الأساطير المؤسسة للتضليل الإعلامي

مع هربرت شيلر في : “المتلاعبون بالعقول”

أحمد القصوار

العرائسيعتبر كتاب “المتلاعبون بالعقول” لمؤلفه هربرت شيلر و الصادر سنة 1974 (الإصدار الأول للترجمة العربية في 1986 من طرف عبد السلام رضوان في سلسلة عالم المعرفة) من النصوص الأساسية التي لا غنى عنها في تتبع سيرورة نقد وسائط الاتصال الجماهيرية، و يرجع له الفضل في إثارة انتباه الباحثين و المهتمين بالإعلام إلى أنواع التضليل و الاستمالة و توجيه العقول و صناعة الرأي العام و تعزيز الوضع الراهن( اجتماعيا و اقتصاديا و ثقافيا). و لم ينطق في كتابه الذي أثار نقاشا كبيرا إبان صدوره أو بعده أو في ترجماته إلى لغات متعددة عن الهوى ، بل عن بينة و تبصر و متابعة رصينة لوسائل الإعلام الأمريكية؛ و هو الأستاذ لمادة “وسائل الاتصال” بجامعة كاليفورنيا.

و تعميما للفائدة العلمية و النقدية من كتابه الذي يعد مرجعا عالميا في نقد الاقتصاد السياسي للإعلام و الاتصال، و من اجل التذكير بأفكاره و خلاصا ته الأساسية و استثمارها وتطويرها، أقدم في هذا المقال عرضا مركزا للأساطير المؤسسة للتضليل الإعلامي و لتقنيات تشكيل الوعي و سياسة العقول.

الفكرة و الأهداف

يؤكد شيلر في مقدمة كتابه إلى أن مديري أجهزة الإعلام في أمريكا يقومون بوضع أسس عملية تداول الصور و المعلومات، و يشرفون على معالجتها و تنقيحها و أحكام السيطرة عليها. تلك الصور و المعلومات التي “تحدد معتقداتنا و مواقفنا ، بل و تجدد سلوكنا في النهاية”. و يتحول مديرو أجهزة الإعلام إلى “سائسي عقول” عندما يعمدون إلى طرح أفكار و توجهات لا تتطابق مع حقائق الوجود الاجتماعي. ذلك أن الأفكار التي تنحو عن عمد إلى استحداث معنى زائف و إلى إنتاج وعي لا يستطيع أن يستوعب بإرادته الشروط الفعلية للحياة القائمة أو أن يرفضها ن سواء على المستوى الشخصي أو الاجتماعي، ليست في الواقع سوى أفكار مموهة أو مضللة ( ص 7).

و يحدد شيلر المقصود بكلمة تضليل هنا ، و هو التأثير في شخص ( أو هيأة أو جماعة) بطريقة تنطوي على التمويه أو التلاعب.و هو يمثل إحدى الأدوات التي تسعى النخبة من خلالها إلى” تطويع الجماهير لأهدافها الخاصة” . فباستخدام الأساطير التي تفسر و تبرر الشروط السائدة للوجود، بل و تضفي عليها أحيانا طابعا خلابا ، يضمن المضللون التأييد الشعبي لنظام اجتماعي لا يخدم في المدى البعيد المصالح الحقيقية للأغلبية. و عندما يؤدي التضليل الإعلامي للجماهير دوره بنجاح تنتفي الحاجة إلى اتخاذ تدابير اجتماعية بديلة.

هكذا ، يضم شيلر صوته إلى الرأي القائل إن التضليل الإعلامي هو الأداة الأساسية للهيمنة الاجتماعية في الولايات المتحدة الأمريكية. و على الرغم من تعدد و تنوع وسائل التضليل ، يبين الكاتب أن السيطرة على أجهزة المعلومات و الصور على كل المستويات تمثل وسيلة أساسية من وسائله. و يتم “تامين ذلك من خلال إعمال قاعدة بسيطة من قواعد اقتصاد السوق. فامتلاك و سائل الإعلام و السيطرة عليها، شانه شان أشكال الملكية الأخرى متاح لمن يملكون رأس المال ” ( ص 11).

