إضراب

ربيع عرابي

إضرابنظر مطيع في ساعته الميكانيكية القديمة للمرة العاشرة، وهو يتابع عقاربها تكاد تلامس الثامنة صباحا، كان مطيع متلهفا للقاء الزائر القادم على متن القطار، وكان موعد وصوله المعلن على الشاشات الإلكترونية هو السابعة، لكن عجلاته الحديدية الضخمة لم تدخل رصيف المحطة حتى الآن.

خطا مطيع بضعة أمتار صوب الشاشة العملاقة المنصوبة وسط صالة المحطة، ليتأكد من موعد الوصول المرتقب لهذا القطار الكسول، كانت ساعته تعلن آنذاك الثامنة صباحا بالضبط، حين أومضت الشاشة الكبيرة ومضتين اثنتين، ثم أطفأت أنوارها وراحت في سبات عميق.

تتابع انطفاء أنوار صالة الإستقبال، ومحلاتها التجارية، ولوحات الدعايات الضوئية المنتشرة في كل مكان، فما كان من صاحبنا حين رأى ذلك، إلا أن توجه صوب مكتب الإستعلامات، ليستفهم عن قطاره المنتظر.

قلَّب موظف الإستعلامات نظره في الأجهزة المصفوفة أمامه، وقد خيم على شاشاتها السكون والظلام، ثم توجه لمطيع معتذرا له بلهجة ملؤها الشك والإستغراب، لقد أصاب المحطة عطل كهربائي عام، فتوقف جميع ما يعمل فيها بالكهرباء عن العمل، وربما استغرق إصلاح الأعطال فترة طويلة بعض الشيء، وأردف موضحا أن جميع القطارات المنتظر قدومها منذ السابعة صباحا، لم تدخل رصيف المحطة حتى الآن.

انتظر مطيع مدة إضافية من الزمن لعل أمرا يجد على الساحة، وعندما أدركه اليأس، أخرج هاتفه النقال، ليعلم رئيسه بملابسات الوضع، ويتلقى منه الأوامر الجديدة، ولشد ما ملأه الغضب حين رأى هاتفه مطفأً لا يعمل، رغم أنه قد قام بشحنه الليلة الماضية قبل أن يضع رأسه على الفراش، لابد أنها البطارية اللعينة قد انتهى عمرها الإفتراضي دون سابق إنذار.

خرج مطيع من المحطة غاضبا، وقرر أن يتوجه إلى منزله أولا، ليغير ثيابه، ويحتسي فنجانه الصباحي من القهوة، ليتوجه من هناك إلى مقر عمله.

كان المشهد عجيبا خارج المحطة، فعشرات الحافلات وسيارات الأجرة واقفة متسمرة على جانبي الطريق، وقد فتح السائقون أغطية محركاتها، وراحوا يتجادلون فيما بينهم عما تراه يكون السبب.

–        ماالمشكلة أيها العم؟ … سأل مطيع أحد السائقين.
–        إنها لاتعمل … محركاتها تأبى أن تدور!!! … أجاب السائق حانقا.
–        كلها؟؟؟ … وأشار مطيع بيده إلى الجمع الكبير من السيارات والحافلات المتوقفة في المكان.
–        جميعها لاتعمل … لقد حاولنا كثيرا ولكن لافائدة … لا ندري أهو عطل جماعي أم فيروس خبيث أصاب جميع السيارات … أجاب السائق بلهجة ساخرة.

قهقه الجميع بصوت عال يخفي وراءه مسحة من القلق والخوف والتوجس.

لم يكن أمام مطيع سوى أن يطلق لقدميه العنان، مسرعا باتجاه منزله في الشارع الرئيسي، والذي يتوسط المسافة تقريبا بين المحطة ومقر عمله.

ضغط مطيع مرارا على أزرار المصعد دون فائدة … وشاهد البواب خارجا من غرفته مقبلا نحوه.

–        لا تتعب نفسك ياسيد مطيع … المصاعد كلها معطلة … فالكهرباء مقطوعة منذ الصباح.
–        والمولد الإحتياطي … تساءل مطيع.
–        لايعمل … إنه جديد … لا عيب فيه … لكنه اليوم لايعمل … ليس أمامك سوى الصعود على قدميك يا سيد مطيع.
–        أجننت يارجل … أأصعد إلى الطابق السابع والثلاثين على قدمي … أتريدني أن أنتحر … سأموت قبل أن أصل إلى منزلي.
–        سلامتك سيد مطيع … الفقراء والبسطاء أمثالنا يسكنون في الطوابق الدنيا فلا مشكلة لديهم في الصعود مشيا على أقدامهم … أما أنتم رفع الله مقامكم … فتسكنون فوق … فوق … في الأعالي … زادكم الله من نعيمه وعطائه.

استمع مطيع لتعليق البواب على مضض، ثم طلب منه استعمال هاتفه ليكلم الإدارة، ويبلغها تقريرا شفهيا مستعجلا، فهاتفه النقال لايعمل.

–        آسف سيد مطيع … الهاتف أيضا لايعمل … فمنذ الصباح الباكر فصلت عنه الحرارة.

حاول مطيع توضيح طلبه :

–        أقصد الهاتف الأرضي.
–        أجل أجل … لا يوجد حرارة.

دلف مطيع إلى المقهى القريب من مسكنه، ليتناول إفطاره المعتاد، ويحتسي قهوته الصباحية، قبل أن يتابع سيره إلى مقر عمله.

