مملكة كانم و البرنو

محمد زين نور محمد

كانم يرنومملكة كانم هي دولة إسلامية كبرى في إطار إفريقيا، عمرت أكثر من تسعة قرون، قامت بعبء نشر الإسلام في القارة والحفاظ على ثقافتها، فهي من غير شك دولة وطيدة الأركان ثابتة الدعائم، ولولا قوة نظمها وأصالة القواعد التي قامت عليها لما عاشت هذه القرون، بصرف النظر عما تعرضت له من سعة وانكماش في حدودها.

وتأتي أهميتها أيضاً في أنها دولة إفريقية أقامها الوطنيون في بلاد السودان، وحافظوا عليها وعلى عظمتها، مما يدل على أن الإفريقيين قادرون على حكم أنفسهم وإدارة شؤونهم.

ويزيد في أهمية تاريخ دول كانم، أنها لم تبلغ ما بلغت من عظمة وقوة وعمر طويل، إلا بعد أن صارت دولة إسلامية، فقد أصبح الدين الإسلامي بثقافته الراقية عصب قوتها الروحية بل المادية، كما صارت العربية لغتها الرسمية في شتى مناحي الحياة، من نظمٍ وإدارة واقتصاد وثقافة وعلوم وفنون.

كما صارت اللغة العربية لغة تخاطب الدولة، والمعاهدات بينها وبين غيرها من البلاد، سواء أكانت تلك البلاد داخل القارة الإفريقية أم خارجها.

إن تاريخ أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى يبدأ بدخول الإسلام في دولة كانم، وهو ما ذهب إليه المنصفون من كتاب الغرب حين قالوا : إنه بالإسلام يبدأ العصر التاريخي لإفريقية السوداء.

وقد اختلف الباحثون في تحديد نشأة دولة كانم – برنو، كما اختلفوا فيمن يسكن في كانم عند ظهورها كدولة، فمن قائل أن الحكومة الأولى التى قامت في إقليم كانم تنسب إلى قبائل الزغاوة، ومن قائل بأن هذه المنطقة تقطنها قبائل حامية قريبة الشبه بقبائل الطوارق والبربر والماغوميين، وقيل إن الزغاوة أسلاف الماغوميين في حكم كانم، وكلا الفريقين من نبلاء الطوارق.

وقد كانت مملكة كانم طوال العصور الوسطى محط أنظار المسلمين، بعد أن انتشر بها الإسلام واللغة العربية، وبذلك تغير تاريخها وتحدد مستقبلها، مما أدى إلى تغيرات كبيرة في بلاد السودان الأوسط، ولا شك أن دورها كان عظيماً في نشر الدعوة الإسلامية والثقافة العربية في البلدان المجاورة، بعد أن تطورت إلى مملكة عظيمة مترامية الأطراف ممتدة الحدود، استوعبت العديد من العناصر شعوباً وقبائل وعشائر.

وفي مطلع القرن التاسع الميلادي والثالث الهجري، امتدت حدود دولة كانم لتشمل فيما بين النيل شرقاً والنيجر غرباً، وبالتحديد في منطقة الشمال الشرقي لبحيرة تشاد، ولم تكن حدود هذه الدولة النامية ثابتة أو مستقرة، مما جعل حدودها بين الاتساع والإنكماش، ولكن في وقت اتساعها فإنها تشمل بالنسبة إلى العصر الحاضر : جنوب ليبيا وتشاد والنيجر وغرب السودان وشمال نيجيريا (برنو) وإمارات الهوسا وشمال الكمرون وافريقيا الوسطى، أي أنها كانت تشمل المنطقة التى يطلق عليها جغرافيا وسط القارة الإفريقية كلها تقريباً.

وجاء عن العمري أن حدود كانم تبدأ من حدود مصر شرقاً وتنتهى حدودها عند بلدة (كاكا) في مالي غرباً، وتستغرق رحلتها من الشرق إلى الغرب ثلاثة شهور.

