مسيرة الفتح العثماني في أوروبا

أحمد الشجاع

محمد الفاتح

تجربتان عظيمتان خاضها المسلمون في أوروبا، تشابهتا في البداية وظروف النجاح، ثم في النهاية وأسباب الفشل.
التجربة الأولى في الفتوحات الإسلامية التي قامت بها الدولة الإسلامية الأندلسية في غرب أوروبا، والثانية جاءت على يد الخلافة الإسلامية العثمانية في شرق أوروبا.
وفي هاتين التجربتين كل العبر والدروس التي تحتاجها الأمة الإسلامية في حياتها.. ومعرفة طرق النجاح والفشل والتقدم والتراجع والقوة والضعف.

وأن ما كان ممكناً لأسلافنا هو ممكن لنا، فنحن لا نختلف عنهم في شيء؛ فمنهجهم هو منهجنا لم يتغير، وما أمروا به شرعاً أُمرنا به، وما نهوا عنه هو نهيٌ لنا.

ونفس الأمر يجري في العمل بأسباب النجاح أو الفشل والعزة أو الذل..فقط كل ما نحتاجه هو النظر في هذه الأسباب التي لا تتغير قواعدها مهما اختلفت وسائل وظروف التعامل بها عبر الزمان.

وفي السطور التالية ملخص لمسيرة النصر العثماني الإسلامي في أوروبا، وكيف تحقق ذلك.

بداية النصر

ترك عثمان الأول – مؤسس الدولة العثمانية – دولةً كانت مساحتها 16000 كيلومتر مربع، واستطاع أن يجد لدولته الناشئة منفذاً على بحر مرمرة، واستطاع بجيشه أن يهدد أهم مدينتين بيزنطيتين في ذلك الزمان وهي: ازنيق وبورصة.

 بعد وفاة عثمان تولى الحكم ابنه أورخان وسار على نفس سياسة والده في الحكم والفتوحات. وفي عام 727هـ الموافق 1327م سقطت في يده نيقوميديا، وتقع في شمال غرب آسيا الصغرى قرب مدينة اسطنبول وهي مدينة أزميت الحالية، فأنشأ بها أول جامعة عثمانية..

وحرص السلطان أورخان على تحقيق بشارة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في فتح القسطنطينية حيث بداية الطريق نحو أوروبا.. وقد تحدثنا عن فتح القسطنطينية في تقرير سابق حول الخلافة العثمانية.

وكانت غزوات أورخان منصبة على الروم، ولكن حدث في سنة (736هـ -1336م) أن توفي أمير (قره سي)، وهي إحدى الإمارات التي قامت على أنقاض دولة سلاجقة الروم واختلف ولده من بعده وتنازعا الإمارة. واستفاد أورخان من هذه الفرصة فتدخل في النزاع وانتهى بالاستيلاء على الإمارة.

وقد كان مما تهدف إليه الدولة العثمانية الناشئة أن ترث دولة سلاجقة الروم في آسيا الصغرى وترث ما كانت تملكه. واستمر الصراع لذلك بينها وبين الإمارات الأخرى حتى أيام الفاتح حيث تم إخضاع آسيا الصغرى برمتها لسلطانه.

وأمضى أورخان بعد استيلائه على إمارة (قره سي) عشرين سنة دون أن يقوم بأي حروب، بل قضاها في صقل النظم المدنية والعسكرية التي أوجدتها الدولة، وفي تعزيز الأمن الداخلي، وبناء المساجد ورصد الأوقاف عليها وإقامة المنشآت العامة الشاسعة؛مما يشهد بعظمة أورخان وتقواه، وحكمته وبعد نظره. فإنه لم يشن الحرب تلو الحرب طمعاً في التوسع وإنما حرص على تعزيز سلطانه في الأراضي التي يتاح له ضمها.

وحرص على طبع كل أرض جديدة بطابع الدولة المدني والعسكري والتربوي والثقافي؛ وبذلك تصبح جزءاً لا يتجزأ من أملاكهم، بحيث أصبحت أملاك الدولة في آسيا الصغرى متماثلة ومستقرة.

وهذا يدل على فهم واستيعاب أورخان لسُنة التدرج في بناء الدول وإقامة الحضارة وإحياء الشعوب.

وما أن تمّ أورخان البناء الداخلي حتى حدث صراع على الحكم داخل الدولة البيزنطية وطلب الإمبراطور (كونتاكوزينوس) مساعده السلطان أورخان ضد خصمه، فأرسل قوات من العثمانيين لتوطيد النفوذ العثماني في أوروبا. وفي عام 1358م أصاب زلزال مدن تراقيا فانهارت أسوار غاليبولي وهجرها أهلها؛ مما سهل على العثمانيين دخولها.

وقد احتج الإمبراطور البيزنطي على ذلك دون جدوى، وكان رد أورخان أن العناية الإلهية قد فتحت أبواب المدينة أمام قواته.

ومالبثت غاليبولي أن أصبحت أول قاعدة عثمانية في أوروبا، ومنها انطلقت الحملات الأولى التي توجت في النهاية بالاستيلاء على كل شبه جزيرة البلقان.

وحين انفرد (حنا الخامس باليولوجس) بحكم بيزنطة أقر كل فتوح أورخان في أوروبا مقابل تعهد السلطان بتسهيل وصول الطعام والمؤن إلى القسطنطينية.

وأرسل أورخان أعداداً كبيرة من القبائل المسلمة بغية الدعوة إلى الإسلام ومنع تمكن النصارى من طرد العثمانيين من أوروبا.

ومن العوامل التي ساعدت السلطان أورخان في تحقيق أهدافه:

1- المرحلية التي سار عليها أورخان واستفادته من جهود والده عثمان، ووجود الإمكانيات المادية والمعنوية التي ساعدتهم على فتح الأراضي البيزنطية في الأناضول وتدعيم سلطتهم فيها.
ولقد تميزت جهود أورخان بالخطى الوئيدة والحاسمة في توسيع دولته ومد حدودها، ولم ينتبه العالم المسيحي إلى خطورة الدولة العثمانية إلا بعد أن عبروا البحر واستولوا على غاليبولي.

2- كان العثمانيون يتميزون في المواجهة الحربية التي تمت بينهم وبين الشعوب البلقانية بوحدة الصف ووحدة الهدف ووحدة المذهب الديني وهو المذهب السني.

3- وصول الدولة البيزنطية إلى حالة من الإعياء الشديد، وكان المجتمع البيزنطي قد أصابه تفكك سياسي وانحلال ديني واجتماعي؛ فسهل على العثمانيين ضم أقاليم هذه الدولة.

4- ضعف الجبهة المسيحية نتيجة لعدم الثقة بين السلطات الحاكمة في الدولة البيزنطية وبلغاريا وبلاد الصرب والمجر؛ ولذلك تعذر في معظم الأحيان تنسيق الخطط السياسية والعسكرية للوقوف في جبهة واحدة ضد العثمانيين.

5- الخلاف الديني بين روما والقسطنطينية أي بين الكاثوليك والأرثوذكسية الذي استحكمت حلقاته وترك آثاراً عميقة الجذور في نفوس الفريقين.

