دمشق تتطهر

فواز تللو

دمشق ليلافي مثل هذه الأيام قبل خمسة عشر عاما شيع نزار قباني إلى مقبرة باب الصغير حيث دفن إلى جانب أمه وأبيه وابنه في ظل شجرة زرعت مع ورود حولها، وعلى مسافة قريبة دفن والدي أيضا بالقرب من ضريح بلال الحبشي، وفي قسم آخر من باب الصغير دفنت والدتي رحمهم الله جميعا، وفي كل مرة زرت فيها ضريح أمي وأبي كنت أعرج على ضريح نزار قباني لأقرأ له الفاتحة أيضا وأناجيه ببيت شعر قاله في دمشق.

والدي كان محاميا وقاضيا ووطنيا متدينا، افتتح سجله الوطني كجندي مجهول لم يطلب يوما ثمنا لعمله، افتتح سجله الوطني وهو ابن العاشرة بإلقاء مفرقعة على مبنى الداخلية اليوم الذي كان مقرا للحاكم العسكري الفرنسي يومها، بتخطيط من سياسي من العائلة من أنصار الحزب الوطني، عرض عليه رئيس الوزراء محمود الأيوبي عند توزيره في السبعينات، عرض عليه يومها منصب محافظ دمشق قائلا له أن حافظ أسد الرئيس الانقلابي الجديد يرغب بالاستعانة بوجوه دمشقية نظيفة (طبعا تلميعا لعهده) وقد كنا نعيش يومها في السعودية ونحلم بيوم العودة إلى دمشق التي كانت تجري في دمنا كأطفال فالحياة فرضت الغربة وجاءت فرصة للعودة من أوسع الأبواب، كانت تربط محمود الأيوبي بوالدي معرفة عندما كان والدي مديرا والأيوبي مدرسا للمدرسة (الوحيدة ربما) في العاصمة القطرية الدوحة أواخر الخمسينات حيث عمل بعد أن صرف من عمله كقاض في سوريا بداية حكم عبدالناصر، يومها قال والدي للأيوبي الذي عرض عليه منصب محافط دمشق: “ما فشرتو … أنا أشتغل معكم!!!”، وبقينا في الغربة عشر سنوات إضافية، لكن هذا الوالد المتدين الذي أيد الحزب الوطني ثم حزب الشعب ولم ينتمي يوما لحزب إسلامي أو إيديولوجي قومي أو يساري كان ومع ما يراه من جنوح كبير لدى نزار قباني في بعض شعره إلى تجاوز كل المحاذير الاجتماعية، كان يراه شاعرا من بضعة شعراء عرب لم يخلق الله مثلهم منذ تكلم إنسان العربية وكان يتذوق معظم شعره خاصة عندما يتعلق الأمر بالحرية ودمشق التي كانت تجري في دمه كما في دم نزار، لكن ما جرى مع والدي لم يكن إستثنائيا فقد حصل مع كثيرين حاول حافظ أسد شرائهم وكان نزار منهم.

جنازة نزار قباني التي شاركت في جزء منها ضمت بضعة آلاف سيرا على الأقدام، كانت غير رسمية مع أن بعض الوزراء شاركوا فيها لكن بصفتهم الشخصية، جنازة ضمت الرجال والنساء وهذا لم يكن متعارفا عليه لكن شاعر الحرية لابد أن يكون استثنائيا حتى في جنازته، المفارقة أن هذا الأمر بات اعتياديا في دمشق منذ اندلعت  ثورة الحرية والكرامة في كل تشييع شهدته في دمشق مع أنه انتهى  دائما بإطلاق الرصاص على المشيعين العزل.