ويؤكد لنا المقريزي على مدى اتساع هذه الدولة فيقول : “واعلم أن على ضفة النيل أيضاً الكانم وملكها مسلم … وقاعدة ملكه بلدة اسمها (جيمي) وأول مملكته من جهة مصر بلدة اسمها (زالا) وآخرها بلدة يقال لها (كاكا) وبينها ثلاثة أشهر.

وبهذا كانت كانم أقوى دولة، بل أكبر دولة حظيت بمكانة خاصة، جعلتها صاحبة مكانة بارزة في إفريقيا، منها موقعها الذي كان ملتقى عدة طرق، ثم تأثرها بحضارات النيل، بالإضافة إلى الهجرات العربية التى كان لها أكبر الأثر في المد الإسلامي في المنطقة.

دخول الإسلام في كانم :

وصل الإسلام إلى حوض بحيرة تشاد (كانم) في زمن مبكر، مقبلاً من إقليم فزان الذي فتحه المسلمون بقيادة عقبة بن نافع، بعد فتح إفريقية الشمالية، وقد كان عقبة بن نافع دخل وسط الصحراء الكبرى حيث إتجه نحو الجنوب ووصل إلى واحة (كوار) شمال بحيرة تشاد في عام 46هـ – 666م وكانت المسافة التى تفصل بين (كوار) وكانم صغيرة جداً.

وانتشر الإسلام في كانم في مراحل متفاوتة حيث كان الدخول بتاريخ المذكور أعلاه ثم أخذ الإسلام في الانتشار في الفترات اللاحقة، وخاصة في الفترة من 183هـ – 800م، ثم أصبح دين الدولة الرسمي بعد إسلام ملكها (اومي جلمي) وذلك في فترة القرن الحادي عشر الميلادي (1085-1240م)، وتعد هذه الفترة فترة ذهبية ازدهر فيها الإسلام وانتشر في السودان الأوسط، لأن الناس على دين ملوكهم، فلما دخل الملك وحاشيته في الإسلام وحث رعاياه على اعتناق الإسلام، دخل الناس في دين الله أفواجاً.

يقول ابن خلدون واصفاً رسوخ الإسلام في مملكة كانم : “ويليهم الكانم وهم خلق عظيم والإسلام غالب عليهم ومدينتهم جيمي”، ويحذوا القلقشندي حذوه في وصول الإسلام إلى كانم والتزام أهله في وقت مبكر فيقول : “بلاد الكانم وهم مسلمون والغالب على ألوانهم السواد” … ثم يستطرد قائلاً : “وسلطان هذه البلاد رجل مسلم” … ثم يذكر أيضاً أن سلطان الكانم من بيت قديم في الإسلام.

ومن الواضح أن حملة الإسلام الأوائل، ورواده في القرن الأول الهجري وما بعده إلى تلك البقاع من القارة الإفريقية، كانوا من العنصر العربي الخالص، وهم الرعاة والدعاة والتجار الذين قاموا بنشر الإسلام في كل مكان وصلوا إليه، وبفضل الإسلام صار هذا الوطن الإفريقي أمة واحدة، متوحدة القبائل والعشائر، وكذلك يتضح أن هناك علاقات قد تمت بين العرب وكانم قبل الإسلام.

وعلى الرغم من أن الإسلام قد بدأ يغزو بلاد كانم، إلا أن تقدمه كان بطيئاً كما سبق الإشارة، ولكن ازدادت سرعة انتشاره بين الأفارقة بعد قيام الدولة الإسلامية، ولمملكة كانم الفضل الأكبر في نشر العقيدة الإسلامية في تلك الأرجاء.

وقد كان من جراء اعتناق شعوب كانم للإسلام ورسوخه عقيدة لهم، أن أصبحوا مصدر قوة سياسية في السلطنة، وانتشار الإسلام على نطاق واسع في بلاد كانم، كان إيذاناً بانطلاقة جديدة نحو العلاقات العربية الأفريقية.

