الجيش والسلطة … صفحات سوداء

الخليفة العادل المهتدي بالله العباسي

جمع وإعداد : ربيع عرابي

صفاته وخلقه

ثورة يوليوهو المهتدي بالله محمد بن الخليفة الواثق بالله بن الخليفة المعتصم بالله بن الخليفة هارون الرشيد بن الخليفة المهدي بن الخليفة أبو جعفر المنصور بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، حكم من 29 رجب  255 هـ إلى 16 رجب 256 هـ، فكان حكمه أحد عشر شهرا ونصف أي قرابة عام واحد، قتل بعدها على يد العسكر، وهو الرابع عشر بين خلفاء بني العباس، وكان عمره عند تسلمه الخلافة سبعة وثلاثون عاما.

كان خليفة زاهدا عابدا، ورجلا وقورا مهابا، وفارسا شجاعا قويا، وحاكما عادلا مجتهدا، وكان أسمر البشرة، وسيم الوجه، حسن اللحية طويلها، أشهل العينين، عظيم البطن، عريض المنكبين، قصيرا، أشيب، وكان المهتدي بالله من أحسن الخلفاء مذهبا، وأجملهم طريقة، وأظهرهم ورعا، وأكثرهم عبادة.

بويع بعد الخليفة المعتز، ولم يقبل المهتدي بيعة أحد حتى جيء بالمعتز فخلع نفسه وأخبر عن عجزه عن القيام بما أسند إليه من أمر الخلافة، ورغبته في تسليمها إلى المهتدي، وكان ذلك بإكراه وإجبار من قادة الجيش، ومد المعتز يده فبايع المهتدي، ثم بايعه الخاصة والعامة.

من سيرته رحمه الله

حكم الخليفة المهتدي بما يرضي الله، فأمر بالمعروف ونهى عن المنكر، وحرّم الشراب (الخمر)، ونهى عن القيان (المغنيات والراقصات أي الفنانات في عرف عصرنا هذا)، وأظهر الشرع، وأقام العدل بين الناس، وكان ملتزما بحضور المسجد الجامع، يخطب بالناس ويؤمهم للصلاة على الدوام، وجلس للعامة.

قَالَ يَوْماً لِلْأُمَرَاءِ : إِنِّي لَيْسَتْ لِي أُمٌّ  لَهَا مِنَ الْغَلَّاتِ مَا يُقَاوِمُ عَشَرَةَ آلَافِ أَلْفِ دِينَارٍ، وَلَسْتُ أُرِيدُ إِلَّا الْقُوتَ فَقَطْ، لا أُرِيدُ فَضْلاً عَلَى ذَلِكَ إِلَّا لِإِخْوَتِي، فَإِنَّهُمْ مستهم الحاجة.

وَأَمَرَ الخليفة بأن يُنفى القيان والمغنون مَنْ سَامَرَّا، وَأَمَرَ بِقَتْلِ السِّبَاعِ وَالنُّمُورِ الَّتِي في دار السلطان، وقتل الكلاب المعدة للصيد أيضاً، وأمر بإبطال الْمَلَاهِي وَرَدِّ الْمَظَالِمِ، وَأَنْ يُؤْمَرَ بِالْمَعْرُوفِ وَيُنْهَى عن المنكر.

قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ هَاشِمِ بْنِ الْقَاسِمِ الْهَاشِمِيُّ : كُنْتُ عِنْدَ الْمُهْتَدِي بَعْضَ عَشَايَا شَهْرِ رَمَضَانَ، فَقُمْتُ لِأَنْصَرِفَ، فَأَمَرَنِي بِالْجُلُوسِ، فَجَلَسْتُ حَتَّى صَلَّى الْمُهْتَدِي بِنَا الْمَغْرِبَ، وَأَمَرَ بِالطَّعَامِ فَأُحْضِرَ، وَأُحْضِرَ طَبَقٌ عَلَيْهِ رَغِيفَانِ، وَفِي إِنَاءٍ مِلْحٌ، وَفِي آخَرَ زَيْتٌ، وَفِي آخَرَ خَلٌّ، فَدَعَانِي إِلَى الْأَكْلِ، وَأَكَلْتُ مُقْتَصِراً ظَنَّاً مِنِّي أَنَّهُ يُحْضِرُ طَعَاماً جَيِّداً، فَلَمَّا رَأَى أَكْلِي كَذَلِكَ قَالَ : أَمَا كُنْتَ صَائِماً؟ قُلْتُ : بَلَى، قَالَ : أَفَلَسْتَ تُرِيدُ عَشَاءَكَ، فَلَيْسَ هَهُنَا غَيْرُ مَا تَرَى.

