سوريا بين مؤتمري باريس وجنيف

ماذا خسر السوريون بالتفاوض في باريس 1936 وماذا سيخسرون في جنيف 2014
جنيف 2 سيكون كأسا يتجرعها نظام الأسد باعترافه بالمعارضة السورية شريكا في الأزمة والحل.

إبراهيم الجبين

الوفد السوري في باريس في العام 1936

الوفد السوري في باريس في العام 1936

كان قد أعلن في سوريا قيام ست دول مستقلة على أساس طائفي، قبل سفر الوفد المفاوض إلى باريس لتوقيع اتفاقية سورية فرنسية. وتلك الدول هي “دولة دمشق، دولة حلب، دولة العلويين، دولة لبنان الكبير، دولة جبل الدروز ولواء اسكندرون المستقل”، واندلعت قبلها ثورة سمّيت الثورة السورية الكبرى في العام 1925، واستمرّت حتى ما بعد توقيع الاتفاقية في باريس في العام 1936، وكانت تلك الثورة أكبر سبب لطرح الحل السلمي ما بين فرنسا وسوريا.

تضاف إلى ذلك جملة أسباب، منها الإضراب العام في سوريا وإقفال المحلات التجارية وعدم خروج العمال للعمل وشل الاقتصاد في سوريا، إلى جانب الأوضاع السياسية المضطربة في أوروبا بعد انتخاب الحزب النازي وجملة الأوضاع العسكرية في الدول التي تحتلها كل من بريطانيا وفرنسا وإيطاليا في المنطقة، واختيار الحكومة الفرنسية الجديدة لمندوب سام جديد على سوريا كان يفضّل إنهاء الثورة عبر المفاوضات.

وفد سوريا يرفع شعار حماية الأقليات

وحين غادر الوفد السوري إلى باريس في العام 1936 ظهرت في حلب حركة دينية أطلقت على نفسها اسم “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” وأخذت تغلق الملاهي والخمارات والمراقص، فأعلنت الخارجية الفرنسية أنها تلقت العديد من الرسائل من مسيحيي سوريا ولبنان والعراق ومصر قالوا فيها : “اليوم منعوا المسيحيين من شرب الخمور، وغدا سيمنعونهم من دق أجراس الكنائس… نسترحم التشدّد في حماية الأقليات في المفاوضات مع الوفد السوري”.. أما تلك المفاوضات فقد كانت تجري مع وفد شكّلته شخصيات غلب عليها التمدّن والعلمانية، وهي تسع شخصيات سورية وافقت عليها فرنسا واعتبرتها ممثلة للشعب السوري وناطقة باسمه.

وكان أعضاء الوفد الذي ذهب ليفاوض الفرنسيين على استقلال سوريا هم “هاشم الأتاسي، فارس الخوري، سعد الله الجابري، جميل مردم بيك، إدمون الحمصي، مصطفى الشهابي، نعيم الأنطاكي، أحمد اللحام، وإدمون الربّاط”. وحين وصلت تلك الأخبار إلى الوفد السوري المفاوض، أرسل سعدالله الجابري برقية عاجلة إلى حلب حيث ممثله فيها جميل إبراهيم قال فيها “بصفتي رئيس الكتلة الوطنية في حلب أكلفك بقطع لسان كل من يقول بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في حلب.. إن هذا أمر يضرّ بالمفاوضات” ونفّذت أوامر الجابري، وزاد بأن أرسل غصن زيتون إلى مطران حلب الذي كان يقيم في باريس.

وأرسل العلويون، وكانت تسميتهم القديمة آنذاك “نصيريين”، رسالتهم الشهيرة إلى الحكومة الفرنسية، يطلبون فيها إبقاء الحال على ما هو عليه، وعدم الانضمام إلى دولة موحدة، ورفضوا أن يمثلهم وفد هاشم الأتاسي في المفاوضات.

