المعهد مرة الأستاذ علي الطنطاوي لإلقاء درس أو محاضرة أدبيّة على طلبة صفوفه العليا وبعض أساتذته، فحضر وألقى الدرس أو المحاضرة، ثم طلب إلى الحضور أن يسألوا أو أن يعقّبوا على ما قال، وتكلّمتُ كما طلب؛ وكان لي نظرة غيرُ نظرته، ورأيٌ غير رأيه في بعض ما سمعناه منه، وبعد نحو دقيقتين أو ثلاث استوقفني، وطلب إليّ أن أقف بدَله على المنبر، وأن يجلس بدلي على مقعد الدّرس، فأبيت و استحييت، فأقسم عليّ أن أفعل، وقال لي بحرارة وحبّ : أنت أحقُّ بأن يُتلَقّى عنك، ثم التفت إلى الحضور وبينهم بعض الأساتذة وقال : والله لا أدري كيف يأتون بمثلي وعندهم هذا العالِمُ الأديب.

ووقفتُ على المنبر، ولم أتابع الحديث فيما كنت فيه؛ ولكنني تحدثت عن الأستاذ الطّنطاوي، وعن آثاره، وخصائص أدبه، حديث العارف المستوعب المتعمّق، وهو ينظر إليّ بدهشة ولا يكاد يصدّق، فلمّا انتهيت قال لي : من أنت؟ قلت عصام العطّار. قال : هل تعرف الشيخ رضا العطار؟ قلت : هو أبي، وكان أبي أيضا من رجال القضاء. ومنذ ذلك الوقت بدأت معرفتنا الشخصية المباشرة، وأخذت خطاي طريقَها إلى بيته في الجادة الخامسة في المهاجرين، وخطاه طريقها إلى بيتنا في الزهراء قرب الجسر الأبيض”.

وفي العام 1952م طرحت النخبة السورية في عهد الرئيس الشيشكلي نسخة الدستور الأكثر تطورا في تاريخ سوريا الحديث، ووقف إلى جانبها مصطفى السباعي، وعصام العطار، ولكن علماء الشام عارضوها، لأنها كانت تطرح نقطة ما زالت خلافية في العالم العربي حتى اللحظة “دين الدولة”، فتدهورت العلاقات بين المشايخ والسباعي، واستغنى المشايخ عن نقطة أن دستور الدولة هو الإسلام مقابل تسميات في الدستور كتمسك الدولة بالإسلام ومبادئه ودين رئيس الدولة هو الإسلام، فطلب من عصام العطار أن يصون العلاقة بين المشايخ و السباعي، وضمّوا العطار إليهم وصار واحدا منهم.

من تلك الحادثتين بدأت تتشكّل شخصية العطار، الزعيم السياسي المغاير، الذي لم يكن يتردّد في طرح ما يخالف به رأي الجماعة، مع نبرة حادة في صوته، فبدأ بانتقاد الشيشكلي رئيس البلاد، وصدر أمر باعتقاله، فاضطر إلى السفر إلى مصر، يقول العطار : “سافرت إلى القاهرة مع أخي وصديقي المجاهد الجليل محمد زهير الشاويش، لأسباب منها أنني كنت أهاجم دكتاتور سوريا في ذلك الحين العقيد أديب الشيشكلي في خطبي في مسجد الجامعة السوريّة، وفي مواطن ومحافل أخرى، فألزمني بعض كبار علمائنا ومنهم الأستاذ الطنطاوي بأن أسافر إلى مصر، لتفادي الصدام، وتخفيف حدّة التوتّر، وللدراسة فيها إن أحببت، أو لقضاء بعض الوقت خارج سوريا على الأقلّ وفي غيابي مرض أبي، واشتدّ به المرض، ولم يخبرني بذلك أحد، كان رحمة الله عليه يستحلف كل مسافر إلى مصر يزوره يعرفني، ألاّ يخبرني بمرضه، خوفا عليّ من بطش الشيشكلي إذا عدت، لكن عندما أحسّ إخوانه وإخواني بدنوّ أجله، أبرق الأستاذ علي الطنطاوي إلى خاله العلاّمة المجاهد الرائد السيد محب الدين الخطيب رحمه الله تعالى بأن يتلطّف بإخباري بمرض أبي، وضرورة عودتي إلى دمشق، وعدت إلى دمشق قبل وفاة والدي بأيّام، وفي دمشق رأيت حول سرير أبي عددا من الإخوة والأصدقاء، ما فارقوه يوما من الأيّام، على امتداد شهور مرضه”. وفي مصر قابل العطار الهضيبي المرشد العام للإخوان، وقابل في مصر العديد من الشخصيات منهم “سيد قطب”، والبشير الإبراهيمي شيخ علماء الجزائر، ومحمود محمد شاكر عالم العربية الكبير، وعبد الوهاب عزام أديب العربية الكبير.

