لابد لهذه الثورة من قيادة

دعوة لسرقة الثورة

معتز فيصل

أنا سورياتميزت كل الثورات العربية بما فيها الثورة السورية، أنها نشأت بدون رأس، أي بدون قيادة، وأنها كانت ثورات شعبية حقيقية تحركت فيها الشعوب بشرارة اختلفت من دولة إلى أخرى، وكانت حركتها نتيجة تراكمات سياسية واجتماعية وثقافية أوصلت الأمور إلى ما وصلت إليه. ففي تونس أشعل الشرارة البوزيدي، رحمه الله تعالى، وفي سوريا أشعلها تلاميذ درعا البواسل، وفي مصر خالد سعيد، وهكذا.

كانت هذه الحالة، أي عدم وجود قيادة واضحة ومعينة للثورات، ميزة. فقد منعت الأنظمة من اغتيال الثورة باغتيال قادتها أو اعتقالهم وهو ما اعتادت عليه هذه الأنظمة وأتقنته. في هذه المرة احتارت الأنظمة لعدم وجود قيادات فكانت تتخبط في حلولها، مما أجج الثورات وزاد من لهيبها وأعطاها شحنات من الأمل والقوة إلى أن وصلت إلى مبتغاها في أربع دول من أصل خمسة قامت فيها.

بقيت الثورتان المصرية والتونسية بلا قيادات إلى نهايتها، وأفرزت قياداتها بعد انتصارها. أما في الحالة اليمنية فقد اضطرت الثورة لتشكيل مجلس للتفاوض مع علي صالح وبقي هذا المجلس في الحكم بعد رحيل الرئيس المحروق. في الحالة الليبية أجبرت المعركة الليبيين على تشكيل قيادة موحدة سياسية وعسكرية تمثلت في المجلس الوطني الليبيي، نجحت هذه القيادة في القضاء والانتصار على المجرم القذافي.

الحالة السورية قد لا تتشابه مع أي من الحالات الثورية العربية ولكنها أقرب نوعا ما إلى الحالة الليبية من ناحية تحولها إلى عمل عسكري قتالي لا بد فيه من انتصار أحد الطرفين حتى تنتهي المعركة وتنجح الثورة.

لن نخوض في بدايات التسلح وكيف بدأ وكيف تطور ولماذا لم تنشأ قيادة في البداية وكيف كانت الاتصالات شبه منعدمة وكيف كان الشباب ينشقون وهم لا يملكون إلا السلاح الفردي الذي يقاتلون فيه وكيف نشأت الكتائب المختلفة وكيف دخلت قوى خارجية على الخط إلى آخر ما يعرفه كل المتابعون للشأن السوري. ولكننا هنا نطرح السؤال الهام التالي: “هل يمكن أن تبقى الثورة وأن يبقى الصراع العسكري بدون قيادة؟”

لا أعتقد أن عاقلاً في الدنيا كلها يجبيب بنعم على هذا السؤال. وكلنا نراقب في الوقت الحالي ما هي المصائب والمشاكل التي تعترض المجاهدين المقاتلين الثوار بسبب غياب هذه القيادة المسؤولة، وبسبب غياب خطة عسكرية شاملة تقود المعركة. فهل يجوز عقلا وشرعا وثورة أن يستمر هذا الوضع على ما هو عليه؟

الجواب بكل تأكيد: لا. وأعتقد أن الكل متفقون على ضرورة وجود قيادة عسكرية وقيادة سياسية توصل الثورة إلى نهايتها وتخلصنا من هذا النظام المجرم وتخلص الشعب من هذه المعاناة التي طالت كثيرا. المشكلات تبدأ عندما نصل إلى تطبيق هذه المقولة التي توجب إيجاد القيادة. من هي؟ كيف سنختارها؟ من سيختار؟ أين ستكون؟ كيف سينصاع لها الجميع؟ كيف سنتأكد من أنها القيادة الصحيحة؟

كل هذه أسئلة مشروعة. وتجربتنا المرة مع المجلس الوطني والائتلاف، تعطي هذه الأسئلة المزيد من المشروعية. وخلافات المعارضة المعروفة وتناحرها تزيد من صعوبة الإجابة وقد توهم باستحالتها. ولكننا إذا أيقنا أنه لا خلاص لنا ولا لشعبنا بدون حل هذه المعضلة فعلينا أن نعمل على هذا الحل مهما كان مراً وصعباً وقاسياً، ومهما اضطررنا فيه إلى تقديم تنازلات.

أعتقد، وهذا كلام قابل للخطأ طبعا ويحتاج للنقاش، أن القيادات العسكرية التي ظهرت حتى الآن لا تتجاوز بضعة أشخاص، ولن أسمي هنا أحداً حتى لا يتحول الموضوع إلى الشخصنة. فكل من يتابع الوضع يعرف هذه الأسماء ويعرف دورها ومواقفها وأهميتها في الداخل والخارج. هذه القيادات الرئيسية يجب أن تتفق فيما بينها على تشكيل قيادة عسكرية وانتخاب رئيس لها، وأن تتقاسم الأدوار. فلا يمكن لشخص أن يقود كل العمل ولا بد من التكامل وهناك من المهمات ما يكفي مئات وليس عشرات الأشخاص، ولكن قد لا يكون هناك من المناصب الرفيعة والألقاب الرنانة ما يكفي هؤلاء جميعاً، فعليهم أن يتنازلوا عن بعض حظوظهم الشخصية في سبيل إنقاذ شعب تعداده ثلاثة وعشرون مليونا يقاسون الأمرين. اجتماع هؤلاء قد يجمع ثمانين بالمائة من المقاتلين على الأرض وعلى الباقين أن يخضعوا لهذه القيادة وإلا فهم خونة في حق شعبهم وثورتهم ووطنهم مهما كانت المبررات.