بناء عليه، يؤكد شيلر أن ما يستهدفه من الكتاب هو تحديد نوعية بعض هذه القوى المتحكمة في وسائل الإعلام و “أن اكشف الوسائل يتمكنون بها من إخفاء وجودهم ، وإنكار تأثيرهم، أو التي يمارسون من خلالها سيطرة توجيهية في ظل رعاية تبدو في ظاهرها معتدلة ( أو) طبيعية.على أن تقصي هذه ” العمليات الخفية” و بحث آلياتها الدقيقة ينبغي ألا يتم الخلط ينه و بين نوع أخر من التقصي و البحث أكثر شيوعا ، و هو فصح الأنشطة السرية ” ( ص 12). لذا ، يحذر الكاتب أن صفحات الكتاب ليست معنية التأمر و لا تستشهد به، كما أن فكرة ” توجيه العقول تفيد السيطرة على العقول في اتجاه معين ، و يقابلها في الانجليزية كلمة Management

و الملاحظ أن شيللر كانت له قدرة تنبؤية كبيرة سنة 1974 ( تاريخ صدور الكتاب) حيث كتب ما يصح قوله في الظروف الراهنة بخصوص التحكم في و سائل الإعلام داخل أمريكا. كتب: “و في الوقت الحاضر يعزف مهرجان وسائل الإعلام القومي ألحانه بقيادة وكلاء الاقتصاد الرأسمالي للدولة المقيمين في المكاتب التنفيذية للبيت الأبيض و في مكاتب العلاقات العامة و وكالات الإعلام بشارع ماديسون.و هناك ما يبرر الاعتقاد – كما تشير الفصول التالية – بان عملية إدارة و توجيه المعلومات سوف تشهد المزيد و المزيد من التنظيم على أيدي المتحكمين في وسائل الإعلام في السنوات القادمة. إن تدفق المعلومات في مجتمع معقد هو مصدر لسلطة لا نظير لها. و ليس من الواقعية في شيء أن نتصور أن التحكم في هذه السلطة سوف يتم التخلي عنه عن طيب خاطر ” ( ص 14-15).

أليست هذا بالضبط ما قامت به أمريكا مع قناة س ن ن خلال حرب الخليج الثانية، و مع فوكس نيوز خلال ما يسمى بالحرب على الإرهاب و إبان غزو العراق في 2003 ؟.

أسطورة الفردية و الاختيار الشخصي :

يذهب شيلر إلى أن أعظم انتصار أحرزه ” التضليل الإعلامي” يتمثل في الاستفادة من الظروف التاريخية الخاصة للتطور الغربي من اجل تكريس تعريف محدد للحرية تمت صياغته في عبارات تتسم بالنزعة الفردية.و هو ما يمكن المفهوم من أداء وظيفة مزدوجة: فهو يحمي حيازة الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج من ناحية، و هو يطرح نفسه في الوقت ذاته بوصفه حارسا لرفاهية الفرد، موحيا – إن لم يكن مصرا- بان هذه الأخيرة لا يمكن بلوغها إلا في وجود الأولى. و فوق هذا المعنى أو التفسير المركزي يتم تشييد هيكل كامل من التضليل الإعلامي ( ص 17). فما الذي يفسر قوة هذا المفهوم ..

يؤكد الكاتب أن هناك من الشواهد ما يكفي للقول بان حقوق الفرد المطلقة ليست سوى أسطورة، و بأنه لا يمكن الفصل بين الفرد و المجتمع. فإذا كانت بدايات الحضارة كما يلاحظ الباحثون تمتد جذورها في التعاون و الاتصال، فان أساس الحرية كما فهم في الغرب يتمثل في وجود اختيار شخصي جوهري. كما أن التوحيد بين الاختيار الشخصي و الحرية الإنسانية يمكن ملاحظته منذ ظهرا جنبا إلى جنب مع فردية القرن السابع عشر بوصفهما نتاجا لاقتصاد السوق الناشئ حديثا ( 18).

