ماذا لو لم تنجح الثورة ؟

كابوس مجاهد معتقل …

حكاية بطل

الحريةألقيت بعد الفراغ من التحقيق النهائي على باب المهجع … تلقفني الاخوة بلهفة، فذاك من يمسح الدم عن الوجه، وهذا من يدلك القدمين لعل الدماء تزاحم الورم لتعاود جريانها ما بين الأورام التي خلفتها سياطهم، والآخر يسارع ببعض الماء يمسح به العين لأنها كانت هدفا من أهدافهم.

حملني و مددني إخواني في “ركن الاستشفاء” وسط المهجع، ركن الاستشفاء هذا ليس إلا مساحة بسيطة وسط المهجع، أفسحها المعتقلون برغم أن كل ميلمتر يعد كنزا وسط الإزدحام الخانق لتسمح بالإستلقاء الكامل برغم ضيق المكان، كان الاخوة المعتقلون قد خصصوها لتسمح “للمكاسير” الذين فرغ الزبانية من تعذيبهم والتحقيق معهم حديثا ليكون لهم القدرة على التمدد الكامل، كنوع من “الدلال” الخاص الذي يساعد على تخفيف الأوجاع.

وبرغم أن الألم عادة يدافع القدرة على النوم، إلا أن الفراغ من التحقيق (الثاني لي بعد التحقيق في فرع مخلوف)، بعث في استبشارا وطمأنينة فغفوت متجاهلا كل ألم، بعدها استيقظت أنا، واستيقظ معي تركيزي على المكان، ذلك لأني كنت قضيت كل الوقت في فترة ما قبل التحقيق منشغلا عن الزمان والمكان، لا أنفك أسأل هذا الأخ وذاك عن آلية التحقيق في الفرع، أتزود منهم النصائح عن كل تفاصيل التحقيق التي سأحتاج، حتى أني سألتهم عن كيفية التعذيب لأكون مستعدا.

استغراقي في تحضيري للتحقيق منعني عن استيعاب المكان، ومنعني من التواصل الاعتيادي مع الموجودين وأذهلني حتى عن السؤال عن أسماءهم، ولكن بعد الإنتهاء من التحقيق بدأت أتفحص المكان، المهجع 27 وهو أشبه بغرفة صماء قد فرشت ببطانيات عسكرية، يتصدرها شباك زود بشفاط هواء حديدي، على اليسار هناك علية ملحقة يقطنها بعض الاخوة، ملحق بها حمام كان وجوده كارثة وحده، وما كانت العلية إلا سقفه مفروشا ببطانيات هو الآخر، تبين لي بعدها أنه كان نعمة مشوبة ببعض الأذى حرمت منها بعد ذلك عندما حولوني لأمن الدولة، مثلما حرمت من نعمة الدفء الذي كانت تولده انفاسنا المتزاحمة …

بدأت بالتعرف على الموجودين، إلا أخا كان ملصقا بي في ركن  “الاستشفاء”، وكان جسده بما حواه من الرضوض والكدمات و الدماء المتخثرة يصرح بأنه معتقل من نوع خاص، أعلى شأنا من الباقين، مما استدعى أن يكون حقدهم على هذا الجسد أكبر وأحقر منه على أجسادنا.

وقد غفى ذاك الأخ فما استطعت الحديث معه، سألت عنه أحد الاخوة فطلب أن أدعو له أن يرفع الله عنه الكرب فهو يعاني من جلسات تحقيق امتدت لما يزيد عن الأربعة أيام تبدأ يوميا من التاسعة صباحا ولا تنتهي قبل هبوط الليل … صدمت روحي العبارة … فأنا خضعت لجلسة تحقيق واحدة، ما طالت أكثر من ساعتين، كانت كافية لأن تخط آثارها على جسدي كاملا.

سألت المجيب وهل فرغ ؟؟ … قال لي لا … لم يبصم بعد … البصمة هي الدليل على إنتهاء التحقيق، إذ أن الجلادين والمحققين يستمرون في جلساتهم و تعذيبهم للإخوة قدر ما استطاعوا حتى ييأسوا أن يتحصلوا على أي معلومات، و بعد يأسهم يختمون المحضر ببصمة المعتقل، وهذه المعلومة أجابت عن تساؤلي عن سبب مسك أحد الاخوة يدي وقلبه لها ليرى باطن أصابعي ساعة أعدت إلى المهجع بعد أن أعادني السجان للزنانة.