آسف سيد مطيع … لاقهوة لدينا اليوم … آلة القهوة متوقفة منذ أن انقطعت الكهرباء هذا الصباح … ولم يبق لدينا كرواسان ولا خبز فرنسي … فالفرن لا يعمل … فإن شئت وكحالة خاصة … ولأنك جارنا وزبوننا الدائم … قدمنا لك رغيفا من الخبز العربي القديم مع قطعة من الجبن البلدي … إضافة لأسفنا الشديد واعتذارنا.

تابع مطيع سيره باتجاه مبنى الحكومة، وعلى طول الشارع الرئيسي كانت حافلات النقل العام متوقفة في محطاتها خاوية من الركاب، وإشارات المرور اليقظة في ساعات الصباح، وقفت مغمِضة عيونها غافية نائمة، تتمايل أمامها عشرات الدراجات الهوائية دون خوف أو وجل، وقد صمتت أبواق السيارات، وسكن هدير المحركات، بينما علت أصوات حوافر حمير، تجر خلفها عربات مثقلة بعبوات الماء وسلال الخضار والفواكه وأكياس الخبز الريفي، فيما بدا أشبه بدكان متنقل.

حين دخل مطيع مبنى الإدارة الحكومية، كانت الدنيا مقلوبة رأسا على عقب، فالكل يجري في كل اتجاه، وظلال الموظفين تتراقص على الجدران على ضوء الشموع الموقدة في الزوايا والأركان، فبدا مشهدا عجيبا من مشاهد ألف ليلة وليلة.

ما إن شرع مطيع في سرد حكايته لرئيس الحكومة، وما جرى معه في صباح هذا اليوم المشؤوم، حتى دخلت السكرتيرة مسرعة شاحبة اللون مرتعدة، وراحت تنذر رئيسها بوصول مبعوث الحاكم العسكري، حاملا رسالة هامة مستعجلة.

علت الصفرة وجه رئيس الحكومة وارتعدت أوصاله … وهمس بصوت خافت متسائلا :

–        كيف وصل؟
–        حمار ياسيدي … عفوا قصدي … على عربة يجرها حمار …
–        ياللمصيبة … دعيه يدخل.

تقدم مبعوث الحاكم العسكري بخطا ثابتة، مبلغا رئيس الحكومة أمر الحاكم العسكري أدام الله ظله، بالتوجه حالا إلى مبنى القيادة دون تأخير، وحين أوضح رئيس الحكومة للمبعوث أنه لا يملك وسيلة للإنتقال، فجميع السيارات متوقفة، ووضعه الصحي لا يسمح له بالتنقل سيرا على الأقدام، أجاب المبعوث :

–        لا تقلق سأنقلك في عربتي.
–        عربتك التي يجرها حِمممـ … وأطبق رئيس الحكومة فمه، فلم يتم كلامه حتى لا يحرج المبعوث.

أردف المبعوث مؤكدا ضرورة أن يلتحق كبار موظفي الحكومة بمبنى الحاكم العسكري بسرعة قصوى وبوسائلهم الخاصة.

كان مبنى الحاكم العسكري – على كل حال – قريبا من مبنى الحكومة، لا يفصلهما سوى شارع رئيسي واحد، مشرف على الساحة الكبرى، فما هي إلا دقائق معدودة، حتى وصل الحمار بعربته إلى هدفه المنشود، ففتحت له البوابة الرئيسة يدويا، إذ يبدو أن محركاتها قد توقفت عن العمل هي الأخرى، واصطف الجنود على الجانبين، فدخل الحمار البوابة منتفشا، وقد رفع رأسه وهز ذيله مزهوا بمكانته الجديدة.

كان الجنود المسلحون يملؤون سطح المبنى وأسواره، حاملين مناظير يدوية قديمة يراقبون بها المكان، بعد أن توقفت كاميرات المراقبة عن العمل هذا الصباح.

انفجر الحاكم العسكري غاضبا في وجه رئيس الحكومة حالما تقابلا وجها لوجه …

ماذا فعلت أيها الأحمق … لقد قضيت على نفسك بنفسك … ولففت حبل المشنقة على رقبتك بيديك … لقد شُلَّتِ الحياة تماما وتوقف نبضها … لا هاتف … لا نور … لا مصاعد …. لا سيارات …  لا قطارات … لا طائرات … لاقهوة ولا كرواسان … حتى البلاي ستيشن لا يعمل … لابد أنها مصيبة من مصائبك التي لا يتوقعها أحد … وهذا جزائي أن أئتمنت غبيا مثلك على إدارة شؤوني وأملاكي.

انطلق الجميع إلى الصالة الكبرى ليتدارسوا الأمر ويقلبوا وجهات النظر، بينما كان كبار المسؤولين عن المرافق والخدمات يتوافدون الواحد تلو الآخر، فما إن اقتربت الظهيرة، حتى عجَّ المكان بجمع غفير من مدراء الأمن والمرافق والمؤسسات والخدمات المختلفة.

كان الحاكم العسكري يرغي ويزبد، ويتهدد ويتوعد، مطالبا بتفسير مقنع للأحداث، بينما كان الجميع يحاولون دفع التهمة عن أنفسهم، وإخراجها من دائرة الشبهات.