و يستطرد المؤلف بخصوص أسلوب الحياة الأمريكية الذي يعكس – بدءا من أدق تفاصيلها حتى أعمق معتقداتها و ممارساتها الشعورية- نظرة إلى العالم مكتفية بذاتها ، وتمثل بدورها انعكاسا دقيقا لبنية الاقتصاد ذاته ( ص 19). و يخلص إلى أنه على الرغم من ان الحرية الفردية و الاختيار الشخصي هما اقوي حصون ” نظام الملكية الخاصة و الإنتاج الخاص” الأسطورية، فان هذا النظام يطلب و يبتدع المزيد من التفسيرات جنبا إلى جنب مع الوسائل التقنية اللازمة لنقلها. و تؤدي هذه الأفكار إما إلى إضفاء طابع عقلاني على وجود هذا النظام و الى التبشير بمستقبل عظيم ، و إما إلى تحويل الأنظار على نقاط ضعفه المتفاقمة و حجب احتمالات أي انطلاقة جديدة نحو التطور الإنساني ( ص 20). و يضيف أن ” بعض هذه التفسيرات و الوسائل التقنية ليس مقصورا على النظام الصناعي ذي النزعة الفردية، بل تقبل التطبيق في أي نظام اجتماعي يصر على الحفاظ على هيمنته. على أن هناك أساطير أخرى و الوسائل اللازمة لترويجها ترتبط ارتباطا وثيقا بالسمات النوعية المتميزة لهذا النظام الاجتماعي ( ص 20).

أسطورة الحياد

يكاد شيلر يشبه التضليل الإعلامي بإخفاء آثار الجريمة.فهو لكي يؤدي دوره بفعالية اكبر،”لا بد من إخفاء شواهد وجوده، أي أن التضليل يكون ناجحا عندما يشعر المضللون أن الأشياء هي على ما عليه من الوجهة الطبيعية و الحتمية، و بالتالي فان التضليل الإعلامي يقتضي واقعا زائفا هو الإنكار المستمر لوجوده أصلا” ( ص 20).لبلوغ ذلك، يوضح شيللر ضرورة إيمان الشعب الذي يجري تضليله بحياد مؤسساته الاجتماعية و الرئيسة. لا بد أن يومن الشعب بان الحكومة و الإعلام و التعليم و العلم بعيدة جميعا عن معترك المصالح الاجتماعية المتصارعة ( ص 20-21). و تشكل الحكومة ركيزة أسطورة الحياد .فهذه الأسطورة تفترض مسبقا الاقتناع الكامل ( من طرف الشعب الأمريكي ) باستقامة و عدم تحزب الحكومة بوجه عام و عناصرها المكونة: الكونغرس، النظام القضائي، الرئاسة.من ثمة، تكون وقائع الفساد و الغش و الاحتيال نتيجة مترتبة على الضعف الإنساني. أما المؤسسات فهي بعيدة تماما عن المؤاخذة ( ص 21).

كما يفترض أن أجهزة الإعلام تتسم بالحياد. و في هذا الإطار، يؤكد شيلر أن ” وسائل الإعلام ( الصحافة، و الدوريات و الإذاعة و التلفزيون) هي جميعا و بلا استثناء مشروعات تجارية تتلقى دخولها من الاستغلال التجاري لمساحاتها الزمنية آو المكانية لمصلحة الإعلانات، فمن الواضح أنها لا تثير أي مشكلة بالنسبة لهؤلاء الذين يدافعون عن موضوعية و نزاهة الهيئات العاملة في حقل الإعلام” ( ص 22).