فَعَجِبْتُ مِنْ قَوْلِهِ، وَقُلْتُ : وَلِمَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَدْ أَسْبَغَ اللَّهُ عَلَيْكَ النِّعْمَةَ وَوَسَّعَ رِزْقَهُ! فَقَالَ : إِنَّ الْأَمْرَ عَلَى مَا وَصَفْتُ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَكِنِّي فَكَّرْتُ فِي أَنَّهُ كَانَ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَغِرْتُ لِبَنِي هَاشِمٍ أَنْ لَا يَكُونَ فِي خُلَفَائِهِمْ مِثْلُهُ وَأَخَذْتُ نَفْسِي بِمَا رَأَيْتَ.

قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَخْلَدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَرَفَةَ عَنْ بَعْضِ الْهَاشِمِيِّينَ : إِنَّ الْمُهْتَدِيَ وَجَدُوا لَهُ سَفَطاً فِيهِ جُبَّةُ صُوفٍ، وَكِسَاءٌ، وَبُرْنُسٌ كَانَ يَلْبَسُهُ بِاللَّيْلِ، وَيُصَلِّي فِيهِ، وَيَقُولُ : أَمَا يَسْتَحِي بَنُو الْعَبَّاسِ أَنْ لَا يَكُونَ فِيهِمْ مِثْلُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ؟ وَكَانَ قَدْ أَطَّرَحَ الْمَلَاهِيَ، وَحَرَّمَ الْغِنَاءَ وَالشَّرَابَ، وَمَنَعَ أَصْحَابَ السُّلْطَانِ عَنِ الظُّلْمِ.

وكان شديد الإشراف على أمر الدواوين والخراج، فحبس نفسه في الحسبانات لا يخل بالجلوس يوم الاثنين والخميس، وكان يجلس للدواوين والكتاب بيديه فيعملون الحساب أمام عينيه، وقد كان همه أن يصلح من أحوال الخلافة ما استطاع، وأن يقوم ما اعوجّ من أمور الناس، واجتهد في ذلك المسعى كثيرا، ولم يزل المهتدي صائما منذ جلس للخلافة إلى أن قتل، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَرَضِيَ عَنْهُ.

قَالَ عبد الله بن إبراهيم الإسكافي : حضرت مجلس المهتدي باللَّه، وقد جلس للمظالم، فاستعداه رجل على ابن له، فأمر بإحضاره، فأحضر وأقامه إلى جنب الرجل، فسأله عما ادعاه عليه فأقر بِهِ، فأمره بالخروج إليه من حقه، فكتب له بذلك كتابا، فلما فرغ قَالَ له الرجل : والله يا أمير المؤمنين ما أنت إلا كما قَالَ الشاعر:

حكمتموه   فقضى    بينكم                         أبلج  مثل القمر الزاهر
لا يقبل الرشوة  في حكمه                         ولا يبالي غبن الخاسر

فقال له المهتدي : أما أنت أيها الرجل فجزاك الله خيرا، وأما أنا فما جلست هذا المجلس حتى قرأت في المصحف : “وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ”، فما رأيت باكيا أكثر من بكائه ذلك اليوم.