قال مدير المطار مندهشا : ياسيدي لقد كانت الطائرات تهبط، فما إن ينزل منها الركاب، حتى تنطفأ أنوارها ومحركاتها، وكأن موت الْفَجْأَةِ قد أصابها، أردف مدير شبكة الكهرباء مؤكدا : ياسيدي لو كان العطل في خطوط نقل الطاقة، فَلِمَ تعطلت جميع مولدات الكهرباء، وَلِمَ تعطلت هوائيات الإرسال اللاسلكي، وتساءل مدير النقل : ياسيدي لو كان العطل كهربائيا، فما علاقة محركات السيارات بذلك، وهي مستقلة في عملها عن أي شبكة ومصدر خارجي للطاقة؟.

حسم مدير الأمن النقاش بعبارات واثقة قاطعة مؤكدا أنها مؤامرة … مؤامرة خارجية … وربما كانت كونية  … تهدف إلى إيقاف عجلة النمو وتدمير الإقتصاد المزدهر … مؤامرة حاكتها أيد خفية … لا تريد الخير والتقدم لهذا البلد وأهله وقيادته.

ضرب الحاكم المنضدة بقبضة يده فكاد يكسر لوحها الزجاجي، وحدق في وجه مدير الأمن موبخا : هذا كلام مخصص للإعلام والعامة … لا لنخدع به أنفسنا … أي مؤامرة أيها الغبي التي تستطيع بلمسة سحرية أن توقف سريان الكهرباء في كل شيء … كل شيء … وفي لحظة واحدة.

ردد مدير الجامعة متفكرا … لا بد أنه مجال مغناطيسي ذو وزن كبير … سحب كل الكهرباء من الأجواء … ووضعها في جيبه … فلم يترك لنا قطرة واحدة.

كبت الجميع ضحكاتهم، بينما قهقه الحاكم العسكري مغتاظا مستهزئا : من الواضح أن لديك التباس كبير بين تيار الكهرباء والخمرة الرخيصة التي تعاقرها طوال اليوم … إلتباس ناجم عن شهاداتك المزورة … التي اشتريتها من جامعة شرقية كما يقول ملفك الأمني.

همس مدير المستشفى خائفا وهو ينظر إلى الأرض : لكن جميع الأجهزة الطبية في المشفى تعمل بانتظام ودون مشاكل!!!.

توجهت الأنظار إلى مدير المشفى تستوثق من كلامه، وصاح رئيس الحكومة والعرق يتصبب من جبينه : فلنذهب هناك حالا لنتابع اجتماعنا في صالة مكيفة مضاءة، فذلك أفضل بالتأكيد.

رد مدير المشفى بسرعة : للأسف ياسيدي فذلك غير ممكن، فقد حاول مسؤول الأمن شحن هاتفه النقال فتوقفت الكهرباء حالا، ولم تعد حتى ابتعد وأعدنا الجهاز الطبي مرة أخرى، وصحيح أن غرف المرضى والعمليات جميعها مضاءة مكيفة، وأجهزتها تعمل بانتظام، لكن غرف الأمن وأي مكان آخر يحاولون استخدامه يطفأ على الفور.

فغر الجميع أفواههم وهم يستمعون إلى تقرير مدير المشفى، دون أن يملكوا تفسيرا لما يحدث.

بدأ الهرج والمرج يسودان القاعة، واتسعت الحوارات الجانبية بين المجتمعين، دون أن يفلح أي منهم في وضع يده على سبب منطقي، يبرر الواقع ويضع حلا وحدا للمصيبة الجلل.

كان الجميع منهمكين في الجدال والنقاش، وقد بلغ السيل الزبى بالحاكم العسكري، وهو يرى أحلامه تتبخر أمام عينيه، وحبال النجاة تتفلت من بين يديه، حين أومضت الشاشة العملاقة المنصوبة في صدر القاعة ومضتين اثنتين، ثم أضاءت أنوارها فجأة، فاستبشرت وجوه الحاضرين وتسمرت أبصارهم إليها.

بدأت سطور الشاشة تسير ببطء نحو الأعلى، مخاطبة الحضور، متحدثة باسم الإلكترونات، هذه المخلوقات التي سُخِّرَ سيرها لخير الناس ونفعهم، وأمضت حياتها في خدمتهم، وقضاء حوائجهم، فاستخدمها البعض منهم في سافل المهمات وأعمال الشر وكل أمر مشين، فقررت التخلي عن خدمة الظالمين، حتى يعودوا إلى الصراط المستقيم.

لذا فقد أعلنت الإلكترونات إضرابا عاما شاملا لجميع مرافق الحياة، عدا المشفى الكبير إلى حين، وتوقفت عن تقديم خدماتها في البر والبحر والجو، حتى لا تكون طرفا في ظلم أو فساد أو جور.

تتابعت العبارات على الشاشة بعد البيان الصاعق، طالبة من الجميع ألا يجهدوا أنفسهم ويضيعوا أوقاتهم في البحث عن الأسباب والمسببات، فالخلل الوحيد كامن فيهم، وإصلاحه بأيديهم ولاسبيل سوى هذا السبيل، وستبقى  الشاشة المضيئة هي الوسيلة الوحيدة المتاحة للتواصل والتفاهم مع الإلكترونات.

ساد صمت عميق في القاعة، فلم يجرؤ أحد أن ينبس بِبِنْتِ شَفَة، فالإضرابات ممنوعة، وعقابها أليم مريع، ورجال الأمن بالمرصاد لمن تسول له نفسه مجرد التفكير بذلك، فكيف تتجرأ مجموعة من الإلكترونات الصغيرة الضعيفة التافهة، أن تخرق القاعدة وتتمرد على قوانين الحاكم بأمره وتخرج عن طوعه.