ويذكر المؤرخ الفرنسي جاك فولريس أن فرنسا تخلت عن إنشاء دولة علوية لسببين رئيسيين أولهما أن الطبقات الشعبية فيها لم تكن قد وصلت بعد إلى مستوى يسمح لها بـ”فهم الفرصة التاريخية” لبناء دولة، والسبب الثاني هو فقر تلك المنطقة الذي يمنع من إمكانية استقلالها كدولة.

أما الروس، “السوفييت في ذلك الوقت” فقد استغلوا وصول الاشتراكيين إلى الحكم في فرنسا، فأرسلوا “خالد بكداش” الأمين العام للحزب الشيوعي السوري والذي كان مقيماً في موسكو للمشاركة في الوفد السوري، وقد تعمّد الوفد الذي يشكّل المسيحيون نسبة أربعة إلى خمسة من مجموع أعضائه التسعة، المبالغة في تقديم الضمانات لحقوق الأقليات، واستضاف مكتب الكتلة الوطنية التي شكلت الوفد مطران ديار بكر في آذار-مارس من العام 1936 أثناء المفاوضات في باريس، فأصدر الوفد بيانا تفاخر فيه بأنه أعطى الأقليات والطوائف حقوقاً قبل عصبة الأمم وقبل فرنسا ذاتها.

ماذا كسب السوريون في 1936؟

استمرت المفاوضات ستة أشهر متواصلة من آذار – مارس وحتى أيلول – سبتمبر من العام 1936، ونتج عنها : عقد اتفاقية تحالف بين فرنسا وسوريا لمدة 25 سنة، حصول سوريا على الاستقلال بعد ثلاث سنوات، إذ تعتبر هذه السنوات “فترة انتقالية” من الانتداب إلى الاستقلال، تساعد فرنسا سوريا على دخول عصبة الأمم المتحدة، تسمح فرنسا لسوريا بإنشاء جيش وطني بشرط أن يتم تسليحه وتقديم المشورة له من قبل الفرنسيين حصرا، تحتفظ فرنسا بقاعدتين عسكريتين جويتين في سوريا للضرورات، هما قاعدتا المزة والنيرب، وتبقي فرنسا جنودها في اللاذقية وجبل الدروز خمس سنوات على ألا يعتبر هذا احتلالا ولا يمس بسيادة الدولة السورية، كما ألحق كتاب يقضي بضم الجبل والساحل إلى سوريا، التعاون بين فرنسا وسوريا في حالة نشوب حرب، ونصت الاتفاقية على وحدة الأراضي السورية وجعل منصب السفير الفرنسي من أهم المناصب وله حق الأولوية على بقية السفراء.

خسائر الوفد السوري

هذا ما كسبه الوفد في باريس، أما ما التزم به فقد كان: “القبول بكل ما وقعت عليه الحكومة الفرنسية من اتفاقيات مسبقة، بما فيها الالتزام بإنشاء الوطن القومي لليهود في فلسطين، أي أن الوفد السوري خسر سوريا الجنوبية الغربية، ووافق على إعلان دولة لبنان، وعلى ما اتفقت عليه فرنسا مع الأتراك في ما يتعلق بمنطقة لواء اسكندرون”.

وقد تم توقيع المعاهدة في باريس بقلم رئيس الوفد السوري هاشم الأتاسي ورئيس الوزراء الفرنسي ليون بلوم، وأطلق عليها “معاهدة الاستقلال” وكتب عنها المؤرخ والوزير الأسبق يوسف الحكيم أن مما نصّت عليه : “وقوف مندوب المفوض السامي ومعاونيه في دمشق وسوريا، بعيدين كل البعد عن التدخل في شؤون الحكومة، واقتصار المستشارين لدى الوزارات، على إبداء الرأي إذا ما استشيروا، بخلاف ما كانوا عليه من تدخل في كل كبيرة وصغيرة”.