كما يواصل العلم ( الذي اندمج أكثر من أي نشاط ذهني آخر في اقتصاد المؤسسات العملاقة متعددة الشركات) الإصرار ” على حياده القائم على استقلاله القيمي . و يعزز العلم الذي يأبى أن يأخذ بعين الاعتبار المعاني التي تتضمنها طبيعة المصادر الممولة لنشاطه، و اتجاهات أبحاثه و تطبيقات نظرياته و الطابع المميز للنماذج التي يخلقها ، يعزز الفكرة القائلة بانعزاله عن القوى الاجتماعية المؤثرة في كل الأنشطة الأخرى الجارية في البلاد” ( ص22). و يضيف شيلر أن المضللين يزعمون أن نظام التعليم بدءا من المرحلة الابتدائية حتى مستوى الجامعة ” يخلو من أي غرض إيديولوجي مقصود . و مع ذلك فلا بد أن يعكس الناتج النهائي للعملية التعليمية ما تم تعلمه. و يدهش المرء حين يجد أن اغلب خريجي المراحل التعليمية المختلفة يظلون على إيمانهم و تقيدهم بالأخلاقيات التنافسية للمشروع الفردي” ( ص 22).

و في ما يخص الحقل الاجتماعي، يؤكد شيلر أن ” الحياد و الموضوعية يتم اللجوء إليهما لوصف الأداء الوظيفي للأنشطة المحملة بقيم وأغراض محددة، والتي تقدم الدعم للنظام المؤسساتي السائد. ومن العناصر التي لا غنى عنها للحفاظ اليومي على نظام السيطرة تلك الأسطورة التي تحظى برعاية فائقة و التي تقول بأنه لا سيطرة لأي مجموعات أو أراء خاصة على عمليات صنع القرارات المهمة في البلاد” ( ص 22).

أسطورة الطبيعة الإنسانية الثابتة

يسجل شيلر إمكانية وجود ألوان مختلفة من التصورات في ذهن أي فرد حول الحقائق السياسية و الاجتماعية و الاقتصادية و الشخصية. على أن القاسم المشترك في كل تلك التصورات هو النظرة التي يتبناها الناس للطبيعة الإنسانية. كما تؤثر ماهية الطبيعة الإنسانية كما يفهمها الناس في الطريقة التي يتصرفون بها ” ليس نتيجة لأنه يتعين عليهم أن يتصرفوا على هذا النحو” ( ص 23).

ويلاحظ شيلر أن النظرية التي تؤكد على الجانب العدواني في السلوك الإنساني و عدم قابلية الطبيعة الإنسانية للتغيير تجد استحسانا و قبولا في الولايات المتحدة. كما تستوعب قدرا كبيرا من الجهد و الفكر، و يتم نشرها على نطاق واسع من خلال وسائل الإعلام. و مرد ذلك إلى أن الاقتصاد المبني على الملكية الخاصة و الحيازة الفردية و العرض دائما للصراعات الشخصية و الاجتماعية التي تفرضها هذه الأوضاع، سيسر كثيرا بمثل هذا التفسير الذي يضفي المشروعية على مبادئه الأساسية المؤثرة في الواقع( ص 24).

و تتمثل النتائج الاجتماعية النهائية للفرضية القائلة بان الطبيعة الإنسانية تقوم على الخطيئة في المزيد من التخطيط و الافتقار الكامل للقدرة على معرفة أسباب الداء و في استمرار الالتزام و التقيد بالوضع القائم ، أي أنها تمثل الرفض أو النقيض لما اسماه احد الكتاب “الطبيعة الإنسانية للطبيعة الإنسانية” ( ص 25).

و يؤكد شيلر أن الطبيعة الإنسانية عند مضللي العقول ثابتة لا تتغير و كذلك الحال بالنسبة للعالم. ذلك أن سائسي العقول يسهبون في الحديث عن التغيرات الفيزيائية ( وسائل نقل جديدة، تكييف هواء، أطعمة معلبة..)، إلا أنهم يحجمون بحرص بالغ عن التعرض للتغيرات الحادثة في العلاقات الاجتماعية أو في البنى المؤسساتية التي تشكل الدعامة الأساسية للاقتصاد ( ص 27).هكذا، سيبقى العالم باستثناء بعض التجديدات الديكورية الباهرة كما هو تماما . و ستبقى العلاقات الأساسية دون تغيير حيث إنها على حد زعمهم ، شانها شان الطبيعة الإنسانية ، غير قابلة للتغير. أما فيما يتعلق بتلك الأجزاء من العالم التي شهدت عمليات إعادة تنظيم اجتماعي بعيدة الأثر ، فان ما يكتب عنها – إذا كتب عنها شيء أصلا- يركز على العيوب و المشاكل و الأزمات التي يتلذذ بالتشبث بها مضللو الوعي في داخل البلاد ( ص 27).