نظر الحاكم العسكري إلى الشاشة المضيئة وهو يكاد يتميز من الغيظ، وعلا صراخه متلفظا بأبشع الألفاظ، وأقذع السباب والشتائم، وراح يتساءل في حنق وغضب : من أنتم؟ … من يقف وراءكم … ممن تتلقون الدعم والتأييد … ومن استخدمكم في هذه المؤامرة الدنيئة … ضد أمتنا البريئة الطاهرة؟.

هل جننتم؟ … كيف تجرأتم على تشويه صورتنا الجميلة في عيون الناس … وكيف سولت لكم أنفسكم المساس بأخلاقنا المثالية … ونظمنا الإدارية … وتراثنا الثقافي … وقيادتنا الحكيمة … أنتم أعداء الأمة دفعتم من قبل الحاقدين عليها والمتآمرين على حضارتها الأصيلة الخالدة.

رويدك أيها الحاكم – قالت الشاشة بحزم – … ربما كانت الصدمة شديدة عليك … لكن تذكر جيدا أن المشفى لن يستقبل أي شخص فاسد ظالم بعد الآن … فحافظ على هدوئك وصحتك … وخفف من غلوائك وسلاطة لسانك … … وفكر مليا فيما تقول حتى لا تدفع ثمن أخطائك غاليا.

أنتم تهددونني أيها الأوغاد … صاح الحاكم العسكري، وهو يخرج مسدسه من جُعبته، ويصوبه نحو الشاشة، ويضغط بغضب على الزناد، مرة واثنتين وثلاثة، لكن الرصاص لم ينطلق، وبقيت الشاشة على حالها، راسمة بسمة عريضة ملأت صفحتها كاملة.

ومرت الكلمات على الشاشة مخاطبة الحاكم العسكري بتهكم وسخرية : لقد فاتك على ما يبدو، أن الإلكترونات هي من تقدح الزناد فينطلق الرصاص، وأن مسدسك الذي بين يديك، وجميع أسلحتك من طائرات ومدافع ودبابات، أضحت خردة حديدية بالية، لا تساوي فلسا واحدا بدون إلكتروناتنا المضربة.

عاد الحاكم إلى سبابه وشتائمه، إلا أن عبارة حازمة ارتسمت على الشاشة كإنذار أخير، آمرة إياه تهذيب ألفاظه قبل حدوث ما لايحمد عقباه، عندها انحنى مدير المشفى هامسا في أذن الحاكم بضع كلمات، جعلته يرتمي على أقرب كرسي، لاهث الأنفاس شاحب الوجه ممتقع اللون مرتعش الأطراف.

أحقا ما تقول؟

أجاب مدير المشفى : نعم ياسيدي الحاكم … جميع جسمك يعمل بالإلكترونات : بصرك … سمعك … دماغك … قلبك … نخاعك الشوكي … وجميع أطرافك … كلها … كلها … تعمل بالإلكترونات … فإذا توقفت لا سمح الله …

عقبت الشاشة بكلمات ناصحة مشفقة : استمع لنصيحة الطبيب أيها الحاكم … فلولا أننا نقدر حجم الصدمة لما تركناك حتى الآن.

وَلَوْ … صاح الحاكم سأرسل مبعوثين في كل اتجاه … وسنبحث عن حل في أيِّ مكان … سنستورد إلكترونات جديدة سامعة مطيعة … مفصلة على مقاسنا … تنفذ رغباتنا … وتنصاع لأوامرنا … لكننا ومهما كانت الظروف … لن نخضع لإبتزازكم … ولن نضع أنفسنا رهينة لأوامركم وأحكامكم.

ردت الشاشة بهدوء وبرود شديدين : كنا نظنك أعقل من ذلك بكثير … واحسراتا على أمة مسكينة يلعب بمصيرها صبيان مغفلون … ألاتفهم ياهذا!!! … أن رسلك حين يغادرون باب القاعة … ستتوقف إلكترونات ذاكرتهم عن العمل … وسينسون جميع ما كلفوا به … وهذا أبسط ما نستطيع عمله … فدعك من هذه التُرَّهات.

أخذ الجميع يدركون حجم الكارثة المحيقة بهم، فقد توقف كل شيء، وأصبحت حياتهم نفسها رهينة هذه الإلكترونات، وهاهم قد عادوا أو أُعيدوا رغما عنهم، ودون سابق إنذار، وبقفزة بهلوانية، إلى العصور الحجرية.

قال الحاكم مخاطبا الشاشة بلهجة ماكرة راجية : أرجوك … قل لإلكتروناتك أن يقدروا موقفي … فأنا المسؤول عن الجميع … الأغنياء والفقراء … الأقوياء والضعفاء … فدعنا نتفاهم … علَّنا نصل إلى حل يرضي الجميع.

قد تكونوا متعبين مرهقين جرَّاء  اللف والدوران في الأسلاك ليل نهار … معكم كل الحق … فأنتم ليس لديكم راحة يومية … ولا عطلة أسبوعية … ولا إجازة سنوية … لذلك ومنذ اللحظة … سنطبق تقنينا إلزاميا على استهلاك الكهرباء … وستتوقفون عن العمل ثلاث … لا بل أربع ساعات يوميا … تنالون فيها قسطا من الراحة … وتخلدون فيها إلى السكون … ما رأيكم؟.