6- ظهور النظام العسكري الجديد على أسس عقدية ومنهجية تربوية وأهداف ربانية وأشرف عليه خيرة قادة العثمانيين.

 وفي عهد السلطان مراد الأول (761-791هـ /1360-1389م) توسعت الدولة العثمانية في آسيا الصغرى وأوروبا في وقت واحد.

ففي أوروبا هاجم الجيش العثماني أملاك الدولة البيزنطية ثم استولى على مدينة أدرنه في عام (762هـ/ 1360م) وكانت لتلك المدينة أهمية إستراتيجية في البلقان، وكانت ثاني مدينة في الإمبراطورية البيزنطية بعد القسطنطينية.

واتخذ مراد من هذه المدينة عاصمة للدولة العثمانية منذ عام (768هـ / 1366م)، وبذلك انتقلت العاصمة إلى أوروبا، وأصبحت أدرنه عاصمة إسلامية، وكان هدف مراد من هذه النقلة:

1- استغلال مناعة استحكامات أدرنه الحربية وقربها من مسرح العمليات الجهادية.

2- رغبة مراد في ضم الأقاليم الأوروبية التي وصلوا إليها في جهادهم وثبتوا أقدامهم فيها.

3- جمع مراد في هذه العاصمة كل مقومات النهوض بالدولة وأصول الحكم، فتكونت فيها فئات الموظفين وفرق الجيش وطوائف رجال القانون وعلماء الدين، وأقيمت دور المحاكم وشيدت المدارس المدنية والمعاهد العسكرية لتدريب الانكشارية.

واستمرت أدرنه على هذا الوضع السياسي والعسكري والإداري والثقافي والديني حتى فتح العثمانيون القسطنطينية في عام (857هـ – 1453م)، فأصبحت عاصمة لدولتهم.

مضى السلطان مراد في حركة الجهاد والدعوة وفتح الأقاليم في أوروبا، وانطلق جيشه يفتح مقدونيا، وكانت لانتصاراته أصداء بعيدة، فتكون تحالف أوروبي بلقاني صليبي باركته الكنيسة، وضم الصربيين والبلغاريين والمجريين، وسكان إقليم والاشيا.

وقد استطاعت الدول الأعضاء في التحالف الصليبي أن تحشد جيشاً بلغ عدده ستون ألف جندي تصدى لهم القائد العثماني لالاشاهين بقوة تقل عدداً عن القوات المتحالفة، وقابلهم على مقربة من (تشيرمن) على نهر مارتيزا، حيث وقعت معركة مروعة وانهزم الجيش المتحالف، وهرب الأميران الصربيان، ولكنهما غرقا في نهر مارتيزا، ونجا ملك المجر بأعجوبة من الموت أما السلطان مراد فكان في هذه الأثناء مشتغلاً بالقتال في بلاد آسيا الصغرى حيث فتح عدة مدن ثم عاد إلى مقر سلطنته لتنظيم ما فتحه من الأقاليم والبلدان كما هو شأن القائد الحكيم.

وكان من نتائج انتصار العثمانيين أمور مهمة، منها:

– تم لهم فتح إقليم تراقيا ومقدونيا ووصلوا إلى جنوبي بلغاريا والى شرقي صربيا.

– أصبحت مدن وأملاك الدولة البيزنطية وبلغاريا وصربيا تتساقط في أيديهم كأوراق الخريف.

أول معاهدة بين الدولة العثمانية والمسيحية

لما اشتد ساعد الدولة العثمانية خاف مجاوروها، خصوصاً الضعفاء منهم، فبادرت جمهورية (راجوزه) وأرسلت إلى السلطان مراد رسلاً ليعقدوا مع السلطان مراد معاهدة ودية وتجارية تعاهدوا فيها بدفع جزية سنوية قدرها 500 دوكا ذهب، وهذه أول معاهدة عقدت بين الدولة العثمانية والدول المسيحية.

معركة قوصره

كان السلطان مراد قد توغل في بلاد البلقان بنفسه وعن طريق قواده؛ مما أثار الصرب، فحاولوا في أكثر من مرة استغلال غياب السلطان عن أوروبا في الهجوم على الجيوش العثمانية في البلقان وما جاورها ولكنهم فشلوا في تحقيق انتصارات تذكر على العثمانيين، فتحالف الصرب والبوسنيون والبلغار وأعدوا جيشاً أوروبياً صليبياً كثيفاً لحرب السلطان الذي كان قد وصل بجيوشه بعد إعدادها إعداداً قوياً إلى منطقة كوسوفا في البلقان.

ومن الموافقات التي تذكر أن وزير السلطان مراد الذي كان يحمل معه مصحفاً فتحه على غير قصد فوقع نظره على هذه الآية: {يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفاً من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون} (سورة الأنفال: الآية 65) فاستبشر بالنصر واستبشر معه المسلمون..

وكان السلطان قد تضرع إلى الله تعالى قبل المعركة: “يا الله يا رحيم يا رب السموات يا من تتقبل الدعاء لا تخزني يا رحمن يا رحيم استجب دعاء عبدك الفقير هذه المرة. أرسل السماء علينا مدراراً وبدد سحب الظلام فنرى عدونا وما نحن سوى عبيدك المذنبين، إنك الوهاب ونحن فقراؤك. ما أنا سوى عبدك الفقير المتضرع، وأنت العليم يا علام الغيوب والأسرار وما تخفي الصدور ليس لي من غاية لنفسي ولا مصلحة ولا يحملني طلب المغنم فأنا لا أطمع إلا في رضاك يا الله يا عليم يا موجود في كل الوجود.. فتقبل رجائي ولا تجعل المسلمين يبوء بهم الخذلان أمام العدو. يا الله يا أرحم الراحمين لا تجعلني سبباً في موتهم، بل اجعلهم المنتصرين..”.

وفي رواية : “يا إلهي، إنني أقسم بعزتك وجلالك أنني لا أبتغي من جهادي هذه الدنيا الفانية، ولكنني أبتغي رضاك، ولا شيء غير رضاك يا إلهي، إنني أقسم بعزتك وجلالك أنني في سبيلك، فزدني تشريفاً بالموت في سبيلك”.

ولم يلبث أن نشب القتال بين الجمعين وحمي وطيسه واشتدت المعركة وانجلت الحرب عن انتصار المسلمين انتصاراً باهراً حاسماً.

بعد الانتصار في قُوصُوه قام السلطان مراد يتفقد ساحة المعركة ويدور بنفسه بين صفوف القتلى من المسلمين ويدعو لهم، كما كان يتفقد الجرحى، وفي أثناء ذلك قام جندي من الصرب كان قد تظاهر بالموت وأسرع نحو السلطان فتمكن الحراس من القبض عليه، ولكنه تظاهر بأنه جاء يريد محادثة السلطان ويريد أن يعلن إسلامه على يديه، وعند ذلك أشار السلطان للحرس بأن يطلقوه فتظاهر بأنه يريد تقبيل يد السلطان وقام في حركة سريعة بإخراج خنجر مسموم طعن به السلطان فاستشهد رحمه الله في 15 شعبان 791هـ.