أسطورة غياب الصراع الاجتماعي

يؤكد شيلر أن المتحكمين في الوعي ينكرون إنكارا مطلقا وجود الصراع الاجتماعي في مجال تصويرهم للساحة الداخلية. ذلك أن الصراع – كما تصوره الأجهزة القومية لصنع الأفكار و التوجهات العامة ، هو في الأساس مسالة فردية ، سواء في تجلياته أو في أصوله . إذ لا وجود أصلا للجذور الاجتماعية للصراع في رأي مديري أجهزة الثقافة و الإعلام( ص 28).

إن الإحجام عن الاعتراف بالموقع الأعمق للصراع في النظام الاجتماعي و عن محاولة تفسيره “لا يمثل تطورا حديثا في ممارسات أجهزة الثقافة و الإعلام، بل هو نهج متفق عليه ومعمول به منذ البداية . فأنت لا تصادف إلا نادرا ، وسط هذه المادة الهائلة السارية في دائرة الإعلام القومية ، إبداعا ثقافيا حقيقيا يعترف بهذا الواقع “( ص 29). كما أن تفاهة و سطحية معظم البرامج ، و خاصة ما يتعلق منها بتغطية الأحداث الاجتماعية الجارية تعود أساسا إلى قصور وسائل الإعلام المعتاد عن التسليم بوجود الصراع الاجتماعي و عن تحديد طبيعة أسس هذا الصراع. و ليس الأمر بالنسبة للباحث خطأ غير مقصود أو افتقارا إلى الكفاءة الإبداعية ، بل هو نتيجة مترتبة عن سياسة متعمدة يقبلها معظم المسيطرين على أمور الثقافة دون تحفظ ( ص 29).

من ثمة تقتضي سيطرة النخب تجاهل أو تحريف الواقع الاجتماعي . فالدراسة المخلصة و المناقشة الجادة للصراع الاجتماعي لن تؤدي إلا إلى تعميق و تكثيف مقاومة الظلم الاجتماعي . و تصاب المجموعات و الشركات ذات النفوذ الاقتصادي القوي بتوتر بالغ و فوري إذا ما تم لفت الأنظار للممارسات الاستغلالية التي يشاركون فيها ( ص 29-30).
و يخلص شيلر إلى أن عرض القضايا الاجتماعية يؤدي إلى إثارة القلق في نفوس جماهير المشاهدين آو القراء . هكذا يعتقد الدارسون لسيكولوجية الجماهير. لذا يحرص رعاة البرامج التلفزيونية أو ممولوها عملا بمبدأ السلامة ومن اجل الاحتفاظ بأكبر عدد من جمهور المشاهدين ، على استبعاد أي برنامج يشتبه في احتوائه على مادة ” خلافية” أو مثيرة للجدل ( ص 30).

أسطورة التعددية الإعلامية

في بداية الفقرة المخصصة لهذه الأسطورة، يسجل شيلر أن الصورة الذائعة على مستوى العالم لشرط الحياة في أمريكا هي حرية الاختيار في بيئة من التنوعين الثقافي والإعلامي. كذلك تتغلغل هذه النظرة في أعماق أغلبية كبيرة من الأمريكيين ، و هو ما يجعلهم سريعي التأثر بالتضليل الإعلامي الشامل ( ص 31). و يشكل ذلك إحدى الأساطير المركزية التي تقوم عليها ازدهار نشاط “توجيه العقول “. و رغم أن حريتي الاختيار و التنوع تمثلان مفهومين مستقلين فإنهما لا تنفصلان في الواقع . فحرية الاختيار لا تتوافر بأي معنى من المعاني دون التنوع. و على الرغم من انه لا يمكن التحقق من حرية هذا الاختيار ، فان ” الفرق يتمثل هنا في أن وهم حرية الاختيار ، فيما يتعلق بالإعلام ، أكثر انتشارا في الولايات المتحدة من أي مكان آخر في العالم. و يتعزز هذا الوهم من خلال الميل – الذي يعمد المسيطرون على الإعلام إلى المحافظة على استمراره- إلى الخلط بين وفرة الكم الإعلامي و بين تنوع المضمون” ( ص 32).