قالت الشاشة مستغربة : علام نتفاوض؟!!! … نحن لم نشتكي من كثرة العمل … فقد خلقنا لذلك … كل ما نطلبه هو أن تقيموا ميزان العدل فيما بينكم … فتعود الحقوق إلى أصحابها … وترد المظالم إلى أهلها … فليس لنا مطالب شخصية على الإطلاق.

انتفض الحاكم العسكري منزعجا وهو يصيح : عن أي حقوق تتكلمون … نحن لم نسرق أحدا … ولم نقترف أي جريمة تمس الشرف … أو يعاقب عليها القانون … كل ما فعلناه ونقوم به على الدوام … تحت سقف القانون … فنحن جميعا متمسكون بالقانون.

أجابت الشاشة بتهكم : عن أي قانون تتكلم … عن الذي أنزله رب الأرض والسماء؟ … أم الذي تعزفون عليه ألحانكم في لياليكم الحمراء والخضراء؟ … وهل لك في أن نعرض الآن أمام أعين الناس جميعهم … الوثائق التي خزنتها أنت وأعوانك في حواسبكم الخاصة … تهتك الستر عن سرقاتكم ورشاويكم ومغامراتكم … القانونية … أنسيت أن الحواسيب والملفات تعمل بالإلكترونات؟.

–        ما العمل؟ … ماذا تريدوننا أن نفعل … حتى تعود الأمور إلى مجاريها …

صاح الحاكم منفعلا …

–        تعيدوا الحقوق إلى أهلها … وتعيدوا ضحاياكم إلى الحياة من جديد …

لا لا … هذه الأخيرة مستحيلة … لا يمكنكم فعل ذلك حقا.

لكن على أقل تقدير … عليكم أن تتركوا القيادة إلى الأكفاء الصالحين.

مستحيل … هذا مستحيل  … محال أن نقوم بذلك … إنهم يحلمون … لن نستسلم لأوامرهم … صاح جميع من في القاعة بصوت واحد … وقد انتابهم الخوف والرعب.

أخذت الجموع تتزايد في الساحة الكبرى، أمام مبنى الحاكم العسكري، بعد أن علمت باجتماع القادة هناك، ووقفت تتسقط الأخبار المتسربة من الداخل، منتظرة ما تفضي إليه الأمور.

كانت الشمس قد توسطت السماء وانتصف النهار، حين قرر  الحاكم بأمره أن يحسم الأمر، ويواجه الجموع الغفيرة المحتشدة في الخارج، ليخبرهم بالحقيقة المرة، والكارثة التي حلت بهم، وقد قرر اصطحاب الشاشة العملاقة، كدليل إثبات على حسن نواياه، وأن الأمر برمته خارج عن إرادته.

وقف الحاكم على منصة عالية أعدت على عجل، وتوجه إلى الجموع أمامه، مستخدما بوقا نحاسيا قديما صدئا لإيصال صوته إلى الجماهير.

أنا فاسد … نعم … أنا فاسد … أعترف بذلك … هذه الإلكترونات الضالة تهددني بفضحي أمامكم … ولن أعطيهم هذه الفرصة … فأنتم شعبي وأنا زعيمكم … وقد تعودت دائما على مصارحتكم … وهائنذا أقول لكم وبملء صوتي دون خوف أو وجل : نعم نحن جميعا فاسدون … جميع قادتكم فاسدون … بِعنا بعضا من مصالحكم ومكاسبكم للغرباء … قبضنا الرشاوى وأودعناها في حساباتنا الخاصة … عذبنا وقتلنا وانحرفنا … نقولها يصوت عال ولا نستحي من أحد!!!.

ولكن هل سألتم أنفسكم … ياأهلنا الطيبين … لِمَ فعلنا ذلك كله؟ … أحبا في الفساد والإفساد … أرغبة في سرقة حقوقكم وهدر كرامتكم؟ … كلا وألف كلا … فنحن إنما قمنا بذلك من أجلكم … ومن أجل حمايتكم … وحفاظا على سلامتكم وأمنكم.

لو كنا صالحين … كما تطلب منا هذه الإلكترونات الضالة الجاهلة … لما بقينا آمنين جميعا لحظة واحدة … فسادُنا وانحرافنا هو ضمان بقائنا … كلنا … نحن وأنتم … لقد تعهدنا أن نبقى كما نحن … فلا نتغير أو نحيد عن أخلاقنا قيد أنملة … هذا قدرنا … بقاؤنا في فسادِنا … وفَناؤنا في صَلاحِنا … وهذا ما لاتفهمه وتقدره الإلكترونات الحمقاء الجاهلة.

لا تجعلوا هذه الإلكترونات الضالة تغرر بكم … وتقنعكم أن مغامراتنا العاطفية ناتجة عن حب النساء والإفتتان بهن … لا وألف لا …فضباطنا ورجال أمننا أشرف من ذلك وأطهر … فهم إنما يهدرون كرامتهم بين أحضان النساء … فداء الوطن … وفداء الأمة … ودفعا للأعداء.

تدعي هذه الإلكترونات أننا لسنا متدينين … وأننا محاربين للدين وأهله … كذبوا وخابوا … فهم الخائنون لعهودهم وأماناتهم … العاصون لأمر الدين المتخلون عن أخلاقه وسماحته … أما جاء في كتابهم : أن الله سخر الضوء والنور سائرين … وها أنتم ترون بأم أعينكم تخلي هذه الإلكترونات عن واجباتها … وتوقفها عن سيرها … وعصيانها لأوامر الدين وتعاليمه … فهي صائرة إلى جهنم لا محالة … ونحن وإياكم … يا أهلنا الطيبين الطاهرين … مآلنا إلى الجنة … قد ضمنا مقاعدنا فيها … جزاء ثباتنا وصبرنا على هذه الضلالات الإلكترونية.