ومن الكلمات الأخيرة للسلطان مراد:

“لا يسعني حين رحيلي إلا أن أشكر الله إنه علام الغيوب المتقبل دعاء الفقير، أشهد أن لا إله إلا الله، وليس يستحق الشكر والثناء إلا هو، لقد أوشكت حياتي على النهاية ورأيت نصر جند الإسلام. أطيعوا ابني يزيد، ولا تعذبوا الأسرى ولا تؤذونهم ولا تسلبوهم. وأودعكم منذ هذه اللحظة وأودع جيشنا الظافر العظيم إلى رحمة الله فهو الذي يحفظ دولتنا من كل سوء”.

لقد ورث مراد الأول عن والده إمارة كبيرة بلغت 95000 كيلومتر مربع، وعند استشهاده تسلم ابنه با يزيد هذه الإمارة العثمانية بعد أن بلغت 500000 كيلومتر مربع بمعنى أنها زادت في مدى حوالي 29 سنة أكثر خمسة أمثال ما تركها له والده أوروخان.

أما النتائج التي ترتبت على انتصار المسلمين في معركة قوصوه فمنها:

– انتشار الإسلام في منطقة البلقان وتحول عدد كبير من الأشراف القدامى والشيوخ إلى الإسلام بمحض إرادتهم.

– اضطرت العديد من الدول الأوروبية إلى أن تخطب ود الدولة العثمانية، فبادرت بعضها بدفع الجزية لهم، وقام البعض الآخر بإعلان ولائه للعثمانيين خشية قوتهم واتقاء غضبهم.

– امتدت سلطة العثمانيين على أمراء المجر ورومانيا والمناطق المجاورة للأدرياتيك حتى وصل نفوذهم إلى ألبانيا.

بعد استشهاد السلطان مراد اهتم ابنه بايزيد الأول (791-805 هـ/1389-1402م) اهتماماً كبيراً بالشؤون العسكرية فاستهدف الإمارات المسيحية في الأناضول، وخلال عام أصبحت تابعة للدولة العثمانية. وكان بايزيد كمثل البرق في تحركاته بين الجبهتين البلقانية والأناضولية؛ ولذلك أطلق عليه لقب “الصاعقة”.

ثم شرع بايزيد في إقامة علاقات ودية مع الصرب مع أنهم كانوا السبب في قيام تحالف بلقاني ضد الدولة العثمانية وكان غرض بايزيد من هذه العلاقة اتخاذ دولة الصرب كحاجز بينه وبين المجر، وكان يشعر بضرورة اتخاذ حليف له في سياسته العسكرية النشطة التي استهدفت الإمارات السلجوقية التركية الإسلامية في آسيا الصغرى؛ ولذلك وافق بايزيد على أن يحكم الصرب ابنا الملك (لازار) الذي قتل في معركة قوصوه وفرض عليهما أن يكونا حاكمين على صربيا، يحكمانها حسب قوانين بلاد الصرب وأعرافها وتقاليدها وعاداتها، وأن يدينان له بالولاء ويقدمان له جزية وعدداً معيناً من الجنود يشتركون في فرقة خاصة بهم في حروبه، كما تزوج ابنة الملك لازار.

فتح بلغاريا

بعد أن تم التفاهم مع الصرب وجه بايزيد ضربه خاطفة في عام (797هـ/1393م) إلى بلغاريا، فاستولى عليها وأخضع سكانها. وكان لسقوط بلغاريا في قبضة الدولة العثمانية صدىً هائلاً في أوروبا وانتشر الرعب والفزع والخوف أنحاءها وتحركت القوى المسيحية الصليبية للقضاء على الوجود العثماني في البلقان.

قام سيجسموند ملك المجر والبابا بونيفاس التاسع بالدعوة لتكتل أوروبي صليبي مسيحي ضد الدولة العثمانية، وكان ذلك التكتل من أكبر التكتلات التي واجهتها الدولة العثمانية في القرن الرابع عشر الميلادي من حيث عدد الدول التي اشتركت فيه، ثم أسهمت فيه بالسلاح والعتاد والأموال والقوات وبلغ العدد الإجمالي لهذه الحملة الصليبية 120000 مقاتل من مختلف الجنسيات (ألمانيا وفرنسا إنجلترا واسكتلندا وسويسرا ولوكسمبرج والأراضي المنخفضة الجنوبية وبعض الإمارات الايطالية).

وتحركت الحملة عام (800هـ/1396م) إلى المجر، ولكن زعماءها وقادتها اختلفوا مع سيجسموند قبل بدء المعركة.

فقد كان سيجسموند يؤثر الانتظار حتى يبدأ العثمانيون الهجوم، ولكن قواد الحملة شرعوا بالهجوم، وانحدروا مع نهر الدانوب حتى وصلوا إلى نيكوبوليس شمال البلقان وبدؤوا في حصارها وتغلبوا في أول الأمر على القوات العثمانية، إلا أن بايزيد ظهر فجأة ومعه حوالي مئة ألف جندي، وهو عدد يقل قليلاً عن التكتل الأوروبي الصليبي، ولكنه يتفوق عليهم نظاماً وسلاحاً، فانهزم معظم النصارى ولاذوا بالفرار والهروب وقتل وأسر عدد من قادتهم.

وخرج العثمانيون من معركة نيكوبوليس بغنائم كثيرة وفيرة واستولوا على ذخائر العدو. وفي نشوة النصر والظفر قال السلطان بايزيد إنه سيفتح إيطاليا ويطعم حصانه الشعير في مذبح القديس بطرس بروما.

لقد كان ذلك النصر المظفر له أثر على بايزيد والمجتمع الإسلامي، فقام بايزيد ببعث رسائل إلى كبار حكام الشرق الإسلامي يبشرهم بالانتصار العظيم على النصارى، واصطحب الرسل معهم إلى بلاطات ملوك المسلمين مجموعة منتقاة من الأسرى المسيحيين باعتبارهم هدايا من المنتصر ودليلاً مادياً على انتصاره.

واتخذ بايزيد لقب (سلطان الروم) كدليل على وراثته لدولة السلاجقة وسيطرته على كل شبه جزيرة الأناضول.

كما أرسل إلى الخليفة العباسي المقيم بالقاهرة يطلب منه أن يقر هذا اللقب حتى يتسنى له بذلك أن يسبغ على السلطة التي مارسها هو وأجداده من قبل طابعاً شرعياً رسمياً فتزداد هيبته في العالم الإسلامي، وبالطبع وافق السلطان المملوكي برقوق – حامي الخليفة العباسي – على هذا الطلب؛ لأنه يرى بايزيد حليفه الوحيد ضد قوات تيمورلنك التي كانت تهدد الدولة المملوكية والعثمانية وهاجر إلى الأناضول آلاف المسلمين الذين قدموا لخدمة الدولة العثمانية.

وكانت الهجرة مليئة بالجنود، وممن أسهموا في الحياة الاقتصادية والعلمية والحكومية في إيران والعراق وما رواء النهر- هذا بالإضافة إلى الجموع التي فرت من أمام الزحف التيمورلنكي على آسيا الوسطى.