ويؤكد شيلر انه باستثناء قطاع صغير جدا من السكان يحسن الانتقاء، و يعرف ما الذي يشاهده، و يستطيع بالتالي أن يستفيد من التدفق الإعلامي الهائل ، فان معظم الأمريكيين محصورين أساسا، و إن لم يعوا ذلك، داخل نطاق مرسوم من الإعلام لا اختيار فيه. فتنوع الآراء في ما يتعلق بالأخبار الخارجية و الداخلية ، أو بالنسبة لشؤون المجتمعات المحلية، لا وجود له في المادة الإعلامية. و هو ما ينتج أساسا من التطابق الكامن للمصالح المادية و الإيديولوجية لأصحاب الملكية ، ومن الطابع الاحتكاري لصناعة وسائل الاتصال بوجه عام( ص 32).

من ثمة، يبرز التنوع السطحي في قطاع الإعلام حيث تقدم معظم الصحف و المجلات و الأفلام التي تنتجها وسائل الإعلام رؤية واحدة للواقع. و على الرغم من اختلاف “كل برنامج مفرد و كل مؤد أو معلق أو معلومة عن مقابله المنافس له، فإننا لا نجد أي فارق كيفي ملموس بينها” ( ص34).ذلك أن المادة الترفيهية و الأخبار و المعلومات العامة و التوجهات و الأفكار يجري انتقاؤها جميعا من الإطار المرجعي الإعلامي نفسه من جانب حراس البوابة الإعلامية، حيث تحركهم دواع تجارية لا يمكن التخلي عنها . و قد يختلف الأسلوب و التعبير المجازي، لكن الجوهر واحد.

و يرى الباحث أن شرط التعددية الخالي تماما من أي تنوع حقيقي هو الذي يوفر أسباب القوة للنظام السائد لتعليب الوعي. فالفيض الإعلامي المتدفق عبر العديد من القنوات يخلق الثقة في ويضفي المصداقية على فكرة الاختيار الإعلامي الحر، في الوقت الذي يتمثل فيه تأثيره الأساسي في توفير الدعم المستمر للوضع القائم ( ص 34).

هذه هي الأساطير الخمس التي تشكل مضمون النظام التضليلي. بعد ذلك ، ينتقل شيللر إلى عرض الشكل الذي يتخذه هذا النظام.

كيف يتم تشكيل الوعي؟

1-التجزيئية بوصفها شكلا للاتصال

في بداية هذا المبحث ، يقدم شيلر عرضا مركزا لاستخدام الأساطير من اجل هدف محدد هو السيطرة على الشعب.فعندما يتم إدخالها على نحو محسوس في الوعي الشعبي ( وهو ما يحدث بالفعل من خلال أجهزة الثقافة و الإعلام)، فان ” قوة تأثيرها تتضاعف من حيث إن الأفراد يظلون غير واعين بأنه قد تم تضليلهم.فضلا عن ذلك فان عملية السيطرة تصبح أكثر فاعلية من خلال الشكل الخاص الذي يجري نقل الأسطورة من خلاله.ذلك أن تقنية النقل يمكن أن تضيف بذاتها بعدا جديدا إلى العملية التضليلية” ( ص38).