وعاد الوفد إلى سوريا، وأﻋﯾد اﻟﻌﻣل ﺑدﺳﺗور العام 1928، وفي 21 ديسمبر – كانون الأول من العام 1936 تم تنصيب هاشم الأتاسي رئيسا للدولة، وجميل مردم بيك رئيسا للحكومة، وفارس الخوري رئيسا للبرلمان، وسعدالله الجابري وزيرا للخارجية والداخلية، وشكري القوتلي وزيرا للدفاع والمالية، وفي اليوم التالي صادق المجلس النيابي على معاهدة التحالف والصداقة مع فرنسا وأبرمت بنودها بقانون تم نشره بعد أيام.

سوريا ما بعد اتفاقية باريس 1936

عارضت تلك المعاهدة قطاعات واسعة من الشعب السوري، وزعماء وشخصيات وطنية، وكان على رأسهم الدكتور عبدالرحمن الشهبندر والشيخ كامل القصاب وحسن العظمة وفوزي القاوقجي وإحسان الجابري، وانطلقت مع عودة الشهبندر إلى دمشق في يوم 14 من أيار – مايو من العام 1937 بعد أكثر من إثني عشر عاما من المنفى في مصر عاشها هاربا من الحكم بالإعدام الذي أصدره الفرنسيون في ثورة العام 1925، مظاهرات كبرى رافضة لتلك المعاهدة، وأخذ الشهبندر يطوف في القرى والمدن منتقدا بنودها ومفصلا نقاط الضعف فيها، وكانت تستقبله اللافتات التي كتب عليها “العروبة فوق الجميع” و”عاش المجاهدون زعماء العروبة”.

وندّد الشهبندر قائلا “إنهم يطلون اﻟﻣﻌﺎھدة ﺑﺎﻟﻌﺳل ﻟﺗﺑﻠﯾﻌﮭﺎ ﻟﻠﺷﻌب” وما هذه إلا “ﺣﻛوﻣﺔ اﻟرﻋﺎع”، وثبتت سريعا صحة انتقاد الشهبندر، فقد وقعت الحكومة الفرنسية اتفاقا مع الأتراك في جنيف تعترف فيه فرنسا بأن أنطاكية ولواء اسكندرون تعودان إلى الدولة التركية، فقال الشهبندر: “إنني أرمي إلى توحيد الصفوف، ولا أريد أحزابا ولا أعنى بالشخصيات”، وكانت الجبهة الوطنية المتحدة التي شكلها الشهبندر مع العجلاني والخطيب ترى أن هذه المعاهدة بعيدة عن تحقيق الأماني القومية ولا تحقق الاستقلال، فرد عليهم فارس الخوري في خطاب على مدرج جامعة دمشق، بالقول: “ليس في المعاهدة التي كتبت بدماء الشهداء ما يمس استقلال سوريا، معاهدتنا معاهدة الند للند وهي تؤيد استقلالنا الاقتصادي والسياسي وحرية التعاقد مع الحكومات العربية والأجنبية”، دافع الوفد المفاوض عن معاهدة الـ1936 ووصفها جميل مردم بيك بأنها “عروس الشرق”، وقال سعد الله الجابري: “لم يبق لفرنسا إلا أن تعطينا مرسيليا”!.

وكان من جملة الانتقادات الموجهة إلى المعاهدة، قبولها بنظام داخلي للجزيرة والفرات واسع النطاق باسم المحافظات، الأمر الذي يهدد صلتها بسوريا في المستقبل، وقبول اتفاق البنك السوري- اللبناني طبقا لوجهة نظر أصحابه، وقبول عقود الموظفين الأجانب، وقبول تعيين مستشارين فرنسيين، وأخيراً الاعتراف بحق فرنسا في الدفاع عن الأقليات، وسن قوانين خاصة بأموالهم وأحوالهم.