العلاقات الثقافية بين كانم والعالم العربي :

دخل الإسلام وانتشر في بلاد كانم واعتنقه سلاطينها، وقامت دولتهم على أسسه السليمة، ومن هنا اهتموا بالعلم والمعرفة، سواء في المجالات الدينية أم الدنيوية، لأن دين الإسلام اهتم بكل ما يمكن أن يسعد الإنسانية في حياتها الدنيا ويضمن لها الفوز في الحياة الآخرة.

وكانت الدولة الكانمية الناشئة تشجع العلم وتطلب العلماء، فاتخذ سلاطينها وأمراؤها من العلماء مربين لأبنائهم، كما أسندوا إليهم مناصب القضاء والإمامة والتدريس في مساجد السلاطين وكتبة الدواوين، فصار كل من يتطلع إلى العلا أن يطلب العلم، وربما رحلوا إلى أماكن أخرى لطلب العلم وخاصة إلى مصر التى تربطها أواصر الود والمحبة مع سلاطين الكانم، وقد ازدادت هذه العلاقات بعد بناء مدرسة (كانمية) في مصر في الفسطاط تسمى (مدرسة ابن رشيق)،  يقول المقريزى : “مدرسة ابن رشيق، هذه المدرسة للمالكية وهى بخط حمام الريش من مدينة مصر، كان الكانم من طوائف التكرور ولما وصلوا إلى مصر في سنة بضع وأربعين وستمائة قاصدين الحج، دفعوا للقاضي علم الدين بن رشيق مالاً، وبناها به وكانوا يبعثون إليها في غالب السنين المال”.

وذكر القلقشندى أن أهل كانم : “بنوا مدرسة للمالكية ينزل بها وفودهم وتسمى هذه الدار برواق كانم”، وكان الطلاب في بادئ أمرهم في الأزهر يضمهم رواق واحد، حين كان عددهم محدوداً – على ما يبدو – فلما ارتفعت مكانة الأزهر وسار حديث الناس عن شهرة علمائه وسمعة خريجيه كثر عدد الوافدين من بلاد الكانم، فنظم المسؤولون لهم دار لسكن الطلاب والحجاج عرف برواق كانم، وقد ضم هذا الرواق العديد من طلاب وسط وغرب أفريقيا.

وجدير بالذكر أن (مدرسة ابن رشيق) في مصر ليست هي صرح التعليم الوحيد الذي قام بتشييده أهل كانم – برنو، فإن التجار القادمين من غرب أفريقيا وبلاد كانم، قد ساهموا بنصيب كبير في إنشاء المدن الساحلية على شواطئ البحر الأحمر مثل : (سواكن) و(مصوع)، وأصبحت هذه المدن الساحلية مراكز هامة لنشر الإسلام، إذ قام أثرياء كانم – برنو في هذه المدن التجارية بفتح المدارس وتشجيع الطلاب على دراسة العلوم الإسلامية.

وقد عاد طلاب كانم إلى بلادهم مزودين بالعلوم الشرعية، وجعلوا مساجدهم مدارس محاكاة للمؤسسات التي تعلموا منها، من حيث أساليب التعليم والمناهج العلمية، وقد قام سلاطين كانم بمنحهم مكانة مرموقة في مجتمعهم، كما أحاطوا أنفسهم بعدد من هؤلاء العلماء يسترشدون بمشورتهم ويكتبون لهم في دواوين رسائلهم.

ولا شك أن هذا التشجيع من سلاطين كانم لطلاب العلم والإرتفاق في رحلاتهم إلى الحج بالعلماء، والتزود بما يستطيعون حمله من كتب العلم، إن هذا التشجيع لهو أثر من آثار التقاء هؤلاء السلاطين بحكام مصر ومشاهدة مجالسهم والوقوف على اهتمامهم.

