حقيقة فرسان مالطا وبلاك ووتر

عبد الحسين شعبان

فرسان مالطا و بشار

بشار الأسد يتسلم الوشاح الأحمر لمنظمة فرسان مالطا

منذ أوائل التسعينات بدأ الحديث مجدداً عن منظمة أو دولة فرسان مالطا، وارتبط هذا التوقيت بوجهة الصراع الآيديولوجي الدولي بعد نهاية الحرب الباردة وانهيار المنظومة الاشتراكية على المستوى الدولي وتدهور الشيوعية وحركتها وارتفاع رصيد التيارات اليمينية الاصولية ودور المحافظين الجدد، حيث أصبح الاسلام والمسلمين بدلاً من الشيوعية والشيوعيين الخطر الأكبر على الحضارة البشرية حسب الاطروحات الليبرالية الجديدة، التي بشرّ بها فرانسيس فوكومايا منذ ان نشر مقالته الشهيرة في مجلة الشؤون الدولية العام 1989 حول ” نهاية التاريخ” وعاد وروّج لها في كتاب خاص في العام 1993 معلنا ظفر الليبرالية على المستوى السياسي والاقتصادي وهو ما ذهب اليه صموئيل هنتنغتون حين دعا الى ضرورة شحذ جميع الطاقات بما فيها العسكرية للتصدي للخطر الجديد أي الاسلام مثلما قصده فوكوياما، معلناً عن أن صداماً لا مفرّّ منه بين الحضارات وصراعاً محتوماً بين الثقافات وبخاصة بين الاسلام والحضارة الغربية المسيحية.

فهل كانت الاشارة الى منظمة فرسان مالطا ضمن مجموعة الآليات والوسائل التي يمكن استخدامها ضد العالمين العربي والاسلامي في الصراع المزعوم والصدام المفترض، خصوصاً وانها تحاول الاحتماء وراء مقاصد خيرية وأهداف انسانية، فما هي منظمة أو دولة فرسان مالطا وما هو تاريخها وما هو دورها الحالي؟

يعود ظهور منظمة فرسان مالطا الى العام 1070 وقد أسسها بعض التجار الايطاليين خلال حروب الفرنجة (ولا أقول الحروب الصليبية) للقيام ببعض الأعمال الخيرية ورعاية المرضى المسيحيين، وكان باكورة أعمالها انشاء مستشفى تابع لكنيسة القيامة في القدس. وخلال الحملة الاولى لحروب الفرنجة 1097 لعب فرسان مالطا دوراً مهماً وبخاصة خلال الاستيلاء على القدس، ولكن بعد تحرير صلاح الدين الايوبي، القدس 1291 اتجهت هيئة الفرسان الى اوروبا ونقلت نشاطها الى ليماسول في قبرص وجزيرة رودس في اليونان وفي مالطا 1530 وبهذا تعتبر مالطا وطنهم الثالث.

تاريخياً تناصب منظمة فرسان مالطا الاسلام العداء وهو الامر المحوري في نشاطها رغم وجود علاقات تمثيلية الآن بينها وبين أكثر من 16 بلداً اسلامياً اضافة الى 7 بلدان عربية، وهي تجمع بين المنظمة السرية وشكل الدولة، وكان آخر دولة عربية اقامت علاقات معها هي الاردن، ولديها علاقات مع المغرب وتونس والسودان وموريتانيا ولبنان، اضافة الى مصر، وقد اكتشفت عن طريقة الصدفة في آخر زيارة لي للقاهرة عنوان سفارة الفرسان في القاهرة وفي شارع هدى شعراوي وتحت اسم Sovereing Military order of Malta .

ويُنسب الى شمعون بيريس طلبه من الرئيس السادات إقامة علاقات رسمية مع منظمة فرسان مالطا، لكن المفارقة تتضح حين يكتشف المرء أن اسرائيل لا تقيم رسمياً علاقات مع فرسان مالطا، في حين ان علاقة الفرسان بمصر قديمة، وهناك مستشفى لرعاية مرضى الجزام في محافظة القليوبية.

كان فرسان مالطا أو ” فرسان المعبد” يغيرون على سواحل بلاد المسلمين وبخاصة السواحل القريبة منهم مثل سواحل ليبيا وتونس، وكبر دورها خلال أيام حروب الفرنجة ضد المسلمين،لكنهم اضطروا بعد حملة نابوليون على ايطاليا الى الهجرة، حيث استقر القسم الاكبر منهم في مدينة سان بطرسبرغ (في روسيا) رغم انها كنيستها ارثوذكسية في حين انهم كاثوليك، وقسم منهم هاجر الى الولايات المتحدة، وصادف وصولهم اندلاع الحرب الاهلية الامريكية وميلاد منظمة الكوكسلوس كلان الارهابية، التي تدافع عن تسيّد الرجل الابيض وتفوّقه العنصري على السود، ولهذا توثقت العلاقة بينها وبين منظمة فرسان مالطا وبينها.