أما المسيحيون والأكراد في الجزيرة السورية فقد سيطر القلق عليهم بعد توقيع المعاهدة، وقد كانت مطالبهم في حدودها الدنيا تنصّ على تعيين إداريين من سكّان الجزيرة، “أي إدارة ذاتية بشكل أو بآخر”، ولكن حكومة مردم بيك رفضت، الأمر الذي تسبب في تفجّر الأوضاع في صيف العام 1937 حين أبدى الأكراد والآشوريون اعتراضهم على المسؤولين السوريين الذين عُيّنوا في المنطقة، وبدأ التمرّد في الحسكة وامتدّ إلى القامشلي، وطالب المتمرّدون بالحكم الذاتي، وفي منتصف آب – اغسطس 1937 استطاعت كتيبة من المشاة مدعومة بدرّاجات ناريّة وأسراب من الطائرات أن تضع نهاية للاضطرابات.

وفي نهاية تلك السنة عارض بطريرك السريان الكاثوليك الكـاردينال “تبوني”، ممثّلا الأقلّيات المسيحية، الحكم السوري المباشر في الجزيرة، وفاتح وزارة العلاقات الخارجية الفرنسية، شارحا في رسالته إليها احتمال ذبح المسيحيين في شمال سوريا وأماكن أخرى، واقترح منح جميع الفئات في الجزيرة المساواة التامّة في الدين والشؤون الشخصية، مثلا : تعيين عدد منصف من الإداريين المسيحيين وإيجاد وسائل حماية كافية في المناطق التي قد يكون الأمن المسيحي فيها معرّضا للخطر، وحماية مصالح الأقلّيات من خلال اللامركزية في الحكم.

وجاء في بيان أصدرته اللجنة المركزية لعصبة العمل القومي في دمشق في 26 من يناير من العام 1937، بعنوان لواء اسكندرون الشهيد، أنه “إذا كان ثمن المعاهدة ابتلاع أرض جديدة من الوطن فإننا نطالب مجلس النواب بالتراجع عن تصديقه لهذه المعاهدة”.

فأخذت حكومة مردم بيك تضعف، بدءا من توقيعها لاتفاقية تجديد امتياز البنك السوري ومنح الشركات الفرنسية حق استثمار البترول السوري والتنقيب عنه، وسميت هذه المعاهدة “بونه – مردم بك” (وبونه هو جورج بونه وكيل وزارة الخارجية الفرنسية)، واندلعت المظاهرات الطلابية في أنحاء سوريا، واستقالت الحكومة ووزراؤها دون أن يطلبوا من الفرنسيين تعديل أي بند في المعاهدة.

وتعثر مشروع المعاهدة وفشل الأتاسي في التوصّل إلى حكومات مستقرة، فاتخذ المندوب السامي الفرنسي القرار رقم 144 في الثامن من تموز – يوليو 1939 أوقف بموجبه العمل بالدستور وحل المجلس النيابي.

واستمرت الثورة السورية التي كانت متفجرة قبل المعاهدة، واغتيل الدكتور عبد الرحمن الشهبندر في العام 1940 وفي أيلول – سبتمبر من العام 1942 قال شارل ديغول إن “سوريا ولبنان غير جاهزتين للاستقلال”. فاندلعت انتفاضة الاستقلال، وقصف الفرنسيون دمشق بالطائرات ودمروها في العام 1945، ولم تتوقف الانتفاضة حتى يوم 17 من نيسان – أبريل من العام 1946، حين أعلنت الحكومة السورية في 25 نيسان – أبريل من العام 1946، استقلال سوريا التام بخروج آخر جندي فرنسي.

مفاوضات جنيف 2 – 2014

جنيف 2رغم اجتياز المجتمع الدولي لأكثر من ثمانية وثمانين عاما، بعد باريس 1936، إلا أنه لم يكتشف جديدا، سوى أنه عليه أن يعيد الدرس ذاته ويبدأ من الصفر، مع الأوضاع في سوريا، مركزّا على ملف حماية الأقليات، وخطر انتشار التطرّف الإسلامي، الذي كان وقتئذ على صورة هيئات دينية للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وكأن شيئا لم يتغيّر في خارطة المجتمعات وثقافاتها؛ وكأن القوى الغربية ذاتها لم تتراجع عن قناعاتها الاستشراقية السابقة، فتطلب الأمر إعادة تصنيع الظروف من جديد، وانتظار نشوء أو تنشئة التطرّف الجهادي “القاعدة” وزعزعة العلاقات ما بين طوائف ومكونات الشعب السوري. واتضح أن العالم لا يريد الإيمان بغير الحل التفاوضي وفق ما تم الاتفاق عليه في جنيف1 في العام 2012.