وبعد الانتصار العظيم الذي حققه العثمانيون في معركة نيكوبوليس ثبت العثمانيون أقدامهم في البلقان، حيث انتشر الخوف والرعب بين الشعوب البلقانية، وخضعت البوسنة وبلغاريا إلى الدولة العثمانية واستمر الجنود العثمانيون يتتبعون فلول النصارى في ارتدادهم. وعاقب السلطان بايزيد حكام شبه جزيرة المورة الذين قدموا مساعدة عسكرية للحلف الصليبي.

السقوط الأول

دخل بايزيد في صراع مع تيمورلنك الذي كان يحكم جزءاً واسعاً من العالم الإسلامي من جهة المشرق وآسيا الوسطى..

وكانت هناك عوامل وأسباب ساهمت في إيجاد الصراع بين تيمورلنك وبايزيد، منها:

– لجأ أمراء العراق الذين استولى تيمور على بلادهم إلى بايزيد، كما لجأ إلى تيمور بعض أمراء آسيا الصغرى، وفي كلا الجانبين كان اللاجئون يحرضون من استجاروا به على شن الحرب ضد الطرف الآخر.

– تشجيع النصارى لتيمورلنك ودفعه للقضاء على بايزيد.

– الرسائل النارية بين الطرفين، ففي إحدى الرسائل التي بعث بها تيمور إلى بايزيد أهانه ضمنياً حين ذكّره بغموض أصل أسرته، وعرض عليه العفو على اعتبار أن آل عثمان قد قدموا خدمات جليلة إلى الإسلام، لكن بايزيد أصر على التحدي وصرح بأنه سيتعقب تيمور إلى تبريز وسلطانية.

– كان الزعيمان تيمورلنك وبايزيد يسعى كل منهما لتوسيع دولته.

ووقعت بينهما مواجهات عسكرية قرب أنقرة عام 804هـ/1402م، وانتصر المغول ووقع بايزيد في الأسر وظل يرسف في أغلاله حتى وافاه الأجل في السنة التالية.

وكانت الهزيمة بسبب اندفاع وعجلة بايزيد فلم يحسن اختيار المكان الذي نزل فيه بجيشه الذي لم يكن يزيد عن مئة وعشرين ألف مقاتل بينما كان جيش خصمه لا يقل عن ثمانمائة ألف، ومات كثير من جنود بايزيد عطشاً لقلة الماء وكان الوقت صيفاً شديد القيظ.

وفرحت الدول النصرانية في الغرب بنصر تيمورلنك وهزها الطرب لمصرع بايزيد وما آلت إليه دولته من التفكك والانحلال وبعث ملوك انجلترا وفرنسا وقشتالة وإمبراطور القسطنطينية إلى تيمورلنك يهنئونه على ما أحرزه من النصر العظيم والظفر المجيد. واعتقدت أوروبا أنها قد تخلصت إلى الأبد من الخطر العثماني الذي طالما روعها وهددها..

واستولى تيمورلنك بعد هزيمة بايزيد على أزنيق وبروسة وغيرها من المدن والحصون ثم دك أسوار أزمير وخلصها من قبضة فرسان رودس (فرسان القديس يوحنا)؛ محاولاً بذلك أن يبرر موقفه أمام الرأي العام الإسلامي الذي اتهمه بأنه وجه ضربة شديدة إلى الإسلام بقضائه على الدولة العثمانية. وحاول تيمورلنك بقتاله لفرسان القديس يوحنا أن يضفي على معارك الأناضول طابع الجهاد.

كما أعاد تيمورلنك أمراء آسيا الصغرى إلى أملاكهم السابقة، ومن ثم استرجاع الإمارات التي ضمها بايزيد، كما بذر تيمور بذور الشقاق بين أبناء بايزيد المتنازعين على العرش.

إضافة إلى تلك الهزيمة تعرضت الدولة العثمانية لخطر داخلي تمثل في نشوب حرب أهلية في الدولة بين أبناء بايزيد على العرش، واستمرت هذه الحرب عشر سنوات (806-816هـ/1403-1413م).

ويمكن أن نعتبر هذا الوضع بمثابة السقوط الأول للدولة العثمانية، قبل أن تسقط السقوط الأخير وتتفكك في آخر عهدها..

يصف الدكتور الصلابي هذه المرحلة الحرجة بأنها: “مرحلة اختبار وابتلاء سبقت التمكين الفعلي المتمثل في فتح القسطنطينية، ولقد جرت سنة الله تعالى ألا يمكن لأمة إلا بعد أن تمر بمراحل الاختبار المختلفة، وإلا بعد أن ينصهر معدنها في بوتقة الأحداث، فيميز الله الخبيث من الطيب، وهي سنة جارية على الأمة الإسلامية لا تتخلف. فقد شاء الله تعالى أن يبتلي المؤمنين، ويختبرهم، ليمحص إيمانهم، ثم يكون لهم التمكين في الأرض بعد ذلك”.

صمد العثمانيون لمحنة أنقرة بالرغم مما عانوه من خلافات داخلية، إلى أن انفرد محمد الأول بالحكم في عام 1413م، وأمكنه لمّ شتات الأراضي التي سبق للدولة أن فقدتها.إن إفاقة الدولة من كارثة أنقرة يرجع إلى منهجها الرباني الذي سارت عليه حيث جعل من العثمانيين أمة متفوقة في جانبها العقدي والديني والسلوكي والأخلاقي والجهادي وبفضل الله حافظ العثمانيون على حماستهم الدينية وأخلاقهم الكريمة. ثم بسبب المهارة النادرة التي نظم بها أورخان وأخوه علاء الدين دولتها الجديدة وإدارة القضاء المثيرة للإعجاب والتعليم المتواصل لأبناء وشباب العثمانيين وغير ذلك من الأسباب التي جعلت في العثمانيين قوة حيوية كاملة، فما لبثت هذه الدولة بعد كارثة أنقرة إلا انبعثت من جديد من بين الأنقاض والأطلال وانتعشت وسرى في عروقها ماء الحياة، وروح الشريعة، واستأنفت سيرها إلى الأمام في عزم وإصرار حير الأعداء والأصدقاء، حسب وصف الصلابي.

توحيد الجبهة الداخلية

تولى السلطان مراد الثاني أمر الدولة بعد وفاة أبيه عام (824هـ/1421م)، وكان عمره لا يزيد على ثماني عشرة سنة وكان محباً للجهاد في سبيل الله، والدعوة إلى الإسلام في ربوع أوروبا.