ما علاقة فرسان مالطا باحتلال العراق؟ يقول الكاتب الايرلندي سيمون بيلز ان هناك صلات وثيقة بين الفرسان والمرتزقة الذين يتبعون لمجموعة شركات برينس المالكة لبلاك ووتر ” المياه السوداء”. ولعل قرار الحاكم المدني الامريكي بول بريمر عشية مغادرته العراق 27/6/2004 له دلالات كبيرة حين أعفى العاملين من أفراد الشركات الامنية من الملاحقة القانونية ونص على ” حرية الشركات الامنية العمل في العراق” ومنحها ” حصانة قضائية ضد ملاحقة القانون”.

يقول بيلز وزميلته ماريسا سانتينيرا ان رونالدريغان وجوج بوش الاب (وهما جمهوريان) من أبرز أعضاء جماعة الفرسان، وأن صلة عائلة بوش بما فيها جدّه وثيقة بمجموعة الفرسان، ولم يكن حديث الرئيس جورج دبليو بوش عن ” الحروب الصليبية” مجرد زلة لسان أو ذكره “الفاشية الاسلامية” خلال العدوان الاسرائيلي على لبنان 2006، مجرد سوء اختيار، بل كان جزءً من التفكير المتطرف والمتعصب لعدد من المراتب العليا في الادارة الامريكية وللمحافظين الجدد.

لهذا فإن عودة فرسان مالطا الى الواجهة لم يكن صدفة، بل هو اختيار لأقوى مرتزقة على المستوى العالمي حسب الوصف الذي يطلقه البعض عليهم. عادت المنظمة الى الظهور بقوة في أواخر الثمانينات بقيادة الايطالي ” اندروبرتي”، واختارت ايطاليا مقراً لها، وكان العام 1990 أحد المحطات الاساسية الجديدة لانطلاقة المنظمة، حيث عقدت اجتماعاً كبيراً في مالطا (ميناء فالتا- العاصمة) حضره نحو 500 (خمسمائة) شخصاً يرتدون حلّة سوداء بصليب أبيض مزدوج الأطراف، وكان هذا الاجتماع هو الاول من نوعه منذ أن أخرجهم نابليون بونابرت قبل أكثر من 200 عام.

الغريب أن فرسان مالطا الذين حضروا الاجتماع في ميناء فالتا، كانوا من 22 بلداً، أي أنهم من جنسيات مختلفة، واتفقوا على إحياء دور المنظمة، وجاء على لسان الاستاذ الأعظم حسب صحيفة الهيرالدتربيون الامريكية: ان الدبلوماسية بحد ذاتها ليست من أهدافنا، ولكن إقامة علاقات مع الدول تساعد في تسهيل أعمالنا والحصول على الأدوية والمواد التموينية لتقديمها الى المناطق المنكوبة ومساعدة المرضى والمعوزين.

ولم يخفِ الاستاذ الأعظم تاريخ المنظمة القديم حين يقول”… نحن منظمة دينية… فالجانب البروتوكولي والدبلوماسي بالنسبة لنا غاية في الأهمية، ونحن نبذل جهدنا لتقديم العون للمحتاجين”.

ولعل مثل هذا الامر يثير تساؤلاً قانونياً حول صفة المنظمة، فهل هي دولة كي تسعى لإقامة علاقات دبلوماسية أو تمثيل دبلوماسي، أم هي منظمة للاغاثة الانسانية كما تقول؟ ولعل هذا يطرح حدودها الجغرافية وشروط الدولة وعناصرها كالأرض والحكومة والسيادة، وهي التي تنطبق على اشخاص القانون الدولي وبخاصة الدول وبدرجة أدنى المنظمات الدولية، في حين ان وجود مقر لفرسان مالطا في مبنى الفاتيكان او احد القصور التاريخية، لا يعطيها صفة الدولة ذات الطبيعة السيادية، فما بالك والمنظمة تطرح نفسها كهيئة خيرية إغاثية، فكيف تبعث بالسفراء وتتبادل التمثيل الدبلوماسي؟

واذا كان الامر حاصلاً فانه تجاوز على الاتفاقيتين الدوليتين بخصوص العلاقات الدبلوماسية والعلاقات القنصلية لعامي 1961 و1963 ولا ادري كيف يقبل المجتمع الدولي بمثل هذا الاستثناء المثير وكيف يبرر ذلك؟ فحتى قرار الفاتيكان برد الاعتبار الى منظمة فرسان مالطا وتكريمها وفتح مقرّها لديه، الاّ أن علاقته بها حصرها بالمسائل الاستشفائية ومساعدة المحتاجين، وهو لا يعطيها صفة الدولة بالطبع.

والسؤال الأخير: كيف لمنظمة تُعنى بالامور الانسانية أن تستخدم شركات مثل بلاك ووتر المعنيّة بالحماية الامنية، ولديها معدات تقترب من معدات الجيش النظامي، بما فيها طائرات هيليوكبتر ومدرّعات وغير ذلك لتنفيذ عمليات قتالية وهجومية، فما الذي يتبّقى من مهماتها الانسانية، السلمية والمدنية!

أترك ردا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s