بعد عودته إلى دمشق، واصل العطار خطبه في مسجد جامعة دمشق في البرامكة والحلبوني، فكان الآلاف من الشباب يحضرون خطبه، لما فيها من جماليات وبلاغة وصراحة وشجاعة، وفي العام 1954م زار الهضيبي سوريا، واختير عصام العطار ليكون مرافقا له في رحلته، وفي العام 1955م عقد مؤتمر في دمشق ضم كل شيوخ سوريا الكبار وكل السياسيين السوريين الإسلاميين ومنهم محمد المبارك، ومعروف الدواليبي، ومصطفى الزرقا، وكل الجمعيات الثقافية الإسلامية، واختير عصام العطار بالإجماع أمينا عاما لهيئة المؤتمر الإسلامي، وكان في وقتها في الهيئة التشريعية والمكتب التنفيذي للإخوان المسلمين وعضوا في مكتب دمشق للإخوان، وفي العام 1956م أوفدت جامعة دمشق مصطفى السباعي إلى أوربا للاطلاع على مناهج الدراسات الإسلامية، فكلّف عصام العطار بقيادة الإخوان المسلمين في سوريا في غيابه، وعقد المكتب التنفيذي للإخوان المسلمين السوريين مؤتمره في حلب، واختير عصام العطار ممثلا ومتحدثا باسم الإخوان المسلمين.

أهم منشوراته

نشر لعصام العطار عدد من الكتب في الحكمة والفكر والشعر، منها كتابه “كلمات” بجزأيه الأول والثاني، ومنها “التلميذ الناشئ والشيخ الحكيم” و “من بقايا الأيام” و “رحيل” و “ثورة الحق” و “آراء ومواقف في قضية فلسطين” ويقول العطار في كتبه : “لا تُصْدَموا كثيراً بوُعودِ الغَرْب وإخْلافِ هذهِ الوُعود!! فهذا مِنْ طَبيعَةِ السِّياسة والحَياة هُناك!! وهُمْ يَقولونَ في أمْثالِهِمُ المَعْروفَة :   Versprechen ist eins und halten ein anderes  ، الوعدُ شيء والمحافظة على الوعد شيء آخر!! فاعتَمِدوا على الله ثُمَّ على أنفُسِكُمْ أوَّلاً أيُّها السوريون والعربُ والمسلمون”.

ويقول في كتابه كلمات : “نحن لا نقارع الباطل بسيف الباطل ولكن بسيف الحق، ولا نحارب باطلاً من أجل باطل آخر و لكن من أجل الحق، فالحق عندنا هو الوسيلة و هو الغاية .. و هذا ما يميزنا عن كثير ممن يخوضون المعارك و يحملون السلاح” وأيضاً : “نحن لا نكفر بالطاغوت في مكان و نؤمن به في مكان، ولا نحاربه في بلد ونكون جنده في بلد، ولكننا نكفر بالطاغوت ونحاربه حيثما كان، ونقف مع الحق في كل مكان وزمان، هيهات هيهات! إن مخاصمتي لطاغوت لا يمكن أن تضعني في خدمة طاغوت آخر مهما كانت الظروف”.

ويقول شعرا :

يـا شـامُ  يـا شامُ  يا أرضَ  المحبّينا             هـانَ  الـوفاءُ و ما هانَ الوفا  فـينا

نحـيا  على الـبعد  أشـواقاً  مـؤرقـة              لا الوصلُ يدنو  و لا الأيام تسلـينا

إنّا حملناك في  الأضـلاع  عـاطـفـة               وصُـورةً مِـنْ فتون الحسن تسبينا

مـاذا  أصابكِ من  أيدي  الطـغاة وما              أصاب  فيكِ، وقد  غبنا،  المؤاخيـنا

في مخلب الـظلم من أكبـادنا مـزقٌ              و في الـنيوب  بـقايا  مـن  أمانيـنا