عقيدته رحمه الله

قَالَ المهتدي : ما زلت أقول القرآن مخلوق (فتنة المعتزلة) صَدْراً من أيام الواثق، حتى أقدَمَ شيخاً من أَذَنة فأُدْخِلَ مقيداً، وهو جميل حسَن الشَّيْبَة، فرأيتُ الواثق قد استحيا منه ورَقّ لَهُ، فما زال يُدْنيه حتَّى قرُبَ منه وجلسَ، فقال : ناظِر ابنَ أَبِي دُؤاد (وزير الواثق وأحد رؤوس المعتزلة تولى كبر فتنة خلق القرآن)
فقال الشيخ : يا أمير المؤمنين إنّه يَضْعُف عَنِ المناظرة.
فغضبَ الواثق وقال : أبو عبد الله يضعف عَنْ مناظرتِكَ أنتَ؟
قَالَ الشيخ : هَوِّن عليك، وائذن لي فِي مناظرته.
فقال الواثق : ما دعوناك إلا لِهذا.
فقال : احفظ عليّ وعليه.
ثُمَّ قَالَ : يا أَحْمَد أخبرني عَنْ مقالتك هذه، هِيَ مقالة واجبة داخلة فِي عقد الدّين، فلا يكون الدِّين كاملاً حتى يُقال فِيهِ بِما قلت؟
قَالَ ابن أبي دؤاد : نعم.
قَالَ الشيخ : فأخبرني عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين بعثه اللَّه، هَلْ سَتَر شيئاً مِمّا أُمِرَ بِهِ؟
قَالَ ابن أبي دؤاد : لا.
قَالَ الشيخ : فدَعا إلى مقالتِك هذه؟
فسكت ابن أبي دؤاد.
فقال الشيخ : يا أمير المؤمنين واحدة.
فقال الواثق : واحدة.
فقال الشيخ : أخبرني عَنِ اللَّه تعالى حين قَالَ : “الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ”،  أَكَانَ اللَّه هُوَ الصّادق فِي إكْمَال دينه، أو أنتَ الصّادق فِي نُقْصَانه، حتّى يُقال بِمقالتِكَ هذه؟
فسكت ابن أبي دؤاد.
فقال الشيخ : اثنتان.
قَالَ الواثق : نعم.
وقال الشيخ : أخبرني عَنْ مقالتك هذه، أعَلِمَها رسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ أم جَهِلَها؟
قَالَ ابن أبي دؤاد : عَلِمَها.
قَالَ : فدعا النّاسَ إليْهَا.
فسكت ابن أبي دؤاد.
فقال الشيخ : يا أمير المؤمنين ثلاثة.
قَالَ : نعم.
قَالَ : فاتسع لرسول اللَّه أنْ عَلِمها أن يُمسك عنها، ولَم يُطالب أمَّتَه بِهَا؟
قَالَ : نعم.
قَالَ : واتسع لأبي بَكْر، وعمر، وعثمان، وعليّ ذَلِكَ؟.
قَالَ : نعم.
فأعرض الشيخ عَنْهُ، وأقبلَ عَلَى الواثق فقال : يا أمير المؤمنين قد قدَّمْتُ القول أنّ أَحْمَد ابن أبي دؤاد يصبو ويضعُف عَنِ المناظرة.
يا أمير المؤمنين إنْ لَمْ يتَّسع لك من الإمساك عَنْ هذه المقالة ما زعم هذا أَنَّهُ اتسع للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، ولأبي بَكْر، وعمر، وعثمان، وعليّ، فلا وسَّع اللَّه عليك.
ثُمَّ بكى فبكى الواثق وبكينا، ثُمَّ سأله الواثق أن يجعله فِي حِلّ، وأمر لَهُ بصلة فقال : لا حاجة لي بِها.
قَالَ المهتدي باللَّه : فرجعت عَنْ هذه المقالة، وأظنّ أنّ الواثق رجعَ عنها من يومئذ.

حال الخلافة في عصره

تولى المهتدي بالله الحكم، والخلافة العباسية في أحلك فتراتها وأضعف مراحلها، وقد سيطر العسكر من الأتراك والفراغنه والمغاربة على مقاليد السلطة واستولوا على الحكم، فكان العسكر يولون الخلفاء ثم يخلعونهم ويقتلونهم، وهو ما حصل مع الخليفة المهتدي نفسه حين اصطدم مع العسكر، فثاروا عليه وقتلوه ولم يكمل عامه الاول في الخلافة بعد.