كان الوقت حين سألت ليلا، أكملت التعرف على الاخوة وأنا شبه ممدد، ساعدوني، أو حتى أقول أجبروني أن أقف قليلا، فذاك أدعى أن يعاود الدم جريانه في القدمين، وفي الوقت عينه أدعى أن يعيد لي ألم التحقيق كاملا، فيما سارع أخ ليعين جاري على التقلب، إذ أن أنينه الذي تعلم الاخوة معناه أنبئهم بأنه يريد أن يريح جانبه الأيمن ويستلقي على الأيسر، في محاولة منه لتسكين بعض الألم، أما أنا فقد استلقيت بعد الوقوف أدلك قدماي من جديد، متحايلا على الألم.

غفوت بعدها ليوقظني صوت نباح السجان وهو يفتح باب المهجع مناديا باسم جاري، لينتفض كطير يلفظ الروح، متحاملا على جسده، لا بل أقول، انتفض متحاملا على بقايا جسده، صدقو بأني حبست أنفاسي إشفاقا عليه، فكيف لهذا الجسد المخضب المورم الذي لا يكاد شبر منه يخلو من كدمة أو زرقة أن يحمله، ثم إنه منذ دقائق  كان يحتاج لمن يعينه على التقلب وحسب، جرجر الأخ قدميه، واندفع مترنحا نحو ذاك الخنزير الذي سحبه و أوصد الباب و مضى به، أصابنا الوجوم جميعا، ولم يقطع الصمت إلا صوت أحد الاخوة وهو يطلب منا أن ندعو له، عسى الله أن يعينه على ما ينتظره، تمتم بعضنا بالدعاء، و أكمل الباقون وجومهم …

مضى ما يقارب الساعتين بعدها ليفتح الباب، ويلقى الاخ، فاندفع الاخوة يتلقفوه، ليعينوه على الاستلقاء، استغربت صوت أحدهم وهو يقول الحمدلله، الحمدلله … نظرنا إليه فأرانا اصبع الأخ و عليها بصمة البشارة أن التحقيق قد انتهى وختمت أقواله … نظرت لمحمد فلاحت منه بسمة رضا، حملوه إلى مكانه جانبي، وكل منهم يهنأه، فقد انصرمت أيام التحقيق، وهو يردد التحميد بين أناته و أنفاسه.

لم يستغرب أحد منا أن محمد استطاع أن يستغرق في النوم فورا، ليقيننا بأنه ينعم لأول مرة بزوال التساؤلات والشكوك حول التحقيق، و بقي نائما طول اليوم، ما قطع نومه إلا بعض مرات استيقظ فيها يريد التقلب، فكان يندفع أحدنا ليعينه، ويعود ليغط في نومه، فيما كنا ننظر نظرة رضا بعضنا لبعض وكأنما نحن الذين فرغنا من التحقيق .

مر يومان، استعدت أنا قدرتي الكاملة على الوقوف والحركة والسجود، فيما كان جسد محمد ما زال يحتاج لأن يبقى رهين ركن الاستشفاء، بقيت أنا إلى جانبه، لكني الآن في غنى عن التمدد الكامل، فصار لزاما علي أن أفسح لأخ نصف المساحة، هذه السنتيمرات القليلة أمست الآن مكانا لأخ، كان محمد حتى يومها يحتاج لمن يعينه على التقلب، كنت أستيقظ ليلا لأجده ينظر إلي، يكتم أنينه ووجعه، ينتظر أي من الاخوة أن يستيقظ ليساعده، وكنا نتناوب في مساعدته على احتياجاته، فيما كان هو قد تعافى قدرا استطاع معه أن يشاركنا بأحاديثنا وهو مستلق.

عامان مرا علي، ولا زلت أستطيع رسم صورته في مخيلتي، بتفاصيلها الكاملة، عامان ولا زال باستطاعتي استعادة صوته في بالي، ورسم ابتسامته في خاطري، هذه المساحة من ذاكرتي لم يتملكها محمد لأنه كان أكثر الذين عرفتهم بين جدران الزنازين تعرضا للتعذيب، ولا لأنه كان ملاصقا لي في المهجع، إنما هو سؤال سألني إياه محمد في هدأة ليل من ليالي الاعتقال.

كنت يومها قد سألته السؤال الذي بقي يستفزني منذ اليوم الأول للقائي به، عن سبب اعتقاله، ما هي تهمته، ما الذي حملهم على الإستمرار في تعذيبه أسبوعا؟، أجابني بأنه كان عنصر استطلاع لأحد الكتائب، ألقي القبض عليه متلبسا، ابتسم مفتخرا مرات ومرات وهو يكرر لي أنهم لم يتحصلوا منه على أي معلومة، ولم يستطيعوا برغم تعذيبهم أن يجبروه على الإفصاح عن أي اسم من أسماء عناصر الكتيبة هم لا يعرفوه سلفا، فيما هو كان يعيد عليهم أسماء الاخوة الذين كانوا أصلا معروفين وملاحقين، أي أن المعلومات التي أخبرهم عنها، هم سلفا يعرفوها، بدليل أنهم داهموا بيوت كل عنصر أخبرهم عنه محمد.