يا شـامُ جـرحُكِ  في قـلبي  أكابـده              دمـاً   سخيـاً    و آلامـاً    أفـانيـنـا

لا عـاش  فـيكِ قـرير  العـين  طاغيةٌ              ولا رأى الأمـن يـومـاً   في مغانينا

العطار والشيوعيون والوحدة

وفي العام 1957م كانت الانتخابات النيابية تقترب، وكان السباعي قد عاد من سفره وقرّر الترشّح للبرلمان، ولكن العطار لم يكن موافقا على ذلك، ورفض أن يدخل الإخوان العملية السياسية في ذلك التوقيت، وجاءت نتائج الانتخابات بخسارة السباعي وإصابته بالشلل، ثم بدأ عهد الوحدة، التي تحمّس لها عصام العطّار، وقبل بمبدأ حل جماعة الإخوان المسلمين كما جاء في شروط عبدالناصر للوحدة الاندماجية مع سوريا، والتي طلب فيها حلّ جميع الأحزاب، واستمرّ العطّار ينتقد الدكتاتورية في عهد عبدالناصر، في خطبه في مسجد الجامعة، وصار زعيما سياسيا سوريا بقاعدة شعبية هائلة.

وحين وقع الانقلاب الذي طالب بتصحيح الوحدة أو فضّها، رفض العطار التوقيع على بيان الانفصال، الذي وقّعه مؤسسو الوحدة أنفسهم ومنهم أكرم الحوراني وصلاح الدين البيطار وغالبية رجالات سوريا السياسيين وشخصياتها الوطنية، وقال العطّار إنه لن يوقّع على قرار يمنح شرعية لتقسيم الهدف الرئيسي لكل عمل عربي مشترك، وبرّر بأن الوحدة أكبر من أخطائها، وطلب من الحكم الجديد أن تعود الحياة الديمقراطية من جديد إلى دمشق، وطالب الإسلاميون العطار بالترشّح على رأس قائمتهم، وطلب معروف الدواليبي من العطار المشاركة في الوزارة، ولكنه رفض، يقول العطار عن ذلك : “لا يمكنني القبول بالمشاركة في حياة تقول إنها ديمقراطية ولكنها جاءت بانقلاب عسكري، وهذه الانتخابات لن تعيش طويلا حتى يتم الانقلاب عليها من جديد” وهو ما حصل، فقد وقع انقلاب جديد، وتمت دعوة ثلاثة عشر شخصية وطنية سورية من بينها عصام العطار، للمشاركة في حكم سوريا، فرفض العطار مرة أخرى واشترط على منفذي الانقلاب إعادة رئيس الجمهورية إلى مكانه، فأفرجوا عنه وعاد رئيسا للجمهورية، وأجبروه على تكليف بشير العظمة بتأليف الوزارة، فدعا عصام العطار إلى القصر الجمهوري وعرض عليه المشاركة في الوزارة، فرفض العطّار من جديد، لأنه يدرك أن العظمة شيوعي وأن توجّهاته ستحرّف سوريا عن طريقها العربي والإسلامي، وطلب تنحية بشير العظمة عن منصب رئيس الحكومة وتشكيل حكومة ائتلافية حيادية، فاتصل رئيس الجمهورية بعصام العطار وعرض عليه أن يسمي أربعة وزراء، فرفض، الأمر الذي دفع بحكومة بشير العظمة للاستقالة.

انقلاب البعث والعطار

يقول العطار عن انقلاب البعث في العام 1963م : “رأيت الوجه الطائفي من وراء الحركة، وأعلنت ذلك صراحة، فبعد قيام الانقلاب مباشرة أُعلنت حالة الطوارئ والأحكام العرفية، فأعلنت استمرار العمل الإسلامي، وفي أول خطبة جمعة لي في مسجد الجامعة أمام عشرات الألوف، وكانت الجامعة محاصرة بقوات الجيش والشرطة العسكرية؛ أعلنت من على منبر مسجد الجامعة أننا نحن صفحتنا أنصع من أي صفحة، وجبهتنا أرفع من أي جبهة، وطريقنا أقوى من أي طريق، وأنا أتحدى كل إنسان كائنا من كان أن يضع ذرة من الغبار، لا أقول على جباهنا المرتفعة، ولكن على أحذيتنا وأقدامنا، قلت أنا أرفض أي ضرب من ضروب الحكم الديكتاتوري الاستبدادي، والطغاة الماضون سقطوا طاغية بعد طاغية بعد طاغية تحت أقدامنا ونحن على هذا المنبر، وسيذهب الطغاة الجدد كما ذهب الطغاة القدماء”.