هكذا يكون شكل الاتصال أو الإعلام تجسيدا فعليا للتحكم في الوعي، وهو ما يلاحظ “بسهولة تامة في تقنية نشر المعلومات المستخدمة على نطاق واسع في أمريكا ، و التي سنسميها هنا التجزيئية”(ص38-39).و يقصد بالتجزيئية في وسائل الإعلام حصر المشكلات في بؤر بدلا من رؤيتها بوصفها أبعادا لكل واحد. كتب شيللر : إن التجزيئية أو الحصر داخل بؤر هو الشكل العام السائد – و الوحيد في الواقع- لعملية توزيع المعلومات و الأخبار في أمريكا الشمالية. فأخبار المذياع و التلفزيون تتسم بطابع التكرار الآلي ( آلية طلقات المدفع) لموضوعات كثيرة لا رابط بينها.أما الصحف فهي حشد من الصفحات المحشوة بمواد يتم تدبيجها على نحو جزافي في اغلب الأحيان، أو تماشيا مع القواعد الملغزة للصحافة. و تتعمد المجلات تقطيع المقالات و نقل معظم النص في صفحات العدد الداخلية..كذلك يتم قطع برامج الإذاعة و التليفزيون بصفة مستمرة لإذاعة فقرات إعلانية” (ص39).

و يذهب إلى أن الإعلان ( فضلا عن وظائفه المعروفة مسبقا و المتمثلة في بيع السلع و استثارة حاجات استهلاكية جديدة و تجميل النظام) يوفر خدمة أخرى لا تقدر ثمن لاقتصاد المؤسسات الضخمة المتعددة الشركات. ذلك أن إقحامه في كل قنوات الإعلام و الأعمال الإبداعية يختزل قابلية الجمهور الواصلة أصلا إلى حدها الأدنى، لاكتساب أي إحساس بالمعنى الكلي للحدث آو القضية آو الموضوع المطروح ( ص 40).

إن الجهاز الإعلامي بوصفه اخطر أدوات السيطرة في يد النظام سوف لن يكشف عامدا عن الكيفية التي تمارس بها السيطرة. و يقدم مثالا بالطريقة التي يتم بها توضيب أي برنامج تلفزيوني أو إذاعي عادي أو الصفحة الأولى لأي صحيفة يومية كبيرة.ذلك أن ” السمة المشتركة بينها جميعا هي التباين الكامل للمادة و الإنكار التام للترابط بين الظواهر الاجتماعية التي يتناولها الحديث أو التعليق، و تمثل برامج الحوار التي تتكاثر في المحيط الإذاعي و التلفزيوني النموذج المثالي للتجزيء بوصفه شكلا عاما” ( ص40-41).

و يلفت شيلر الانتباه إلى أن أجهزة الإعلام ليست وحدها فيما يتعلق بتوكيد التجزيء . فالحقل الثقافي- التعليمي بأسره يشجع و يعزز التجزيء إلى ذرات و التخصص و التقسيم إلى جزئيات ميكروسكوبية. و يكشف فهرس المقرر الجامعي المشتمل على المواد التي يدرسها الطلاب في العلوم الاجتماعية التقسيمات التحكمية المفروضة على العملية التعليمية في الجامعة. فكل فرع من فروع الدراسة يصر على نقائه الخاص، ونجد أن النماذج التي تستبعد الآثار غير المحسوبة للتفاعل مع الفروع الأخرى هي التي تلقى إعجابا أكثر(ص41-42).

و في نهاية المبحث ، يطرح مسالة البحث عن المعنى في ظل استفادة أجهزة الإعلام من التكنولوجيا الجديدة للاتصال. إذ يتسارع معدل التدفق الإعلامي غير المترابط و تتزايد الشكوى المبررة إلى حد ما ، من “العمل الإعلامي الزائد”. وواقع الحال انه لا زيادة في المعلومات ذات المعنى . فتماما مثلما تعطل الإعلانات التركيز و تحول المواد الإعلامية التي تقطعها إلى مادة مبتذلة ، كذلك تتيح التكنولوجيات الجديدة عالية الكفاءة في معالجة المعلومات نقل سيل جارف من المعلومات الخارجة عن الموضوع مما يضع المزيد من العراقيل أمام البحث الفردي اليائس عن المعنى ( ص 42).