وقد بدأ الإنحدار منذ عصر المعتصم الذي قام منذ توليه الحكم سنة 218 هـ، بجلب الجنود، من سمرقند وفرغانة وآسيا الوسطى، وتزايد دور العسكر في السلطة، وتعاظم نفوذهم، حتى اغتالوا الخليفة المتوكل الذي يعد آخر الخلفاء الأقوياء في العصر العباسي الأول، ومنذ ذلك التاريخ ابتدأت سيطرة العسكر على مقاليد الخلافة، فأهانوا الخلفاء العباسيين وسلبوا إرادتهم، وتدخلوا في شؤون الملك، وكان قادة العسكر يُغَيّرون الخلفاء كما يُغَيّرون ثيابهم، بل كانوا يقتلونهم ويمثلون بهم لمجرد إظهار قوتهم وتحكمهم بالخلافة، وأن الأمر أمرهم والحكم حكمهم، وخلال ثماني سنوات قام العسكر بتنصيب ثم خلع وقتل خمسة من خلفاء بني العباس.

وقيل في الحال التي وصلت إليها الخلافة تحت حكم العسكر :

خليفة في قفص                  بين وصيف وبُغا
يقول ما  قالا  له                   كما يقول الببغا

و وصيف و بغا هما من قيادات العسكر المستولين على السلطة بالقوة والقهر.

وصل المهتدي إلى سدة الحكم بعد أن أجبر العسكرُ الخليفةَ المعتز على خلع نفسه، وقد حاول المهتدي بالله أن يعيد للخلافة العباسية هيبتها ومكانتها، وأن يوقف طغيان العسكر واستبدادهم، لكنه لم يجد معيناً ولا ناصراً على ذلك.

ومن صور فساد العسكر، بعد أن تحولوا إلى تجار ومرتزقة وطلاب سلطة، استيلاء موسى بن بغا أحد القادة المتسلطين، على خراج (دخل) الري في خراسان لعام كامل مسبقاً، فبلغ ذلك الخليفة المهتدي، وهو في مجلسه فرفع يديه إلى السماء ثم قال بعد أن حمد الله وأثنى عليه : اللهم إني أبرأ إليك من فعل موسى بن بغا، وإخلاله بالثغر، وإباحته العدو، فإني قد أعذرت إليه في ما بيني وبينه، اللهم تول كيد من كايد المسلمين، اللهم انصر جيوش المسلمين حيث كانوا، اللهم إني شاخص بنيتي واختياري، إلى حيث نُكِبَ المسلمون فيه، ناصرا لهم ودافعا عنهم، اللهم فآجرني بنيتي إذ عدمت صالح الأعوان، ثم انحدرت دموعه يبكي.

لم يكن الخليفة المهتدي ضعيفاً ولا جباناً كما قد يظن البعض، بل كان شجاعا مقداما لا يهاب أحدا، حاصره الجيش مرة وقد هموا بخلعه كعادتهم فيمن سبقه من خلفاء، فلما علم المهتدي خرج إلى مجلسه متقلدا سيفا وقد لبس ثيابا نظافا وتطيب ثم أمر بإدخالهم إليه، فأبوا ذلك مليا ثم دخلوا عليه، فقال لهم : إنه قد بلغني ما أنتم عليه من أمري، ولست كمن تقدمني مثل المستعين ولا مثل المعتز، والله ما خرجت إليكم إلا وأنا متحنط وقد أوصيت إلى أخي بولدي، وهذا سيفي والله لأضربن به ما استمسك قائمه بيدي، والله لئن سقط من شعري شعرة ليهلكن أو ليذهبن بها أكثركم، أمَا دين أمَا حياء أمَا رِعة!، كم يكون هذا الخلاف على الخلفاء والإقدام والجرأة على الله، سواء عندكم من أراد صلاحكم ومن إذا سمع عنكم بشيء دعا بأرطال من الشراب فشربها.

لقد لاقى الخليفة المهتدي، من المشقة الشيء الكثير، فقد ورث بطانة منحرفة فاسدة غير مخلصة، لكنها قوية كثيرة الأعداد متغطرسة، قوية التلاحم فيما بينها، لا هم لها إلا مصالحها، وقد واجههم المهتدي وحاربهم بكل قواه، مما استجلب له عداء الفاسدين المفسدين، وهذا ما يفسر قصر مدة حكمه وسرعة الغدر به، وقد سعى منذ بداية خلافته جاهدا، لأن يشق صف تحالف قادة العسكر، وحاول أن يضرب بعضهم ببعض، مستخدما حدة ذكائه وفطنته، لكنهم كانوا حذرين منه وقد أيقنوا أنه يود القضاء عليهم، فتمردوا عليه.