القيادة التي تبدأ عسكرية يجب أن تتحول إلى سياسية وأن تضم إليها من تثق فيه الجماهير من الداخل والثوار في الداخل، فلا السياسيين في الخارج ولا الائتلاف ولا المجلس الوطني قادرون على حمل هذه المسؤولية وما يجري اليوم من تخبطات وصراعات وفضائح يؤكد هذا الكلام.

العالم يبحث عن شريك في سوريا والشريك يجب أن يكون قويا وممثلاً للداخل ومسيطراً على جزء كبير من الوضع العسكري، وهذا لا يتحقق إلا في قيادة عسكرية وطنية كالتي تكلمنا عنها. عندما تشرف هذه القيادة على الأعمال الإدارية بحكم تواجد كتائبها على الأرص وبالتعاون مع المجالس المحلية تصبح هي الفاعل السياسي والإداري على الأرض أيضاً ولا يبقى سوى إيجاد الممثلين الأكفاء الذين سيتكلمون باسمها مع الخارج. هؤلاء قد يخرجون من وسط الحراك الداخلي وقد تستعين بهم القيادة من السياسيين المعروفين في الخارج والذين تتفاهم معهم بشكل جيد والذين سيوجههم الحراك الداخلي والعسكري، فيكونون صدى لصوت هذا الحراك. فهم محكومون بما يريده الداخل ولا مجال أمامهم للاجتهادات والاختلافات. ويجب أن يبقوا خاضعين للقيادة العسكرية.

لقد أثبت شعبنا ككل الشعوب العربية الأخرى، وهذه ليست شتيمة أو منقصة، أنه ولد وترعرع ونشأ ورضع من والديه فكرة القائد الملهم والكارزما الرئاسية والقيادة الحكيمة والمخلص المرتقب، وهذا ما لم تستطع كل الثورات أن تقضي عليه ولن تستطيع وكذلك الوضع في سوريا، الشعب بانتظار المخلص وكل هؤلاء المجعجعون في الخارج من القيادات السسياسية التي تتشدق بالديمقراطية والحرية والعمل الجماعي، عدا القلة التي لا تحسب، كلهم لن يصلوا إلى اتفاق ما لم يوجد من يفرض عليهم رأيا موحداً جامعاً عند الاختلاف. هذه طبيعتنا وهذه تربيتنا وهذه أخلاقنا، وسيكون لدينا الوقت الكافي بعد سقوط النظام لتغيير عاداتنا وطبائعنا وتربيتنا ولكن الدماء التي تسيل في أرض الوطن لا يمكنها انتظارنا.

هنا قد يبرز اعتراض سمعناه كثيرا من قبل هو: “سرقة الثورة”. وهي مقولة حق أريد بها باطل فالثورة لا يمكن أن تسرق قبل أن تنتصر. والنصر يجب أن يأتي أولاً. والوضع الذي نحن فيه يسمح لنا بكل حرية أن يستلم زمام الأمور أي إنسان شريف حر يعمل من أجل الوطن وليس له علاقة بالنظام، فهو مهما كان توجهه ومهما كانت أهدافه، لن يستطيع أن يخرج عن إجماع الشعب ومطالب الجماهير، وطالما أننا لن نستعمل القوة والسلاح في حل مشاكلنا في المستقبل وأننا كلنا نعمل من أجل أن يكون خيار الشعب ديمقراطياً حراً، بعد النصر فلن يكون هناك قدرة لأي كان أن يفعل بنا ما يفعله النظام حالياً ولن يكون بقدرة أحد أن يرهن قراره للخارج بوجود كل هذه القوى المتنوعة والمتعددة في البلد.

إنني أقول على العكس : نحن بحاجة إلى من يسرق الثورة، أن يسرقها من أيدي أنصاف وأشباه السياسيين في الخارج والذين لم يستطيعوا أن يقدموا شيئا حتى الآن ولا أن يتفاهموا على أدنى قدر من الثوابت والقواسم المشتركة. أن يسرقها من أيدي الجماعات المسلحة ذات الأهداف الشخصية أوالأهداف الإقتصادية، أو الأهداف المرتبطة بالخارج. أن يسرقها من أيدي المتاجرين بها. أن يسرقها من أيدي القوى الأجنبية التي ما كانت لتتقدم لولا أنها لم تجد الفراغ المناسب الذي تتقدم فيه داخل جسم الثورة. هذا السارق الشريف يجب أن يتميز بصفة واحدة فقط: هي أن يكون هدفه هو إسقاط النظام وألا يكون من أتباع النظام وأن يقبل بتسليم السلطة وسحب السلاح بعد النصر.

أما إذا بقينا على وضعنا الحالي من تخوين وتشويه وقراءات للنوايا والأهداف والتصرف بحسب هذه القراءات وتفشيل بعضنا البعض في المجال السياسي، وعلى هذه الطريقة التي تجري بها الأمور في المجال العسكري والتي لن أتكلم عنها هنا، وبهذا التخبط في المجال الإغاثي والتنظيمي في الداخل، فلن يكون القادم إلا أسوأ من الحاضر ولن يكون المستقبل مشرقا بحال من الأحوال.

30.05.2013

أترك ردا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s