لقد قررنا أن نكون متسامحين … وأن نتخلى عن المطالبة بتعويضات عن الأضرار والخسائر التي تسببت فيها هذه الإلكترونات الضالة للأمة … فيما إذا أعلنت توبتها وعودتها إلى حضن الوطن … أما إذا أصرت على ضلالها … فلها طريق ولنا طريق … هي شعب ونحن شعب … ولن يجمعنا بالإلكترونات الضالة أي مصير.

وكما عودناكم دوما فقراراتنا المصيرية ديمقراطية شفافة … فسنترك لكم الفرصة للتشاور فيما بينكم … لكي تسمعوا هذه الإلكترونات الضالة … ومن يقف معها ويؤيدها من جميع إلكترونات العالم … لتسمعوها صوتكم … صوت الأصالة والوفاء … صوت الصمود والمقاومة.

عاد الهرج والمرج من جديد إلى الساحة الكبرى، بعد أن أنهى الحاكم العسكري خطابه الحماسي المرتجل، وتوزعت الجماهير حلقا ومجموعات، كل حزب بما لديهم فرحون.

قالت إحداهن متمايلة متراقصة، وقد ارتدت ما غلا ثمنه وقل ستره من ثياب، وغطت نحرها المكشوف بعقد ثمين مرصع بالجوهر : يتهموننا بالفسق والإنحراف (ياختي) … وها أنذا أمامكم … أنظروا إلي … أنا مؤمنة … يُشِعُّ الإيمان من جسدي كله … أما ما يشاع عني فكله تمثيل … فقط تمثيل … أنا لا أكشف جسدي إلا أمام زملائي من أهل الفن وصنعته … لكنهم حاقدون على الجمال وأهل الجمال … والله جميل يحب الجمال … يظنون الدين ركوعا وسجودا … لم لا يأتون إلي لأعطيهم دروسا في الدين الصحيح … دين الفن والرقص والجمال.

قالت أخرى … انظروا إلى البؤس الذي يعلو وجوه الناس … وحالة نسائهن المزرية … ألا يستحق أهلنا المنهكون المرهقون … أن نُرَفِّهَ عنهم بعض الشيء … ألا تستحق الأمة أن نَهُزَّ خصورنا من أجلهم ومن أجل سعادتهم … سَكرةً في ليل أو صَحوةً في نهار.

رددت ثالثة قائلة : (أجل ياختي) … سيقاننا ونحورنا وخصورنا وأعراضنا … فداء للأمة … وقادة الأمة … تبا لها من إلكترونات ماكرة خبيثة … تمضي عمرها تهتز في الأسلاك والأجواء … دون أن يعتب عليها أحد … ثم تخشى منافستنا لها … لأننا أجمل منها وأشطر … ولا تقدر جهدنا المبذول في عتمات الليل وبين صيحات السكارى … وفوق ذلك كله … ترفض أن تحمل صور مفاتننا وجمالنا وفنوننا لتوصلها إلى عيون الناس وقلوبهم … يالها من إلكترونات إرهابية متطرفة … لا تحس فنا ولا تقدر تعبا.

تَحلَّق في الجهة المقابلة، مجموعة من رجال القانون، راح أحدهم يتوعد برفع دعوى مستعجلة أمام المحاكم الدولية المختصة، ضد الإلكترونات المجرمة، مطالبا بمنعها من دخول المدن كلها، ووضعها على قائمة الإرهاب الإلكتروني، جراء ما تسببت به من أذى وضرر وتعطيل لمصالح الناس.

كانت مجموعة أخرى تستمع لزعيمها، وهو يعترض على أسلوب الإلكترونات الفج في إيقاف عجلة الحياة، وإلحاق الضرر بالناس البسطاء الطيبين، الذين لا ناقة لهم ولا جمل في ما حدث ويحدث من فساد وإفساد، فالوسيلة الوحيدة بنظرهم للوقوف في وجه الحاكم الفاسد وأعوانه، هو المواجهة السلمية بصدور عارية.

ووقف شيخ أبيض الشعر، باسم الوجه، مطرقا رأسه وسط مريديه، يتمتم بين أتباعه بكلمات هامسة خافتة : إنها الحياة الدنيا يا أبنائي … من سار وراءها رَغِمْ … ومن تركها وراء ظهره غَنِمْ … لا تصدقوهم يا ولدي … لا إلكترونات ولا غيرها … فإنما هو فتات الدنيا يتقاتلون عليه … والملك لله وحده … يؤتيه من يشاء وينزعه ممن يشاء … إنها الفتنة عافانا الله وإياكم من شرورها ولهيبها وإلكتروناتها.

وقررت مجموعة من الشباب المتحمسين، التفت حول زعيمها في ركن بعيد، أن جميع من في الساحة كفار كاذبون، منهم من يجاهر بكفره وعداوته، ومنهم من يناور ويداور، ومنهم التائه الضائع، ولا علاج لهذه المأساة، سوى السيف يطيح برأس العتاة البغاة، أما الإلكترونات فهي أشد كفرا ونفاقا من غيرها، لأنها عرفت الحق وخذلته، فلو كانت صادقة فيما تقول، غاضبة لله ودينه كما تدعي، لأمرت أفرادها بالتوقف عن العمل في عقول وقلوب وأجسام هؤلاء الكفرة الفجرة، فأراحت الدنيا من رجسهم وضلالهم.