ثار قادة الجيش والجند، واضطرب الأمن، وساءت الأوضاع، والتف حول المهتدي بعض الأهالي وقد كتبوا في الرقاع (اللافتات) : انصروا خليفتكم العادل شبيه عمر بن عبد العزيز ضد خصومه، كما ناصره فئة من الجيش من المغاربة والأشروسنية والفراغنة، ودارت المعركة بينه وبين موسى بن بغا، وظل المهتدي يقاتل ببسالة فائقة، رغم قلة من معه من الجند حتى جرح وتمكنوا من أسره، فقيدوه وحبسوه، وأراد العسكر من المهتدي أن يخلع نفسه من الخلافة فأبى، فسلموه إلى حاقد منهم يعذبه حتى توفي رحمه الله.

حكم المهتدي بالله

إذا كان عمر بن العزيز هو فخر الخلافة الأموية ورمز العدل فيها، فإن الخليفة المهتدي بالله هو درة الخلافة العباسية ونظير عمر بن عبد العزيز في العباسيين، ورغم إتصاف الخليفة المهتدي بصفات العدل والزهد والتقوى، في زمن طغى فيه البذخ والترف على قصور الخلافة، إلى جانب ما اتسم به من الشجاعة والإقدام، لكنه لم ينل من الشهرة والذكر ما يستحقه، وسيرته وأعماله مجهولة لدى الكثيرين.

لقد تبين للعسكر ومن معهم من الفاسدين، أن المهتدي بالله خليفة مختلف عمن سبقه من الخلفاء، فهو شجاع عادل، ملتزم بحدود الشرع، غيور حازم، وعازم على القضاء على الفساد وتسلط العسكر، وأنه قد حظي بحب الناس وتقديرهم لعدله وصلاحه وحسن تدبيره للأمور، فبدأ الناس يلتفون حوله، فلم يعد أمام العسكر من مخرج سوى قتله والتخلص منه، قبل أن يقضي على نفوذهم وسيطرتهم.

لقد ضاق ذرعا بالمهتدي كثير من الرعية الفاسدة، من العامة والخاصة لأنه حملهم على الطريق الواضحة، وأخذهم بالعدل والإنصاف، وأراد لهم الأمن والأمان، وحرم عليهم ما حرم الله، ودعاهم إلى الحلال، لكنهم أبوا، لأنهم ولغوا في الحرام واستطابوا كل منكر، فاستطالوا خلافته، وسئموا أيامه التي لم تدم سوى أحد عشر شهراً، وسارعوا إلى التخلص منه.

ومن مهازل عبيد العسكر أنه حين عصى موسى بن بُغا أحد قادة الجيش أمْرَ الخليفة المهتدي، ودخل بجنوده إلى مقر الخلافة، صاح بعض الناس فرحين : يا فرعون قد جاء موسى!!، مطلقين على المهتدي بالله المؤمن العادل لقب فرعون، وعلى الجبار القاتل المتمرد صفة النبي موسى.

وهكذا انتهت حياة الخليفة العادل الشجاع القصيرة، والتي استمرت نحو أحد عشر شهرا، قضاها في مقارعة العسكر، ومحاولة كف أيديهم عن تخريب البلاد وإيذاء العباد.

مات المهتدي بالله تتبعه دعوات الصالحين، ومات قادة العسكر تلاحقهم لعنات المظلومين، وعند الله تجتمع الخصوم، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.

  • المنتظم في تاريخ الأمم والملوك – جمال الدين أبو الفرج الجوزي (المتوفى : 597هـ)
  • الكامل في التاريخ – عز الدين ابن الأثير (المتوفى : 630هـ)
  • العبر في خبر من غبر – شمس الدين الذهبي (المتوفى : 748هـ)
  • تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام – شمس الدين الذهبي (المتوفى: 748هـ)
  • البداية والنهاية – أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي (المتوفى: 774هـ)
  • رسائل من أحمد الجدع ( 68 )
  • محاضرات في التاريخ الاسلامي للباحث جمال الدين فالح الكيلاني

أترك ردا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s