لا تختلف معطيات النظام الذي يحكم سوريا منذ العام 1963 عن ظروف ومعطيات ومعايير الاحتلال الأجنبي، الذي مارس كافة أشكال القمع وتأخير التنمية والاعتقالات وترضيخ المجتمع وبرمجة فئاته وفقا لمبدأ استمرار النظام في الحكم (استمرار الاحتلال – الانتداب) ثم بعد ذلك عبر ربط استمراره في الحكم مع مشروع الفساد الكبير الذي امتصّ حياة السوريين وخيرات بلادهم.

وبإضافة معطى غاية في الأهمية، يتمثّل في كون النظام الحالي كطرف في المفاوضات، يحمل وفده الجنسية السورية، فإنه سيكون من الصعب التوصّل إلى اتفاق مشابه لما تم التوصّل إليه في باريس في العام 1936، لأن ذلك سيعني الانسحاب من الأراضي السورية وإن على مراحل، لكن والحال هكذا.. إلى أين سينحسب النظام وجيشه؟ إلى خارج سوريا؟ أم إلى دولة جديدة مقتطعة من سوريا ذاتها؟!

الأطراف والأهداف

سيكون من الصعب التنبؤ بشكل طاولة حوار ما زال المشرفون على اللعبة فيها، غير متفقين على الأطراف التي ستشارك في الحوار الذي سيدور من حولها، فلم يتضح بعد إن كانت السعودية ستقبل بمشاركة إيران أم أن إيران ستستغل تقاربها الحالي والجديد مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي لفرض مشاركتها في المفاوضات.

أما عن طرفي الحوار الأساسيين المعارضة السورية ونظام بشار الأسد، فإن اللعبة هنا تزداد تعقيدا، ففي حين يبدو وفد النظام متماسكا عبر شخصيات جرّبها من قبل في مباحثات من هذا النوع، يبدو وفد المعارضة الأكثر عرضة للاختراق ليس فقط من قبل نظام بشار الأسد، عبر تنسيقه مع جهات معارضة كثيرة، ومنها هيئة التنسيق وأحزابها، ولكن قد يكون الاختراق من قبل الطرفين الراعيين للمؤتمر(الولايات المتحدة وروسيا).

قبل جنيف2 لم تتراجع القوى الغربية ذاتها عن قناعاتها الاستشراقية القديمة فتطلب الأمر إعادة تصنيع الظروف من جديد، وانتظار نشوء أو تنشئة التطرّف الجهادي “القاعدة” وزعزعة العلاقات ما بين طوائف ومكونات الشعب السوري.

فكما قدّمت موسكو خالد بكداش في مفاوضات باريس 1936 ها هي تعيد تقديم قدري جميل ليكون أحد المشاركين في وفد المعارضة السورية وهو المعروف بعلاقاته الوطيدة مع الشبكة الأمنية والمافيوية لنظام الأسد، بالإضافة إلى ترتيبات جرت مع معارضين وتيارات عديدة أبدت استعدادها للتنسيق مع موسكو، وإيران وحزب الله في الوقت ذاته، كما في حالة هيثم مناع الذي زار قبل فترة الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله وأجرى مباحثات معه حول المرحلة القادمة.