وكل هذه المنشآت العلمية كانت في عصر السلطان (دونومه دبلايمي) 1221-1259م، لقد أصبح المسلمون من أهل كانم حفظة للقرآن الكريم، يتلونه في صلواتهم، ويستمتعون بحلاوة تركيبه ووقع كلماته على القلب والعقل، وأصبح بذلك المسلمون أول من يتعلم اللغة العربية، وكان ذلك من أقوى أسباب القياس الحضاري الذي حدث من جانب السودان الأوسط (كانم) مع العالم الإسلامي في شتى الوجوه إذ أن اللغة العربية بدأت تأخذ مكانتها حتى أصبحت لغة جديدة لمجتمع إسلامي جديد وقد زاد الزمن رسوخاً بمروره وزاد النشاط العلمي والفكري في بلاد كانم.

والسلطان (دونومه دبلايمي) الذي يعد أعظم سلاطين كانم الذين تقدموه، والذي بلغت الدولة في عهده أقصى اتساع لها، واكتسبت كثيراً من مظاهر الرقى والتقدم والثقافة والتعليم، والازدهار الحضاري، وقد كان سلاطين كانم يقيمون المساجد داخل قصورهم للصلاة والتعليم، ولا يدعون فرصة لاستقدام مشاهير العلماء إلا استغلوها، حتى يستفيد سكان القصر والحاشية، والنساء اللاتي كن يحضرن تلك المجالس من وراء حجاب، وتكون العديد من المناظرات العلمية داخل صالات السلطان.

وقد استمر الوضع الثقافي والحضاري والتعليمي على هذا المنوال في مملكة  كانم – برنو حتى في فترة ضعفها بل استمر الوضع على هذا النمط حتى القرن التاسع عشر، بل حتى القرن العشرين، يقول الرحالة غيرهارد رولفس : وقد حصل بلاد السودان (كانم) سمعة المدرسة العليا الممتازة ويبلغ عدد طلابها – في ظل حكم محمد الأمين الكانمي – حوالي 2000 – 3000 طالب من الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 20-25 سنة، وأن دراستهم عن حفظ القرآن الكريم والقراءة والكتابة ودراسة اللغة العربية وكان ذلك عام 1814م، ويعد هذا الرقم رقماً كبيراً في تلك الفترة التاريخية، ولا يمكن هذا العدد إلا في الجامعات العريقة كما يوضح هذا العدد من عناية سلاطين كانم بالعلم والعلماء وطلاب العلم.

وفي مطلع القرن العشرين ظهرت عدة مدارس، وقفت سداً منيعاً أمام مسخ اللغة العربية وتشويه الحضارة العربية من قبل الاستعمار الفرنسي، الذي هاجم المنطقة محاولاً ترسيخ ثقافته فيها، فارضاً لغته على المواطنين، ويقف على التعليم في هذه المدارس مجموعات من العلماء والمتخصصين.

وقد أكد (محمد بيلو) تمسك الكانميين بالشريعة وحفظهم للقرآن الكريم والعلوم الإسلامية واللغة العربية، وظهور آثار الإسلام وانتشاره في بلاد الكانم – برنو بقوله : “إن أهل كانم متمسكون بالقرآن وشريعة الإسلام، محافظون عليه والإسلام منتشر في طول بلادهم وعرضها، حتى عم جميع الطبقات من الحكام والوزراء والرعايا، والواقع لا يوجد في بلادنا – أي بلاد الهوسا – حفاظاً للقرآن ومتعلمون بقدر ما يوجد في بلاد كانم – برنو”.

وبعد هذه الدراسة يمكن القول : بأن الثقافة الإسلامية في كانم، كان طابعها عربياً إسلامياً صرفاً لم تداخله أية تأثيرات أخرى، وإن كان عامة الناس يستخدمون لهجاتهم ولغاتهم الخاصة، ثم يستخدمون اللغة العربية في تعبيرهم الثقافي وفي صلواتهم وفي المعاملات والإدارة والمراسلات، كما أن الإسلام طور شعوب تلك البلاد بالثقافة الإسلامية.

وقد علق أحد المؤرخين الغربيين على نجاح حكومة كانم في تنظيم إدارة دولتها المترامية الأطراف بقوله : “إن الإسلام هو الذي مكن لهذه الإمبراطورية الشاسعة من تنظيم الرعية وضبط الأمن فيها”.