وفرضت عليه الإقامة الجبرية كغيره من السياسيين السوريين، وتعرّض لمحاولات اغتيال مباشرة، يقول العطار عنها : “تعرضت لعدة محاولات في الداخل، ومرة تم اقتحام بيتي من أجل قتلي، ولم أكن فيه، ولم تنقطع محاولات الإغتيال، وقيل لي أن أتصل برئيس الدولة وأخبره الموضوع، واتصلت برئيس الدولة، اتصلت بالقصر فرد آمر الهاتف، وعرف صوتي فقلت له أعطني اللواء أمين الحافظ، فقلت للحافظ أنا متصل لأمر أريد أن أعرف هذا الأمر أنتم وراءه أم لا، قال ليس لدي خبر، ممكن تشرف للقصر، فعلا ذهبنا إلى القصر، فبحكم العدد الواقع على باب القصر أخذوا لي التحية، كان أمين القصر الجمهوري السيد خباز ينتظرني بالردهة، صعدوا بي للطابق الأول كان مجلس الثورة بكامله مجتمعا، الواقع نهضوا جميعا للسلام، أمين الحافظ قطع اللقاء وتكلمنا في حديث طويل، وطلب رئيس المخابرات فأتاه، وأخيرا تبين أن الأمر كان فعلا من تدبير الأجهزة الأمنية”.

عاش العطّار في المنفى خمسين عاما منذ وصول البعث إلى الحكم في العام 1963 وحتى انطلاق الثورة السورية ليشارك فيها ويدعم سلميتها ومدنيتها

لم يتمكن ضباط انقلاب البعث من اعتقال العطّار بسبب شعبيته الكبيرة، وخوفا من خروج الناس في مظاهرات تقلب عليهم الأوضاع كلّها، ولذلك كان التدبير أن يمنع العطار من دخول سوريا بعد خروجه منها للحج، وطلب منه البقاء في لبنان، وقد حاول التسلل إلى سوريا مرات ولكنهم منعوه من الدخول وأعادوه إلى لبنان في العام 1964م، وفي لبنان، بقي العطار ممنوعا من ممارسة العمل السياسي، حتى وصول خبر وفاة مصطفى السباعي، فتم اختياره مراقبا عاما للإخوان المسلمين في سوريا خلفا للسباعي، فاعتذر عن تولي المنصب، ولكن الإخوان أصرّوا عليه، فتولاه حتى العام 1974م وتنقل في رحلة طويلة إلى الكويت والأردن، وفيها قابله الملك حسين وعرض عليها أن يكون في ضيافته، ولكنه اعتذر، حتى حطت رحاله في بروكسل في بلجيكا في العام 1968م، وهناك أصيب بالشلل سنوات، قبل أن ينتقل إلى ألمانيا، وفي ألمانيا فرضت عليه حكومتها أن يتنقل من مدينة إلى أخرى ومن بيت إلى آخر، خوفا عليه من المعلومات التي تتحدث عن نية المخابرات السورية اغتياله، وإرسالهم فرق الموت في إثره، فسكن في بيوت كثيرة، ومنها بيت يتبع جامع بلال في مدينة آخن التي اختارها لتكون سكنه، وهناك بدأ عمله مع الطلبة العرب والمسلمين القادمين من أنحاء العالم، فنقل عمله السياسي من مرتبة العمل المحلي السوري إلى العالمية.

عطار في المنفى وعطار قرب الأسد

كان حافظ الأسد قد أصبح رئيس النظام، ولا بدّ له من إزاحة كل خصومه، أناسا بالقتل والاغتيال، وآخرين بالسجن مدى الحياة، وآخرين بالنفي، وكان عقاب العطار الأكثر شراسة وضراوة، فلم يكتف الأسد بنفيه، بل قام بتفريغ حضوره عند مؤيديه، بتقريب شقيقته الدكتورة نجاح العطار، التي كانت قد انخرطت في صفوف حزب البعث، وتعيينها وزيرة للثقافة، كي تفقد معارضة العطار معناها عند الشعب السوري، فها هي شقيقته في قلب النظام، وفي صفوفه الأولى، ولم يكتف الأسد بجرح العطار المعنوي هذا، فأرسل من يغتال زوجته بنان، ليكسر قلبه، ويصيبه في قلب أسرته وداخل بيته.