استطاع السلطان مراد أن يقضي على حركات التمرد الداخلية التي قام بها عمه مصطفى والتي كانت تدعم من قبل أعداء الدولة العثمانية. وكان الإمبراطور البيزنطي مانويل الثاني خلْف الدسائس والمؤامرات والمتاعب التي تعرض لها السلطان مراد، فهو الذي دعم عمّ السلطان مراد – الذي اسمه مصطفى – بالمساعدات حتى استطاع أن يحاصر مدينة غاليبولي ابتغاء انتزاعها من السلطان واتخاذها قاعدة له إلا أن السلطان مراد قبض على عمه وقدمه للمشنقة. ومع ذلك، فقد مضى الإمبراطور مانويل الثاني يكيد للسلطان واحتضن شقيقاً لمراد الثاني، ووضعه على رأس قوة استولت على مدينة نيقيافي الأناضول، وسار إليه مراد واستطاع أن يقضي على قواته واضطر خصمه للاستسلام ثم قتل.

ومن ثم صمم السلطان مراد أن يلقن الإمبراطور درساً عملياً، فأسرع باحتلال سلولنيك، فهاجمها ودخلها عنوة في مارس 1431م (833هـ)، وأصبحت جزءً لا يتجزأ من الدولة العثمانية.

وكان السلطان مراد يوجه الضربات الموجعة لحركات التمرد في بلاد البلقان، وحرص على تدعيم الحكم العثماني في تلك الديار، واتجه الجيش العثماني نحو الشمال لإخضاع إقليم ولاشيا وفرض عليه جزية سنوية، واضطر ملك الصرب الجديد (ستيف لازار ميتش) إلى الخضوع للعثمانيين والدخول تحت حكمهم وجدد ولاءه للسلطان، واتجه جيش عثماني نحو الجنوب، حيث قام بتوطيد دعائم الحكم العثماني في بلاد اليونان.

نحو ألبانيا والمجر

ولم يلبث السلطان أن واصل جهاده الدعوي وقام بالقضاء على العوائق في كل من ألبانيا والمجر.

واستطاع العثمانيون أن يفتحوا ألبانيا عام (834هـ/1431م) وركزوا هجومهم على الجزء الجنوبي من البلاد. أما شمالي ألبانيا، فقد خاض العثمانيون فيه جهاداً مريراً، وتمكن الألبانيون الشماليون من القضاء على جيشين عثمانيين في جبال البانيا، كما ألحقوا الهزيمة بحملتين عثمانيتين متعاقبتين كان يقودهما السلطان مراد بنفسه، وتكبد العثمانيون خسائر فادحة أثناء عملية الانسحاب، ووقفت الدول النصرانية خلف الألبان لدعمهم ضد العثمانيين وخصوصاً من حكومة البندقية التي كانت تدرك خطورة الفتح العثماني لهذا الإقليم المهم بشاطئيه وموانئه البحرية التي تربط البندقية بحوض البحر المتوسط والعالم الخارجي، وأنهم في استطاعتهم حجز سفن البنادقة داخل بحر مغلق هو بحر الأدرياتيك.

وهكذا لم يشهد السلطان مراد الثاني استقراراً للحكم العثماني في ألبانيا.

وأما ما يتعلق بجبهة المجر، فقد استطاع العثمانيون في عام (842هـ/1438م) أن يهزموا المجريين ويأسروا منهم سبعين ألف جندي وأن يستولوا على بعض المواقع، ثم تقدم لفتح بلغراد عاصمة الصرب، ولكنه أخفق في محاولته وسرعان ما تكون حلف صليبي كبير باركه البابا واستهدف هذا الحلف طرد العثمانيين من أوروبا كلية.

وشمل الحلف البابوية والمجر وبولندا والصرب وبلاد الأفلاق وجنوة والبندقية والإمبراطورية البيزنطية ودوقية برجنديا، وانضمت إلى الحلف أيضاً كتائب من الألمان والتشيك.

وأعطيت قيادة قوات الحلف الصليبي إلى قائد مجري قدير هو يوحنا هنيادي. وقد قاد هنيادي القوات الصليبية البرية وزحف جنوباً واجتاز الدانوب وأوقع بالعثمانيين هزيمتين فادحتين عام ( 846هـ/ 442م ). واضطر العثمانيون إلى طلب الصلح وأبرمت معاهدة صلح لمدة عشر سنوات في “سيزجادن” وذلك في شهر يوليو عام 1444م تنازل فيها عن الصرب واعترف “بجورج برانكوفيتش” أميراً عليها. كما تنازل السلطان مراد عن الأفلاق للمجر، وافتدى زوج ابنته محمود شلبي الذي كان قائداً عاماً للجيوش العثمانية، بمبلغ 60 ألف دوقية.. وقد حررت هذه المعاهدة باللغتين العثمانية، والمجرية وأقسم لاديسلاسي ملك المجر على الإنجيل كما اقسم السلطان مراد بالقرآن على أن تراعي شروط المعاهدة بذمة وشرف.

وما لبث النصارى أن نقضوا عهودهم، وحشدوا الجيوش لمحاربة المسلمين، وحاصروا مدينة ” فارنا ” البلغارية الواقعة على ساحل البحر الأسود، والتي كانت قد تحررت على أيدي المسلمين.

وعندما تحرك النصارى وزحفوا نحو الدولة العثمانية وسمع المسلمون في أدرنه بحركة الصليبيين وزحفهم انتابهم الفزع والرعب وبعث رجال الدولة إلى السلطان مراد يستعجلون قدومه لمواجهة هذا الخطر وخرج السلطان المجاهد ليقود جيوش العثمانيين ضد الخطر الصليبي. واستطاع مراد أن يتفق مع الأسطول الجنوي لينقل أربعين ألفاً من الجيش العثماني من آسيا إلى أوروبا تحت سمع الأسطول الصليبي وبصره في مقابل دينار لكل جندي.

وأسرع السلطان مراد في السير فوصل وارنه في نفس اليوم الذي وصل فيه الصليبيون. وفي اليوم التالي نشبت المعركة بين الجيشين النصراني والإسلامي وكانت عنيفة حامية وقد وضع السلطان مراد المعاهدة التي نقضها أعداؤه على رأس رمح ليشهدهم ويشهد السماء والأرض على الغدر والعدوان وليزيد حماس جنده. واقتتل الفريقان، ودارت بينهما معركة رهيبة كاد يكون فيها النصر للنصارى نتيجة حميتهم الدينية وحماسهم الزائد إلا أن تلك الحماية والحماس الزائد اصطدم بالروح الجهادية لدى العثمانيين، والتقى الملك لاديسلاس – ناقض العهود – مع السلطان مراد الوفي بالعهود وجهاً لوجه واقتتلا، ودارت بينهما معركة رهيبة، تمكن السلطان المسلم من قتل الملك المجري النصراني، فقد عاجله بضربة قوية من رمحه أسقطته من على ظهر جواده فأسرع بعض المجاهدين وجزوا رأسه ورفعوه على رمح مهللين مكبرين وفرحين.. وكان لذلك المنظر أثر شديد على جموع النصارى، فاستحوذ عليهم الفزع والهلع، فحمل عليهم المسلمون حملة قوية، بددت شملهم وهزموهم شر هزيمة، وولى النصارى مدبرين يدفع بعضهم ولم يطارد السلطان مراد عدوه واكتفى بهذا الحد من النصر.

كانت هذه المعركة في سهول قوصوه في 17 أكتوبر 1448م (852هـ) واستمرت المعركة ثلاثة أيام وانتهت بفوز ساحق للعثمانيين.