وهناك الوفد الكردي الذي قرّرت غالبية قواه المشاركة ضمن وفد الائتلاف بعد الاتفاق الموقع بين الطرفين والذي يعطي للأكراد إدارة ذاتية للمناطق ذات الغالبية الكردية في سوريا، ولكن وفي الوقت ذاته، كان فصيل صالح مسلم المسلّح وهو الجناح العسكري لحزب الـ “بي ي دي” قد أعلن إدارته الذاتية على تلك المناطق في تنازع واضح مع بقية الأحزاب الكردية، ومن المعروف أن حزب صالح مسلم ينسّق أمنيا مع النظام السوري في المناطق الشمالية، حتى أنّه غطى زيارة وزير دفاع النظام لمدينة القامشلي مؤخرا.

الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، يبدو حتى اللحظة، رغم تصريحات رئيسه والشخصيات الأبرز فيه، مصرّا على المشاركة المشروطة في جنيف2، على اعتباره سيفضي إلى تسليم السلطة وتنحي الأسد، ولكن الجسم الأكبر في الائتلاف والذي يتجسد في المجلس الوطني السوري بقيادة جورج صبرا، ما يزال يرفض المشاركة بلا ضمانات، رغم أن الإخوان المسلمين سيشاركون في المؤتمر دون تردّد، وفقا للمعطيات البنيوية التي ترسم قراراتهم في اللحظات الحرجة، ليظهر تناقض جديد داخل مؤسسة صقور المعارضة، ويبقى رهنا بالدقائق الأخيرة قبل المؤتمر.

وإذا أضفنا إلى هذا كلّه موقف رئاسة الأركان للجيش السوري الحر، التي رفضت تماما المشاركة في جنيف2، وأصرّت على مواصلة القتال كما جاء على لسان قائدها سليم إدريس بأنه لن يوقف إطلاق النار سواء خلال المؤتمر أو بعده، فإن شكلا غير متوقع من التحليل سينتج عندما نسمع تصريحات حكومة الدكتور أحمد طعمة التي لا تمانع من حضور مؤتمر جنيف2 وفيها وزير دفاع يشرف على رئاسة الأركان.

أما الألوية والكتائب المسلحة العاملة على الأرض، فيرتبط مصير مشاركتها بمصير الجبهة الإسلامية التي شكّلت مؤخرا، لتكون صلة وصل ما بين الإدارة القطرية للعمل المسلح من جهة والإدارة السعودية من جهة أخرى، في توافق صعب، ولكنه بدا راسخا حتى الآن، ويبقى الجانب الأكثر خطورة، من من هؤلاء جميعا سيكون ممثلا عن الكتائب الجهادية المقاتلة التي صنّفت تحت بند “القاعدة”؟! بينما أعلنت المجموعات الإسلامية المقاتلة أنها لن تشارك في جنيف2 وعبرت عن رفضها التفاوض مع النظام لأن ذلك يعدّ اعترافا بأعمال العنف التي ارتكبها ويرتكبها الأسد، وإعادة بعث الشرعية في نظامه من جديد، وأعلنت الكتائب المسلحة أن كل من سيتوجه إلى جنيف للمشاركة في الحوار مع النظام “شخصاً خائناً”.

ولكن ما هي أهداف كل طرف من الأطراف المشاركة في المفاوضات المزمع عقدها في جنيف2 بداية العام 2014؟

الهدف المعلن من محادثات جنيف2 هو التوصل إلى حل سياسي للحرب التي تدور رحاها في سوريا، وسيشكل الإعلان الختامي لمؤتمر جنيف1 الذي انعقد في يونيو – حزيران 2012 أرضية لتنطلق منها هذه المفاوضات.

وفي جنيف1 كان قد تقرّر تشكيل حكومة ذات صلاحيات كاملة، لتحلّ محل النظام السوري، وتدير شؤون البلاد إلى حين تشكيل جمعية تأسيسية ودستور مؤقت وانتخابات عامة برلمانية ورئاسية تحدد شكل الحياة السياسية في سوريا القادمة.