ابتعد العطار عن الإخوان المسلمين وحافظ على مسافة أمان بينه وبينهم، دون أن يكفّرهم أو يوافق على منهجهم

ومع كل ما تعرّض له العطار من عنف شخصي مباشر وعام، فقد حافظ على سلميته في الخطاب والسلوك، وقام بالتنازل عن حقه وحق أسرته في اتهام قاتل زوجته بعد أن تم إلقاء القبض عليه في ألمانيا، ووقف ضد استخدام العنف في سوريا في أواخر السبعينات وبداية الثمانينات، رغم أن نظام الأسد هو من بدأ به.

في المنفى انشغل العطار بالثقافة والفكر، وكان كثيرا ما يقرأ ويكتب في الفكر والفلسفة الأوروبية، فناظر فكر غوتيه وهاينه، وتدخّل في قضايا حساسة شغلت الرأي العام والباحثين والدارسين، وفكّر وتصرّف كأوروبي مسلم، وتواصل معه كثيرون، ومنهم الخميني قائد الثورة الإيرانية أثناء وجوده في المنفى الفرنسي، ونجم الدين أربكان الذي تشارك مع العطار مشاريع رعاية الإسلام في أوروبا.

تعرض العطار لمحاولات اغتيال عديدة، وتمكّنت المخابرات السورية من اغتيال زوجته، وعيّن حافظ الأسد شقيقته نجاح العطار وزيرة للثقافة ثم نائبا لرئيس الجمهورية كي يضعف مصداقيته

ولكن ما الذي يجعل العطار هدفا للأسد ومخابراته بهذه الطريقة، وما الذي أخافهم منه؟ لا شكّ أن العطار مثّل تيار الاعتدال في تنظيم الإخوان المسلمين السوريين، وكان للسطوة التي يمتلكها على الملايين أن تترك أثرها البالغ في تغيير شكل الصراع مع الإسلام السياسي، وهذا ما لم يرده الأسد ونظامه، بل أرادوا إبقاء الصراع مع الذهنيات التي نازعت العطار على قيادة الإخوان، فانشق عنها، ولم يكفّر الإخوان المسلمين، ولكنه ابتعد عنهم بعد أن كان قائدهم التاريخي، منتقدا العقلية التي سادت داخل التنظيم، وما مارسه من مناطقية فرقت ما بين الإخوان الحلبييــــن والحمويين والدمشقيين، وهذا النـــــوع من التفكير، كان سيغيّر وجــــه التيارات الإسلاميـــة السياسية لو قدّر له العمل على الأرض، وبأجواء أكثر هدوءا، ولكن صناعة الخصم تتطلت المزيد من التدبير عند الأنظمة التي واجهت الإسلام السياسي، فكان لا بدّ من إبعاد العطار ومن يمكن أن يمضي في طريقه، وبعد عقود من نفيه، عرض عليه حافظ الأسد العودة إلى سوريا، ولكنه رفض، وبقي على موقفه المعارض لنظامه، أما الإخوان فحافظ العطار على مسافة أمان بينه وبينهم، يقول العطار : “الإخوان المسلمون حاولوا مرات عديدة التقارب معي ولم ينجحوا .. لهم اجتهادهم ومواقفهم التي لا ألتقي معهم فيها، وداخل هذه المرحلة من حياة بلادنا والمنطقة تختلف الاجتهادات، وأنا أحترم الاجتهادات الأخرى، لكن اجتهادي يختلف عن الإخوان وأتمنى لأبناء البلاد جميعا مع السلطة أن يصلوا إلى مصالحة وتفاهم يخطوان بالبلاد خطوات معقولة في طريق الحريات وحقوق الإنسان”.

استعاد عصام العطار حيويته بانطلاق الثورة السورية، وبدأ بتوجيه الخطابات واللقاءات التلفزيونية والعمل المباشر مع الناشطين، وتقديم الدعم للسياسيين، بالمشورة والتوجيه والرأي والمساهمات الفكرية، ورفض الدخول في التشكيلات السياسية العاملة في الثورة، ورغم بلوغه السابعة والثمانين من العمر إلا أنه متيقن من عودته إلى دمشق، فلطالما ردّد العطار المثل الألماني : “المستقبل لا نفاجأ به، بل نصنعه بأيدينا”.

أترك ردا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s