وقد أخرجت هذه المعركة بلاد المجر لعشر سنوات على الأقل من عداد الدول التي تستطيع النهوض بعمليات حربية هجومية ضد العثمانيين.

وفي عهد السلطان محمد الثاني توجهت الجيوش الإسلامية لفتح بلاد جديدة في أوروبا فقصدت بلاد موره التي لم ينتظر أميراها دمتريوس وتوماس قدوم الجيش الإسلامي، بل أرسلا إلى السلطان يخبرانه بقبولهما دفع جزية سنوية قدرها اثنا عشر ألف دوكا فقبل ذلك السلطان. وغير وجهته قاصداً بلاد الصرب فأتى هونياد الشجاع المجري ورد عنهم مقدمة الجيوش العثمانية لكن لم يرغب الصرب في مساعدة المجر لهم لاختلاف مذهبهم حيث كان المجر كاثوليكيين تابعين لبابا روما والصرب أرثوذكسيين لا يذعنون لسلطة البابا بل كانوا يفضلون تسلط المسلمين عليهم لما رأوه من عدم تعرضهم للدين مطلقاً؛ ولذلك أبرم أمير الصرب الصلح مع السلطان محمد الثاني على أن يدفع له سنوياً ثمانين ألف دوكا وذلك في سنة 1454م.

وفي السنة التالية أعاد السلطان عليها الكرة بجيش مؤلف من خمسين ألف مقاتل وثلاثمائة مدفع ومر بجيوشه من جنوب بلاد الصرب إلى شمالها بدون أن يلقى أقل معارضة حتى وصل مدينة بلغراد الواقعة على نهر الدانوب وحاصرها من جهة البر والنهر وكان هونياد المجري دخل المدينة قبل إتمام الحصار عليها ودافع عنها دفاع حتى يئس السلطان من فتحها ورفع عنها الحصار سنة 1455م.

لكن وإن لم يتمكن العثمانيون من فتح عاصمة الصرب إلا أنهم ربحوا أمراً عظيماً وهو إصابة هونياد بجراح بليغة مات بسببها بعد رفع الحصار عن المدينة بنحو عشرين يوماً وأراح المسلمين منه. ولما علم السلطان بموته أرسل الصدر الأعظم محمود باشا لإتمام فتح بلاد الصرب فأتم فتحها من سنة 1458م إلى سنة 1460م وبذلك بعد أن أعيت العثمانيين أكثر من مرة.

وفي سنة 1462م حارب السلطان بلاد بوسنة لامتناع أميرها عن دفع الخراج وأسره بعد محاربة عنيفة هو وولده وأمر بقتلهما فدانت له جميع بلاد البشناق وأهالي بوسنة. وفي سنة 1464م أراد متياس كرفن ملك المجر استخلاص بوسنة من العثمانيين فهزم بعد أن قتل معظم جيشه وكانت عاقبة تدخله أن جعلت بوسنة ولاية كباقي ولايات الدولة وسلبت ما كان منح لها من الامتيازات ودخل في جيش الانكشارية ثلاثون ألفاً من شبانها وأسلم أغلب أشراف أهاليها.

وفي سنة 1477م أغار السلطان على بلاد البنادقة ووصل إلى إقليم الفريول بعد أن مر باقليمي كرواسيا ودلماسيا اللذين كانا تابعين لمملكة النمسا والمجر فخاف البنادقة على مدينتهم الأصلية وأبرموا الصلح معه.

الشرق أم الغرب؟

وعندما ارتقى السلطان سليم الأول (918- 926هـ / 1512 – 1520م) العرش العثماني كانت الدولة العثمانية قد وصلت إلى مفترق الطرق، هل تظل على هذا الوضع وهذا القدر من الاتساع دولة بلقانية أناضولية؟ أو تستمر في التوسع الإقليمي في أوروبا؟ أو تتجه نحو المشرق الإسلامي؟.

والواقع أن السلطان سليم الأول قد أحدث تغييراً جذرياً في سياسة الدولة العثمانية الجهادية فقد توقف في عهده الزحف العثماني نحو الغرب الأوروبي أو كاد أن يتوقف واتجهت الدولة العثمانية اتجاهاً شرقياً نحو المشرق الإسلامي وقد ذكر بعض المؤرخين الأسباب التي أدت إلى تغير السياسة العثمانية منها:

1- التشبع العسكري العثماني في أوروبا، إذ يرى أصحاب هذا الرأي أن الدولة العثمانية كانت قد بلغت مرحلة التشبع في فتوحاتها الغربية بنهاية القرن الخامس عشر، وأنه كان عليها في أوائل القرن السادس عشر أن تبحث عن ميادين جديدة للنشاط والتوسع. وهذا القول – في رأي الصلابي – يخالفه الصواب؛ لأن الفتوحات العثمانية لم تنقطع تماماً من الجبهة الغربية، ولكن لا ريب في أن مركز الثقل في التوسع العثماني قد انتقل نهائياً من الغرب إلى الشرق ليس بسبب التشبع كما تقول بعض المصادر غير المدركة للواقع.

2- كان تحرك الدولة العثمانية نحو المشرق من أجل إنقاذ العالم الإسلامي بصورة عامة والمقدسات الإسلامية بصورة خاصة من التحرك الصليبي الجديد من جانب الأسبان في البحر المتوسط والبرتغاليون في المحيط الهندي وبحر العرب والبحر الأحمر، الذين أخذوا يطوقون العالم الإسلامي، ويفرضون حصاراً اقتصادياً حتى يسهل عليهم ابتلاعه.

3- سياسة الدولة الصفوية في إيران والمتعلقة بمحاولة بسط المذهب الشيعي في العراق وآسيا الصغرى، هي التي دفعت الدولة العثمانية إلى الخروج إلى المشرق العربي لحماية آسيا الصغرى بصفة خاصة والعالم السني بصفة عامة.

العودة إلى الغرب

وفي عهد السلطان سليمان القانوني عاد التخطيط لسياسة الجهاد في أوروبا.. وكان فتح جزيرة رودس.

كانت رودس جزيرة مشاكسة إذ كانت حصن حصين لفرسان القديس يوحنا الذين كانوا يقطعون طريق الحجاج المسلمين الأتراك إلى الحجاز، فضلاً عن أعمالهم العدوانية الموجهة لخطوط المواصلات البحرية العثمانية، فاهتم السلطان سليمان بفتحها وأعد حملة عظيمة ساعد على تحقيقها عدة أمور:

1- انشغال أوروبا بالحرب الكبرى بين شارل الخامس (كنت) – إمبراطور الدولة الرومانية المقدسة – وفرانسوا ملك فرنسا.

2- عقد الصلح بين الدولة العثمانية والبندقية.

3- نمو البحرية العثمانية على عهد سليم الأول.

وشن سليمان القانوني حرباً كبيرة ضد رودس ابتداء من منتصف عام 1522م، وفتحها وأعطى لفرسان القديس يوحنا حق الانتقال منها، فذهبوا إلى (مالطة) وهناك أعطاهم (شارك كنت) حق حكم هذه الجزيرة، حيث عرفوا بعد ذلك باسم (فرسان مالطا).