صعد الحاكم العسكري المنصة قبيل العصر من جديد، وخاطب الجموع بصوت حميمي متهدج … قائلا لهم :

يا أهل مدينتنا الكرام … لا تتعبوا أنفسكم في البحث عن مخرج لما نحن فيه … فلا حل أمامكم سوى ما نحن عليه … نحن خلقنا لبعضنا البعض … يتمم بعضنا بعضا … فسادُنا من أجلكم … وضحايا فَسَادِنا هم شهداءُ الوطن …

نحن ملة واحدة … بفسادنا بنينا مساجدكم ومدارسكم وجامعاتكم … وحاناتكم ومراقصكم … بأموالنا فتحنا قنوات الفن والسفه والترفيه … وبأموالنا نفسها رعينا العديد من قنوات الدين والمتدينين … فيكم المتحررون وفيكم المتشددون … فيكم الزاهدون وفيكم الراغبون … فيكم الجهلة وفيكم المتعلمون …

ونحن سادة ذلك كله وقادته … نحافظ على توازنه … ونضمن وجوده دون أن يطغى بعضه على بعض … وأنتم جميعا راضون بذلك معجبون … سواء منكم من أقر أو من أظهر الإنكار … فأنتم منا ونحن منكم … بعضنا من بعض.

تعالت الأصوات في الساحة مؤيدة لما يقوله الحاكم، لكنها متسائلة في نفس الوقت عما عساها تفعل الآن، وكيف ستتابع حياتها دون معونة الإلكترونات، كيف ستصعد أبراجها العالية، وكيف ستملأ خزانات المياه، وكيف ستدار المعامل والمخابز، وكيف ستسقى المزارع وتحاك الثياب ويطبخ الطعام، وكيف ستسجل البرامج وتشاهد الراقصات، وتكاثرت الأسئلة الخائفة الحائرة تتناقلها أفواه الناس دون رد أو جواب.

قال الحاكم متابعا خطابه التاريخي :

هذه الإلكترونات اللعينة … التي أفسدت حياتنا … وخرجت عن طاعتنا … وشذت عن قراراتنا … لن يكون لها قيمة أو أهمية … إلا بوجودنا … فنحن الذين جعلنا منها شيئا مهما في الحياة …  فهي تدور بمعاملنا … وتحرك عرباتنا … وتشغل محطاتنا … ولكي تعرف قدر نفسها … وتدرك ضآلة حجمها … وتفاهة شأنها … فإننا نعلن ومنذ اليوم … تخلينا عن الإلكترونات … وعدم اعترافنا بها … وإلغاءها من سجلاتنا.

أما نحن … نحن الصابرون المصابرون على ظلم الإلكترونات وفجورها … فسننطلق بإشراف إخوتكم وأحبتكم من رجال الجيش والأمن … وسنتجه صوب الشمس … نلحق بها أنى ذهبت … ونتمسك بأهداب أشعتها حيثما سارت … نستضيء بضوئها …  ونستدفيء بحرارتها.

كانت الشمس قد مالت عن كبد السماء، ودقت ساعة العصر معلنة بدء رحلة الغروب، وأطفأت الشاشة العملاقة أنوارها دون أن تُعقب بشيء، وانطلقت الجموع خارجة دون تفكير في صحة أو صواب ما قرره الحاكم بأمره، متجهة صوب الغروب، لاحقة أشعة الشمس، متعلقة بأذيالها، وما هي إلا مسافة قليلة حتى تشتت شملها وانحل عقدها.

منها ما اتجه شرقا، مدعيا أنه سيلاقي الشمس من الجهة الأخرى حين تشرق من جديد، ومنها من أصر على الإتجاه غربا، زاعما أن سرعة سيره مع الأيام ستعادل سرعة الشمس فيسيران معا نحو الخلود، ومنها ما اتجه شمالا أو جنوبا، باحثا عن المنطقة التي لا تغيب عنها الشمس.

خلت الساحة من الجموع الغفيرة، وتحولت الأبراج الضخمة إلى أشباح مظلمة، وعادت الشوارع والدروب موحشة مقفرة، ولم يبق إلا البسطاء والفقراء والطيبون، الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا.

وبقيت قلة مندسة من الأطفال والشبان الذين وصموا بالتخلف والتأخر، لأنهم لم يتقنوا الألعاب الإلكترونية، ولم يستسيغوا طعم المأكولات العصرية، فاقتصرت لعبهم على رمي السهام، وركوب الخيل، والسباحة في النهر القريب، وظل طعامهم كأجدادهم جنى الحقول وتعب الأمهات.

غربت الشمس واحلولك الظلام، وشعر من بقي بعظم المصيبة وفداحة الخطب، ولم يكن أمام البسطاء سوى الإستسلام لقدر الله الغالب، والرضا بحكمته وتصريفه للأمور، لكن فجر اليوم التالي أطل، وأطلت معه عزيمة الشبان الصغار، الذين انطلقوا بعد الصلاة فرقا وجماعات، اقتحمت المكتبة العامة المغلقة، فأخرجت ما فيها من كتب الإيمان والحياة والعمل، وبحوث الإدارة والصناعة والتجارة والزراعة، وبدأت ترسم لوحة الحياة من جديد.