وبهذه الأسباب كسبت مملكة كانم دوراً ومركزاً له أهميته وقيمته بل أصبحت تؤدى دوراً ثقافياً ودينياً هاماً وذلك بعد دخول الإسلام فيها، فأصبحت منطقة بحيرة تشاد مصدر من مصادر الإشعاع للحضارة الإسلامية في السودان الأوسط، ويرجع الفضل في ذلك لقربها واتصالها بمراكز الحضارة الإسلامية، وبنت معها علاقات وطيدة، كما تمكنت من استيعاب وهضم كثيراً من أسباب الحضارة فيها، ولقد أصبح لكانم حضارتها المزدهرة نتيجة اندماج حضارة المهاجرين مع الحضارات المحلية لأهل بلاد كانم.

أضف إلى ذلك أن كثيراً من الشعوب الإفريقية ادعت الانتساب إلى الأصول الشرقية العربية الإسلامية، بل الأكثر من ذلك فإن لفظة (كانوري) مشتقة أصلاً من العربية أي حملة النور وهم شعب كانم – برنو إشارة إلى الدور العظيم الذي لعبته هذه القبائل في نشر الإسلام والثقافة العربية الإسلامية.

ولقد كان سكان الكانم من المسلمين على خلاف سواهم من غير المسلمين، يسترون عوراتهم خوف الفتنة وتأدباً وصوناً لأنفسهم ولتعاليم دينهم الإسلامي الذي أنعم الله به عليهم، وهذه هي بعض صفات المجتمع المسلم المحافظ وهى دليل التمسك بالدين والفضيلة.

العلاقات الاقتصادية والدبلوماسية بين كانم وبلاد العرب :

ولم تقتصر علاقات كانم بالدول العربية على الجانب الثقافي فقط، بل تجاوزته إلى شكل آخر من العلاقات، تزيده قوة فوق قوة، بسبب الصلات التجارية بينها، لقد اتسعت تجارة كانم في مصر، وتدفقت الثروات إلى خزائنها، وهو أبلغ دليل على اتصال العلاقات الودية بين كانم – برنو ومصر، وأن طائفة من أهل كانم رحلوا إلى مصر، وأقاموا واشتركوا بنصيب موفور في تجارتها الخارجية، واشتغلت هذه الطائفة بتصريف المحاصيل السودانية، ومارسوا تجارة البهارات من اليمن والهند، وقد اتخذت هذه الطائفة مدينة (قوص) مركزاً لها، فأصبحت سوقاً تجارياً حافلاً بمنتجات الوسط الإفريقي والمغرب واليمن.

وكوَّن تجار كانم في مصر نقابة قوية على التجارة واحتكرتها، وأقاموا على نقابتهم رئيساً معترفاً به من قبل الحكومة المصرية، بمعنى أن سلطان الكانم أتخذ لنفسه سفيراً مقيماً بالقاهرة، مهمته الإشراف على تنظيم القوافل التجارية ورحلات الحج، والاتصال بالسلطان لمعاونة الجالية الكانمية في مصر، وقد نمت ثروة تجار كانم نمواً عظيماً بحيث أصبحوا يقومون في عالم التجارة مما تقوم به البنوك الحديثة، ويقرضون السلاطين في مصر والبلاد المجاورة.

ويتعامل أهل كانم بالقماش الذي ينسجونه في بلادهم ويطلقون عليه إسم (دندي) كما يتعاملون بالودع والخرز وقطع النحاس والورق على أساس تسعيرها بالقماش، وهذا ما يوضح لنا مدى القوة التي تتمتع بها مملكة كانم الإسلامية في تلك الحقب، لأن قوة الدول وعظمتها تكمن في قوة اقتصادها وتنظيم إدارتها وهما أمران تحققا في دولة كانم، ولا ننسى دور التجار العرب من قبل، فإن للتجار العرب دوراً كبيراً في نشر اللغة العربية وتوطيد العلاقات بين كانم وبلادهم.