الصراع على مالطة

كان السلطان العثماني سليمان القانوني قد عزم على فتح جزيرة مالطة التي كانت أكبر معقل للمسيحيين في وسط البحر المتوسط، والتي سبق وأن استقر فيها فرسان القديس يوحنا، فأرسل السلطان العثماني أسطوله بقيادة بيالي باشا نفسه، كما طلب من درغوث رايس حاكم طرابلس وجربة، وحسن خير الدين أن يتوجها على رأس أسطوليهما الإسلاميين للمشاركة في عملية مالطة وإخضاعها استعداداً لمنازلة بقية المعاقل الإسلامية بعد ذلك فسار حسن بن خير الدين على رأس عمارة تشمل 25 سفينة وثلاثة آلاف رجل. ووصل الأسطول الإسلامي أمام مالطة، وفرض الحصار عليها، واستمر الحصار ضيقاً شديداً إلى أن جهزت المسيحية رجالها وأساطيلها ووصل المدد تحت قيادة نائب الملك في صقلية، برفقة أسطول تعداده 28 سفينة حربية تحمل عدد كبيراً من المقاتلين ونشبت المعركة بين الطرفين، وتمكن الأسطول الإسلامي من الانسحاب في 18 ربيع الأول 973هـ /8 ديسمبر 1565م.

وقد بلغت الفتوحات العثمانية أوجها مع عهد السلطان سليمان القانوني ودخل الناس في دين الله أفواجاً ليس عن طريق القوة والإكراه ولكن عن عقيدة وإقناع. وقد قال السر توماس آرنولد في كتابه (الدعوة إلى الإسلام): إن المعاملة التي أظهرها الأباطرة العثمانيون للرعايا المسلمين على الأقل بعد أن غزو بلاد اليونان بقرنين لتدل على تسامح لم يكن مثله حتى ذلك الوقت معروفاً في أوروبا. وإن أصحاب (كالفن) في المجر وترانسلفانيا وأصحاب مذهب التوحيد من المسيحيين الذين كانوا في ترانسلفانيا طالما آثروا الخضوع للأتراك على الوقوع في أيدي أسرة هابسبورغ المتعصبة. ونظر البروتستانت إلى تركيا بعين الرغبة.. كذلك نرى الفوارق الذين ينتمون إلى فرقة المؤمنين القدماء الذين اضطهدتهم كنيسة الدولة الروسية قد وجدوا من التسامح في ممالك السلطان ما أنكره عليهم إخوانهم في المسيحية. وحينما كان العثمانيون يتجهون لفتح تلك البلاد كان أناس يتطلعون إليهم (ولعلهم من طائفة البوجوميل) بشوق عظيم وهم يأملون الحصول على الحرية والتسامح في ظلهم.

وقد انتشر الإسلام في شرقي أوروبا لدرجة كبيرة، فمثلاً قد رويت حوادث في ألبانيا كان يتحول فيها النصارى بأعداد كبيرة إلى الإسلام. وقد أسلم في حوالي ثلاثين سنة (1026هـ – 1057هـ) حوالي 300 ألف ألباني ولم يكن عليهم أي أثر للضغط أو الإكراه، وروي ذلك من قبل المؤرخين الغربيين أنفسهم.

فتح قبرص

تولى السلطان سليم الثاني الحكم في 9 ربيع الأول سنة 974هـ، ولم يكن مؤهلاً لحفظ فتوحات والده السلطان سليمان لولا أن قيض الله وزيراً فذاً ومجاهداً كبيراً وسياسياً قدير هو محمد باشا الصقللي لانهارت الدولة؛ إذ قام بإعادة هيبتها وزرع الرهبة في قلوب أعدائها وعقد صلحاً مع النمسا وأتم توقيع معاهدة في عام 975هـ الموافق 1967م احتفظت بموجبها النمسا بأملاكها في بلاد المجر ودفعت الجزية السنوية المقررة سابقاً للدولة كما اعترف أمراء تراسلفانيا والأفلاق والبغدان.

كانت إيطاليا وأسبانيا تقدر أهمية جزيرة قبرص وشاع في أوروبا عن تكوّن حلف ضد السلطان، ولكن لم يعمل شيئاً في حينه لإنقاذ قبرص من العثمانيين الذين نزلوها بقوة كاسحة، نفذت إلى الجزيرة بدون صعوبة ووقفت مدينة فامرجستا الحصينة أمام العثمانيين بقيادة باحليون وبراجادنيو الذين واجهوا القوة العثمانية التي وصلت مائة ألف مقاتل استعمل خلالها العثمانيون جميع وسائل الحصار المعروفة، من فر وكر، وزرع للألغام ولم ينتج أي تأثير على الحامية، ولو وصلت قوة مسيحية للنجدة لصار العثمانيون في خطر، إلا أن المجاعة قامت بعملها، واستسلمت المدينة في ربيع الثاني 979هـ.

نقلت الدولة العثمانية بعد فتحها لقبرص عدداً كبيراً من سكان الأناضول الذين لا يزال أحفادهم مقيمين في الجزيرة، ورغم ترحيب القبارصة الأرثوذكس بالحكم العثماني، الذي أنقذهم من الاضطهاد الكاثوليكي الذي مارسته البندقية لعدة قرون، إلا أن احتلال العثمانيين أثار الدولة الكاثوليكية.

رسى الأسطول العثماني بعد انتهاء مهمته في ابنانجني وانصرف معظم جنوده بمناسبة حلول موسم الشتاء، حيث تتوقف المعارك في مثل هذا الوقت من السنة، والاستعداد للسنة المقبلة.

معركة ليبانتو

ارتعدت فرائص الأمم المسيحية من الخطر الإسلامي العظيم الذي هدد القارة الأوروبية، من جراء تدفق الجيوش العثمانية براً وبحراً فأخذ البابا بيوس الخامس يسعى من جديد لجمع شمل البلاد الأوروبية المختلفة وتوحيد قواها براً وبحراً تحت راية البابوية.

وقد كتب يقول: “… إن السلطنة التركية قد تبسطت تبسطاً هائلاً بسبب نذالتنا”.

عقد البابا بيوس الخامس وفيليب الثاني ملك أسبانيا وجمهورية البندقية معاهدة في أوائل 979هـ تعهدوا فيها بالقيام بهجوم بحري ضد العثمانيين. شارك في الحلف كذلك بعض المدن الايطالية، وذلك بعد تحريك بيوس الخامس لروح التحالف، فارتبطت توسكاني وجنوة، وسافوي، وبعض الايطاليين في الحلف المقدس، وأرسل البابا إلى ملك فرنسا يريد العون: فاعتذر شارل التاسع بحجة ارتباطه بمعاهدات مع العثمانيين، فأجابه البابا طالباً منه التحلل من مواثيقه هذه ولم تمض سوى أيام قليلة حتى نقض الإمبراطور عهوده ومواثيقه التي أبرمها مع العثمانيين واتجه نحو ايفان ملك الروس يطلب إجابته نفير الحرب ووجد تباطؤاً عند ملك بولونيا واختير (دون جوان) النمساوي قائداً للحملة.