أهداف بشار الأسد وأوراقه

لا يهدف وفد بشار الأسد بالدرجة الأولى إلى البقاء في السلطة كما يردّد كثيرٌ من المحللين، بقدر ما يسعى إلى إعادة المياه إلى مجاري العلاقات الدولية من حوله، عبر مشاركته الجادة في المؤتمر، فهو مستمر في الحكم دون أن يشارك في جنيف2، والأوراق التي يملكها كثيرة، وليس على رأسها ملفات مثل أكثر من مئتي ألف معتقل ومعتقلة، وملايين اللاجئين الذين سيحاول النظام طرح موضوعهم على الطريقة الإسرائيلية في المفاوضات مع الفلسطينيين، فيصبح حق العودة إلى “دولة المرحلة المؤقتة” موضوعا للنقاش خاضعا للأخذ والرد، بالإضافة إلى ملف وقف إطلاق النار من عدمه، وتوقيت حدوث ذلك، ومدّة الهدنة، يتقدّم هذا كلّه ملف الجماعات والمليشيات التي استقدمها النظام للقتال في سوريا، ومنها الباسيج الإيراني ولواء أبي الفضل العباس العراقي ومليشيات حزب الله والحوثيين، والمرتزقة الروس، وملف حماية الأقليات وضمان سلامة العلويين وعدم وقوع مجازر انتقامية، وأخيرا ضمان مصالح الدول الراعية للنظام روسيا والصين وإيران وبعض دول أميركا اللاتينية.

وسيكون هدف النظام المعلن هو البقاء حتى إتمام بشار الأسد ولايته الانتخابية التي لا تعترف بشرعيتها المعارضة السورية وتعتبرها وراثة واغتصابا للحكم، تلك الولاية التي ستنتهي في منتصف العام 2014. ولم يخف الأسد نيّته الترشح للانتخابات الرئاسية القادمة.

وأعلن فيصل المقداد، نائب وزير الخارجية السوري، أن “الوفد السوري الرسمي لن يتوجه إلى جنيف من أجل التنازل عن السلطة”، وأن مطالبة الغرب والمعارضة السورية بتنحي الأسد “مسألة لا تقبل النقاش”.

وتعدّ مسألة الرغبة الإسرائيلية في إطالة عمر الصراع أكثر، لإنهاك الأطراف كلّها، في انتظار أن تنضج الأوضاع أكثر في سوريا، ورقة لصالح نظام بشار الأسد في المفاوضات، مما سيجعل من فرص استمراره في الحكم لفترة قادمة ليست بالطويلة أمراً محتملاً.

وستكون ورقة الانفصال في دولة خاصة بالعلويين إحدى أوراق نظام بشار الأسد في المفاوضات، وربما لوّح بها من قبل لتكون بالون اختبار للأطراف جميعها، وسيستخدمها في التفاوض. ويتخوف بعض الجهات السورية المعارضة من استغلال النظام للتفاهم الذي تم توقيعه ما بين الائتلاف والمجلس الوطني الكردي، والقياس عليه دولياً، مما سيتيح حكما ذاتيا وإدارة خاصة للمناطق العلوية غرب سوريا.

أهداف المعارضة وأوراقها

سيكون هدف وفد المعارضة السورية المعلن هو تنحي بشار الأسد عن الحكم والقبول بتشكيل هيئة حكم مشتركة ما بين الائتلاف الحالي وحكومته وأجهزة النظام، وتملك المعارضة عددا لا بأس به من أوراق اللعب، تمثل القوى المسلحة التي تتبع لها، والتي ترفع سقف المطالب برفض الحوار أصلا مع النظام، بالإضافة إلى وجود هيئات دينية وشرعية في الائتلاف والمجلس الوطني السوري يمكنها التفاوض مع القاعدة أو مقاتلتها في شمال سوريا، حيث دولة العراق والشام، بالإضافة إلى المناطق التي تم تحريرها وطرد قوات النظام منها، وقد وقعت غالبية آبار النفط في المناطق الشرقية والشمالية بيد المعارضة مما يجعلها ورقة تفاوض إضافية.