وتوجد كثيراً من الشواهد التي تدل على عمق اللغة العربية والعروبة في بلاد كانم رغم محاولات الاستعمار بعد سيطرته على تشاد والمناطق التابعة لكانم، في العمل على محو الطابع العربي، وقد تأثر أهل كانم بالإسلام إلى حدٍ كبير ونشروا مظاهر الثقافة الإسلامية بين تلك الشعوب المحلية وقد أغنت اللغة العربية لغة أهل كانم بمئات الألفاظ الدينية والسياسية والاقتصادية، بل صار المسلمون في كانم متشبعين بالحضارة الإسلامية العربية، وهكذا طبعت البلاد بالطابع العربي الإسلامي رغم تداخل القبائل العربية مع القبائل المحلية في السودان الأوسط في قلب إفريقيا  تشاد.

فقد دخلت الإسلام وطبعت بالروح العربية طوعاً لا قهراً، وقامت الحضارة الإسلامية وبقيت اللغات المحلية بجانب لغة الضاد لغة القرآن كدليل على أن الحضارة الإسلامية تقوم على معاملة الناس بالحسنى، وقد وجدت الشعوب الكانمية ضالتها في ظل الحضارة الإسلامية العربية، على أن هذا التعريب في كانم اتخذ مظاهر متعددة، منها النسب واللغة والتاريخ وكتابة المراسم السلطانية.

وبجانب هذه الصلات هنالك صلات سياسية تتمثل في السعي إلى الحج عبر دول عربية وخاصة مصر وهم في طريقهم إلى الحجاز، ويقال أن سلطان كانم ترك بمصر نحواً من ثلاثمائة من العبيد، ولابد أن أمثال هذه الزيارات قد تكررت، وأن صلة كانم قد توطدت حتى كان الرواق والمدرسة والإنفاق عليها من مال السلطان.

ولكانم علاقات مماثلة مع الحفصيين في تونس، حيث زارت السفارة الكانمية بلاد تونس في عام 1237م، فحمل معه هدية ثمينة عبارة عن (زرافة)، وقد وصفت بالنجاح هذه الرحلة وعرفت هذه الهدية ( بنجم السافانا الإفريقية)، وتم إبرام معاهدة سياسية حصلت بموجبها كانم على أسلحة نارية، واستطاع الكانميون أن يفتحوا الصحراء كلها في نهاية القرن الثاني عشر الميلادي، وكان لها قوة كبيرة من الفرسان عدتها  ثلاثة آلاف فارس على قول المؤرخين، مكنت له من توسيع رقعة الدولة، ولهذا أصبحت كانم – برنو مركزاً للحضارة الجديدة.

 المراجع :
1-    د. ابراهيم على طرخان، إمبراطورية البرنو الإسلامية.
2-    فضل كلود الدكو، الثقافة الإسلامية في تشاد في العصر الذهبى لإمبراطورية كانم.
3-    المقريزى : المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار.
4-    د. حسين مؤنس : الإسلام الفاتح.
5-    محمود شاكر : التاريخ الإسلامي.
6-    ابن خلدون : كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر.
7-    القلقشندي : صبح الأعشى في صناعة الإنشاء.
8-    شاطر بصلي : تاريخ حضارات السودان الشرق والأوسط.
9-    أ.د. بكر العشري : الجذور التاريخية للعلاقات التشادية المصرية، بحث مقدم للندوة العلمية بجامعة الملك فيصل.
10- جوزيف كي زيربو، تاريخ افريقيا السوداء.
11- غير هارد رولنس : عبر افريقيا – رحلة إلى بحيرة تشاد.
12- د. محمد سعيد القشاط، صحراء العرب الكبرى.
13- محمد بيلو : انفاق الميسور.
14- د. عبد الفتاح مقلد الغنيمي : حركة المد الإسلامي في افريقيا.
15- د. حسن أحمد محمود : الإسلام والثقافة العربية في افريقيا.

One thought on “مملكة كانم و البرنو

أترك ردا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s