2- فورية المتابعة الإعلامية:

في البداية، يؤكد الباحث الارتباط الوثيق بين الفورية و عملية التجزيء بحيث إنها تشكل عنصرا ضروريا من عناصر وجودها . ذلك أن الطابع الآني اللحظي يساعد على تزايد القوة التضليلية لأجهزة الإعلام على اعتبار أن المادة الإعلامية سريعة الزوال و لا تخلف وراءها أي بنية باقية أو ثابتة ، لذا فهي تعوض أيضا عملية الفهم ( ص 42).

و يوضح شيلر أن سرعة الأداء ليست ميزة في حد ذاتها حيث يحول النظام التنافسي وقائع الأخبار إلى سلع و يتحقق الامتياز لمن يسبق الآخرين في الحصول على تلك السلعة السريعة التلف ( أي الأخبار) و بيعها للمستهلك. كما أن الإحساس الزائف بالطابع الملح للازمة المترتب على الإصرار على فورية المتابعة، يؤدي إلى النفخ في أهمية الموضوع ، و من ثمة تكون الخطوة إفراغه من أي أهمية . و نتيجة لذلك تضعف القدرة على التمييز بين الدرجات المتباينة الأهمية ( ص43).

وفي مثل هذا الوضع ، يتم التخلي عن عملية الفرز العقلي التي تساعد عادة على بلورة المعنى ، و يتحول العقل إلى غربال تصب من خلاله يوميا عشرات التصريحات و الإعلانات اقلها مهم وأكثرها لا أهمية له، وبدلا من أن يساعد الإعلام على تركيز الإدراك و بلورة المعنى ، نجده يسفر عن الإقرار الضمني ( اللاشعوري ) بعدم القدرة على التعامل مع موجات الأحداث المتلاحقة التي تظل تطرق بإلحاح وعي المرء، فيتعين عليه دفاعا عن النفس ، أن يخفض باستمرار الدرجة التي تبدأ معها حساسيته (ص44).

وينتقد شيلر استخدامات تكنولوجيات الاتصال حيث يتم الترويج لتوجهات بلا تاريخ ، و بالتالي فهي توجهات مضادة للمعرفة. ذلك أن النظام الاجتماعي الحالي يستخدم الوسائل التقنية للاتصال السريع من اجل التشويش على المعنى أو استئصاله في الوقت الذي يزعم فيه أن هذه السرعة تعزز الفهم و الاستنارة، و بالتالي فان اقتصاد المؤسسات الخاصة متعددة الشركات يسيء تطبيق الوسائل التقنية للاتصال الحديث ( ص44).

السلبية: الهدف النهائي لسياسة العقول

يكرس الإعلام الأمريكي شكلا و مضمونا ( الأساطير و أدوات نقلها) للتضليل. هذا هو الموقف العام الذي يدافع عنه شيللر في ثنايا الكتاب عامة، وفي المباحث و الفقرات المخصصة للأساطير خاصة. و عندما يجري استخدام تلك الأساطير بنجاح ، و هو ما يحدث دائما – يكتب شيلر- فان النتيجة تتمثل في السلبية الفردية، أي حالة القصور الذاتي التي تعوق الفعل . و ذلك هو الشرط الذي تعمل وسائل الإعلام و النظام ككل بنشاط جم على تحقيقه ، من حيث إن السلبية تعزز وتؤكد الإبقاء على الوضع القائم وبالتالي تدمر القدرة على الفعل الاجتماعي الذي يمكن أن يغير الظروف التي تحد من الانجاز الإنساني (ص45).

و يرى الباحث أن تحجيم النشاط العقلي ( و الذي يمثل المحصلة النهائية للعدد اللانهائي من ساعات الإرسال المملوءة ببرامج مبلدة للعقول) يفوق أي حساب آو تقدير. كذلك، لا يمكن حصر أو قياس التأثير التسكيني الذي يتعرض له الوعي النقدي، رغم الأهمية البالغة التي ينطوي عليها هذا التأثير.و يخلص إلى أن الاتحاد القاتل بين برامج مسلوبة الحيوية بصورة قصدية و بين تكنولوجيات اتصال تبعث على الفتور والهمود الجسدي هو آلية السيطرة على العقول.

أترك ردا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s