ولكن نظام بشار الأسد لم يكترث لذلك ولا يعتمد أساسا على تلك الحقول في تمويل حملته العسكرية الانتحارية الشاملة، وتملك المعارضة السورية الكثير من النقاط الإستراتيجية الحساسة في لعبة توازن الموت الحالية، فخط التماس على طول الحدود مع الساحل السوري والقرى العلوية يمكن تفجيره في أية لحظة. ويبدو أنه قد تم تأجيل هذه العملية مرارا كي تكون ورقة للتفاوض فيما بعد، بالإضافة إلى إمكانية التمدّد عسكريا إلى جنوب حلب وتوسيع العمليات في الغوطة الشرقية والغربية.

سيكون انقسام المعارضة السورية في المؤتمر، ورقة لصالح المعارضة وليس ضدّها، فجميع الأطراف ستبحث عن مصالحها. وتصادف اليوم أن جميع المصالح تتقاطع عند نقطة زوال نظام بشار الأسد وتأسيس نظام جديد يكون لكل طرف فيه حصّة مكتسبة.

آفاق التوافق أو انهيار جنيف 2

يقول الدكتور نديم شحادة، الخبير في معهد تشاثام هاوس البريطاني للأبحاث، إن مؤتمر جنيف2 سيكون “مجرد إضاعة للوقت”. بينما يعتقد السفير الفرنسي في الأمم المتحدة جيرار أرو، أنه لا جدوى من مشاركة المعارضة السورية في مؤتمر جنيف، ورأى أن التزام نظام بشار الأسد بتنفيذ مقررات مؤتمر جنيف1، وعلى رأسها تشكيل حكومة انتقالية كاملة الصلاحيات، سيكون هو المدخل لجنيف2، وقال أرو : “الأسد ذكر منذ البداية أنه لن يحترم ما جاء في مؤتمر جنيف واحد، ويرفض فكرة وجود سلطة انتقالية، وأنا لو كنت مكان المعارضة السورية لما ذهبت إلى جنيف2”.

نظام الأسد مولع بنموذج الصراع الإسرائيلي الفلسطيني وقد يحاول جعل القضايا المطروحة للتفاوض طويلة الأمد وبلا نهايات واضحة.

الأميركيون يرون أن جنيف2 “فرصة جيدة” كما جاء على لسان وزير الخارجية جون كيري، مضيفا “نحن ندرك وجود عقبات كثيرة في طريق الحل السياسي”.

أما الروس فيرغبون في رؤية الطرف الأميركي وهو ينفّذ ما تم الاتفاق عليه من وقف الدعم للمعارضة السورية، بالسلاح والمال والمواد الإغاثية، الأمر الذي لا تمانع من تنفيذه أميركا على أن يكون له مآل في جنيف2، في الوقت الذي يحتدم فيه الصراع تحت الطاولة ما بين الرياض وواشنطن على خارطة المنطقة، حول الملف الإيراني والمصري والقطري، بينما ستكون إيران موافقة على أية صيغة قادمة تحفظ لها موطئ قدم في سوريا يضاف إلى الضاحية الجنوبية معتمدة على قدراتها في توسيع النفوذ في حالات السلم والحرب، أما تركيا ستكون الطرف الأكثر صبرا بعد أن تمكنت من احتضان كل أطياف المعارضة السورية على أراضيها، المدنية والمسلحة العلمانية منها والدينية، لتقوم بدورها من جهة وبأدوار وكيلة لدول أخرى في المنطقة.

جنيف2 سيكون المرة الأولى التي يضطر فيها نظام الأسد إلى الاعتراف بالمعارضة السورية كشريك في المشكلة والحل، ولكن ما يمكن أن يستثمره النظام بفضل خبراته في تجميد الصراعات عبر تاريخه الطويل، هو رغبته العميقة في تحويل المفاوضات مع المعارضة السورية إلى نسخة مطابقة للمفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية، التي امتدت لسنوات ولم تتمخض عن حلول حتى اللحظة، فتصبح كل القضايا المطروحة طويلة الأمد.

أترك ردا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s