مرت أسابيع قليلة وبدأت عجلة الحياة تدور ببطء شديد، وصدح صوت المؤذن الشاب من المآذن يداعب الأزقة والبيوت التي بنيت طابقا واحدا لا يعلو بعضها على الآخر، وعادت الخيول إلى الخدمة، فاحتلت مكانتها الأصيلة، وأثمرت مزارع التين والزيتون والنخيل والأعناب والرمان وسواها من طيب الثمرات، فبدأت خيراتها تفيض على الناس.

كان سليم يساعد أحد التجار في ترتيب مخزنه وحساب تجارته، وقد هم بفتح النافذة القريبة ليراجع الأرقام على ضوء الشمس، حين أضاءت الغرفة فجأة، ولمعت مصابيحها التي نسيها الجميع، ولكم كانت الفرحة غامرة بعودة الإلكترونات للعمل والحياة.

اقترح بعض الشبان الذهاب إلى مبنى الحكومة والحاكم العسكري، ليمارسوا عملهم من هناك، فهي مؤسسات الأمة وأملاكها، إلا أن غالبيتهم رفضت أن تكون مواطن الفساد والظالمين، مقرات للشرفاء الطيبين، فتركت على حالها لتكون عبرة للمعتبرين.

وعندما عاد سليم من عمله مساء ذلك اليوم، سمع طرقا على باب شقته، كان البواب بصحبة رجل غريب.

قال سليم معاتبا :

–        لِمَ لا تستعمل الجرس ياعم
–        عفوا نسيت أن الكهرباء قد عادت يابني

هذا شخص يسأل عن أبيك

رحب سليم بضيف أبيه وأذن له بالدخول، وما إن التقط الغريب أنفاسه حتى توجه إلى سليم متملقا إياه :

–        أنت معروف جدا هنا يا سيد سليم، فما إن سألت عنك حتى تبرع الكثيرون بإيصالي إليك، يبدو أنك رجل مهم كأبيك.

تساءل سليم باستغراب :

–        أبي … أنت تعرف أبي؟
–        أجل … أعرفه جيدا … لقد كانت بيننا علاقة وطيدة قديمة طويلة.

عفوا نسيت أن أعرفك بنفسي :

أنا مسؤول العلاقات الخاصة … – الخاصة – … أفهمت … العلاقات التي تجمع بينكم وبين بقية العالم … لقد كانت علاقتي مع أبيك أكثر من رائعة … كان رجلا محترما … يُنجز ما يطلب منه على الدوام … ولا يُفضي بما لديه من أسرار … لذا حاز على ثقتنا جميعا … نحن وحاكمكم – السابق -وجميع المسؤولين.

نظر إليه سليم بتوجس واستغراب، فلم يكن مرتاحا على الإطلاق لكلام الضيف الغامض المريب.

–        ما المطلوب مني يا سيد …
–        مزراحي … اسمي مزراحي … دافيد مزراحي.

وفتح مزراحي محفظته الجلدية المهترئة، فأخرج منها رزمة من الأوراق، تفحصها وتناول إحداها وقدمها لسليم.

–        ما هذه؟ … تساءل سليم

رد مزراحي بثقة :

إنه تجديد للعقود بيننا وبينكم، وارد فيه كالعادة المبالغ والبضائع التي عليكم تسليمها لنا في مواعيدها، ومذكور فيه أيضا عمولاتكم وكيفية إيداعها، وبقية التفاصيل، كالعادة في كل تجديد، إضافة إلى تعهدنا بالإستمرار في حمايتكم، ورعاية مصالحكم، والإعتناء بسمعتكم الطيبة في كل المحافل.

آسف نسيت أن أبين لكم أمرا شديد الأهمية، فقد تمكنت وبعد جهد جهيد من إقناع الآخرين بإعفائكم من أي غرامات أو تعويضات، ناجمة عن تأخركم في سداد المستحقات السابقة، نتيجة للإضراب الإلكتروني الذي تعرضتم له، فأرجو أن تكون مسرورا لذلك.

لقد كنت على موعد مع أبيك مطيع، في محطة القطار منذ عدة أشهر، إلا أن انقطاعكم عن العالم فجاة نتيجة الإضراب، أخر قدومي، فلم أصل إليكم لتجديد العقود إلا اليوم.

ابتسم سليم وهو يتذكر ذلك اليوم السعيد، الذي تمكنت فيه الإلكترونات من تغيير مصير الأمة، ورغم فداحة الثمن، وعظم التكاليف، إلا أن الأمة ولدت من جديد.

قلب سليم نظره في الورقة، ثم نهض من مكانه، فأطفا الأنوار، وفصل الكهرباء عن المنزل، وأضاء شمعة عزيزة على قلبه، ورثها عن أجداده الأقدمين، ثم أحرق الورقة في لهيبها.

استولت الدهشة على الزائر الغريب.

قال له سليم : لا تندهش ياصديقي … واعتبره مشهدا عاطفيا من مشاهد هوليوود … فالعقد يحتاج إلى بعض التعديلات … والظروف قد تغيرت كما ترى … والدنيا لم تعد كما كانت من قبل.

قال مزراحي وقد علا وجهه الشحوب :

–        وْمَالُوْ يا حبيبي … أيَّ تعديلات تريدون … نحن في خدمتكم دائما وأبدا.

أجابه سليم وهو يرنو إلى البدر يبدد بنوره ظلمة السماء :

–        السؤال يا مزراحي … هو  :

كم ستدفعون لنا … مقابل الحفاظ على أمنكم … وحماية عالمكم … وإعادة بناء نظامكم … على أسس سليمة من جديد؟

أترك ردا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s