وجاء في أحد بنود المعاهدة النصرانية: “إنَّ البابا بيوس الخامس وفيليب ملك إسبانيا وجمهورية البندقية يعلنون الحرب الهجومية والدفاعية على الأتراك لأجل أن يستردوا جميع المواقع التي اغتصبوها من المسيحيين ومن جملتها تونس والجزائر وطرابلس”.

سار دون جون إلى البحر الأدرياتيك، حتى وصل إلى الجزء الضيق من خليج كورنث بالقرب من باتراس وليس ببعيدة عن ليبانتو.

كان من رأي قادة الأسطول الإسلامي الإفادة من تحصين الخليج وعدم الاشتباك بالأسطول الصليبي، غير أن القائد العام علي باشا صمم على الخروج للمعركة معتمداً على تفوقه في عدد سفنه، ونظم علي باشا قواته فوضع سفنه على نسق واحد من الشمال إلى الجنوب، بحيث كانت ميمنتها تستند إلى مرفأ ليبانتو، ومسيرتها في عرض البحر، وقد قسمها علي باشا إلى جناحين وقلب فكان هو في القلب وسيروكو في الجناح الأيمن وبقي الجناح الأيسر بقيادة قلج علي.

ومقابل ذلك نظم دون جون قواته فوضع سفنه على نسق يقابل النسق الإسلامي.

احتدمت المعركة في 17 جمادي الأولى سنة 979هـ، وأحاط الأسطول الإسلامي بالأسطول المسيحي وأوغل العثمانيون بين سفن العدو، ودارت معركة قاسية أظهر فيها الفريقان بطولة كبيرة وشجاعة نادرة، وشاءت إرادة الله هزيمة المسلمين ففقدوا ثلاثين ألف مقاتل وقيل عشرون ألفاً، وخسروا 200 سفينة حربية منها 93 غرقت والباقي غنمه العدو وتقاسمته الأساطيل النصرانية المتحدة، وأسر لهم عشرة آلاف رجل.

واستطاع قلج علي إنقاذ سفنه واستطاع كذلك المحافظة على بعض السفن التي غنمها ومن بينها السفينة التي تحمل علم البابا، ورجع بها لاسطنبول التي استقبلته استقبال الفاتحين، رغم الشعور بمرارة الهزيمة.

احتفلت القارة الأوربية بنصر ليبانتو، فلأول مرة منذ أوائل القرن الخامس عشر تحل الهزيمة بالعثمانيين وأقيمت معالم الزينات في كل مكان وأفرطت في التسبيح بحمد دون جون أمير الأساطيل المتحدة الذي أحرز هذا الانتصار إلى حد أن البابا لم يتورع عن القول أثناء الاحتفال في كنيسة القديس بطرس، بمناسبة هذا النصر: “إن الإنجيل قد عنى دون جون نفسه، حيث بشر بمجيء رجل من الله يدعى حنا”.

وظل العالم المسيحي ومؤرخوه ينوهون بهذا النصر البحري، حتى أن القواميس المدرسية الحديثة لا تذكر ثغر ليبانتيو إلا وتذكر معه دون جون المشار إليه على اعتبار أنه أنقذ المسيحية من خطر كان يحيق بها.

لقد كانت نتيجة معركة ليبانتو كانت مخيبة لآمال العثمانيين، فقد زال خطر السيادة العثمانية في البحر المتوسط ومع زوال الخطر، زال الخوف الذي كان قوياً، للمحافظة على حلف مقدسي دائم و استعاد الحسد والغيرة نشاطه بين الدول المسيحية.

إن أهمية ليبانتو كانت عظيمة، وأسطورة عدم قهر العثمانيين قد اختفت ولم تعد للوجود ثانية على أقل تقدير في البحر، وأزيح ذلك الخوف عن قلوب حكام إيطاليا، واسبانيا، وتزعزع تأثير الدولة العثمانية على سياسة القوى الغربية لأوروبا، إذ كانت من الحقيقة القوات العثمانية هائلة في كل المجال البري، والمجال البحري، كما أن الانتصار المسيحي في ليبانتو كان إشارة لتحضير حاسم في ميزان القوة البحرية في البحر المتوسط، كما أنه أنهى عصراً من عصور العمليات البحرية الطموحة في البحر المتوسط، والتي تكاليفها باهظة.

لم يعد يفكر العثمانيون بعد تلك الهزيمة في إضافة حلقة أخرى إلى سلسلة أمجادهم البحرية، إذ كان هذا الانكسار نقطة البداية نحو توقف عصر الازدهار لقوة الدولة البحرية.

بعد هذه المرحلة لم تشهد الخلافة العثمانية فتوحات مهمة وكبيرة في أوروبا، بل كان الوضع يغلب عليه طابع الحفاظ على ما هو موجود؛ حيث بدأت مرحلة الضعف تدب في كيان الدولة الإسلامية، وزادت وتيرة الصراعات الداخلية، وخاضت كثيراً من الصراعات مع غيرها من القوى الحاكمة في العالم الإسلامي كالصفويين في إيران الذين استغلهم الأوروبيين في زعزعة استقرار الدولة العثمانية.

الخلاصة

لقد استطاعت الخلافة العثمانية أن توسع حدود الدولة الإسلامية ونشر الإسلام داخل القارة الأوروبية، ووصلت الفتوحات الإسلامية إلى أوسط أوروبا الجنوبية.

ولا شك أن هناك عوامل ساعدت على هذا النجاح العظيم، ومن أهم هذه العوامل قيام الدولة العثمانية على منهج الإسلام والدعوة إليه ورفع رايته في الأرض..

ثم الحرص على التربية الروحية الداخلية وتطبيق مبادئ الشرع في واقع حياة الناس حكاماً ومحكومين.

ثم الاجتهاد في إعداد العدة لنشر الإسلام وفتح البلدان لتحرير شعوب الأرض من قيود الظلم والجهل.

لكن عندما بدأت هذه العوامل تذبل ولم تعد أساس بناء المجتمع وحمايته؛ تحول النصر إلى انتكاسات متتابعة لحقت بالمجتمعات الإسلامية.. وبدأت الثغرات في بناء الدولة والمجتمع تتسع، فاستغلها الأعداء للدخول لهدم وإسقاط ما بناه المسلمون.

وكانت هذه المآسي تكراراً لما حل بالدولة الإسلامية في الأندلس قبل ذلك، وبذات الأسباب تقريباً؛ مما يدل على أن معاناة المسلمين هي نتائج لسلوكهم السلبي، وأن العبرة ليس في قوة أعدائنا بل في إصرارنا على البقاء في الضعف، وتجاهلنا لكل عوامل القوة..

 المصادر
– (عوامل انهيار الدولة العثمانية)، تحقيق المكتب الإسلامي.
– (الدولة العثمانية عوامل النهوض وأسباب السقوط)، الدكتور علي محمد الصلابي.
– (تاريخ الدولة العلية العثمانية)، محمد فريد بك.

أترك ردا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s