روى لي يومها قصته مع الثورة، أحسب أن القارئ سيصدم كما صدمت عندما أقول، أن هذا الشامخ الأشم، لم يتجاوز عمره السابعة عشر، نعم، هذا المارد العملاق، ما زال يعد قانونا “قاصرا” لكن روحه الأبية أمدته بيد “طالت” حتى أقضت مضاجع أعتى ضباط النظام، و”استطالت” حتى أرهقت زبانية وجلادي ومحققي فرع الخطيب كافة حتى أجبرتهم على اليأس أن ينالوا منه أي معلومة.

كنت أستمع لوصفه للمراحل التي عاشها منذ انطلاقة الثورة بكل مراحلها السلمية والعسكرية وصولا للحظة اعتقاله وأنا أحس بأني في حضرة قائد، بكل ما يشترطه الوصف من خصال، فالثبات موجود، والهمة في أعلى مراتبها، الهدف والغاية مرسومتان بمداد من نور، تتجاوزا كل مطمح فرد، لترتقيا لمكانة أهداف القادة وغاياتهم، لذا تلاشت صدمتي بأن عمره ما زال صغيرا، فليس يشترط بالروح أن تنتظر تراكم السنين لينبثق منها ما يحيل أصغر القوم سادة لهم.

وفي حالة محمد، حري بمثل هذي الروح أن تسمو بصاحبها لتضع اسمه بين أسماء قادة الثورة بأسرها، وبقيت أسمع متلهفا إلى أن فرغ، صمت بعدها مبتسما، وصمت أنا متحسرا على نفسي، فأنا “الكهل” إذا ما قورنت به، لم أقدم شيئا يذكر، فيما تجاوزني بما قدم مراحل ومراحل، التفت بعدها إلي ليسحبني من بحر الفكر الذي كنت غارقا فيه، ويلقي بي بسؤال على شاطئ أشهد الله بأني لليوم أخافه، ارتعدت روحي لحظة سأل ذاك السؤال، إذ أن محمدا نظر إلي بعينين أحدهما ما زالت متورمة، وتقاسيم الوجه مازالت تحكي تفاصيل جلسات التعذيب جلسة جلسة و سوطا سوطا، فيما الصوت خافت يكاد أن يكون صدى.

همس : عمر … ماذا لو لم تنجح الثورة ؟؟ … ماذا لو أخمدها جمع الطغاة الذي يحيط بنا؟؟… أمعقول أن يذهب كل ما قدمنا سدى ؟؟؟ … كيف سنصنع لو أن كلاب الغرب والشرق استطاعوا أن يبقوا كلبهم هذا يحكمنا، أفيكون هذا العذاب الذي تجرعناه هدرا ؟؟؟ … و كل هذي القرابين التي قدمناها من أغلى شبابنا هباءا ؟؟؟…

يومها حاولت أن أجيبه، سقت له دلائل وأمثلة أعانتني على رسم خيط من أمل في مخيلته، لكن اليوم أجد أن كل تلك الأدلة والأمثلة التي سقتها قبل عامين لمحمد، تلاشت بمستجدات و خروقات، وهنات وأخطاء وخطايا ارتكبت منذ عامين لليوم، فيما تجمعت أدلة وأمثلة ونماذج أخرى تحيي آمالا أكبر، و تحاكي دلائل أقوى أننا باذن الله إلى النصر ماضون …

 لكن قولوا لي بالله عليكم … ماذا لو كان ما خافه محمدا يومها هو المصير الذي ستؤول إليه هذه الثورة … ماذا سنجيب محمدا، وحمزة، وغياث، و هاجر، وتامر، وحسام الأول؟؟؟

سيدي ومولاي، يا من تسمع أنين كل معتقل، وترى دمعة كل أم من أمهات شهدائنا ومعتقلينا، يا رحيما بأطفالهم، و رحيما بمن خلفوهم وراءهم ومضوا على درب الجهاد … سألتك بكل اسم هو لك، وباسمك الأعظم، أن تنتصر أنت لهم، وأن تتقبل كل ما قدم إخواننا في سبيل الحق يا أرحم الراحمين فيكون سببا في تعجيل نصرك … وسرعة نجدتك … و استعجال غارتك … فحسبهم وحسبنا أنت سيدي، نعم المولى ونعم النصير

One thought on “ماذا لو لم تنجح الثورة ؟

أترك ردا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s