نزار قباني خرج من دمشق منذ تولى إنقلابيي البعث الطائفيين السلطة وعاداهم وهجاهم وحقدوا عليه، في العام الذي تلى حرب 1973 حاول حافظ أسد الساعي لتلميع صورته وعهده، حاول استمالة نزار فأرسل له الموفدين وعاد نزار إلى دمشق لبضعة أشهر اكتشف فيها ما يدبر لسوريا ودمشق فغادر مرة أخرى متخليا عن درب مليء بالمال والسلطة … والاستزلام، غادر حبيبته دمشق عائدا إلى لبنان واحة الحرية يومها حيث كان يقيم وهجاهم كما هجا كل مستبد، لكن مرة اخرى بعد سنوات قليلة قتلت زوجته بلقيس في تفجير دبره حافظ أسد للسفارة العراقية فغادر إلى لندن وتابع جهاده في وجه من يحتل حبيبته دمشق ويذل أهلها، نعم هو جهاد كما كان رسولنا يصف شعر حسان ابن ثابت، وفي عام 1989 عاد مرة أخرى بمساعي من حافظ أسد الذي ظن أنه قد ملك سوريا إلى الأبد بعد أن سحق السوريين قبلها، عاد نزار إلى دمشق لبضعة أسابيع، يومها قابلته في معرض الكتاب حيث يوقع دوواينه وكنت شابا فقال لي “إحذر الشعوبيين” مشيرا لنظام ملالي طهران، وكالمرات السابقة وجد أن دمشق لازالت تحت الاحتلال فغادر مرة أخرى لكن بعدها لم يعد إلا جسدا بدون روح ليدفن في دمشق، فكان محظوظا بعكس عشرات العظماء السوريين والدمشقيين الذين لم يرى جسدهم سوريا أو دمشق التي عشقوا كعلي الطنطاوي وفخري البارودي وشكري القوتلي والقائمة تطول.

في مقبرة باب الصغير خاصة وفي مدافن دمشق عامة ترى تاريخ الأمة، من إبن قيم الجوزية تلميذ إبن تيمية إلى محي الدين بن عربي، إلى ابن تيمية في ريف دمشق وعلى طرف غوطتها، صحابة وعظماء كثر صنعوا تاريخ العرب والمسلمين القديم والحديث، منهم من اختلفوا في كثير من القضايا لكن جمعتهم دمشق وعشقها في حياتهم وبعد وفاتهم. هم ككثير من أهل دمشق جاءها أجدادهم أو مروا بها فعشقوها واستوطنوها وبعد بضعة عقود باتو جزءا من نسيجها، دخلوها محبين عاشقين وأعطوها خير ما لديهم فأدخلتهم دمشق في دمها وروحها وباتوا دمشقيين كأنهم عاشوا فيها منذ الأزل، حتى الغزاة كثير منهم وقع في حبها فانصهر فيها راضيا بجنة الله في الأرض، جاءها كثير من المظلومين الذين طردوا من بلادهم فاحتضنتهم دمشق ودخلوا روحها وسروا في عروقها، كل من استوطنها تغير  فالكرد الدمشقيون مثلا شيء مختلف عن أقرانهم في باقي العالم، لهم حيهم وثقافتهم التي عاشوها بسلام في حضن دمشق فباتوا دمشقيين وكرد في آن فكان أن  قاد بعضهم سوريا الحديثة، وللألبان والشركس والأرمن والبوشناق (البوسنيين) وغيرهم كثير كل له حيه وكل أعطى لدمشق علماء وعظماء كانوا دمشقيين قبل أي شيء آخر.

في دمشق، العائلة وأصالتها مهمة لكن هذه الأصالة تحددها معايير دمشق الخاصة، فإبن الأصل ليس بالضرورة غنيا ابن غني بل يكفي أن يكون بشخصه مستقيما شهما أو عالما أو متقنا لحرفته والطرق كثيرة، أما عديم الأصل فشرطه الوحيد سوء الأخلاق أو الجهل أو “قلة الدين” بغض النظر عن طائفته ودينه، وهكذا باتت دمشق تحاسب المسيئين لكن دون أن تؤذيهم بمعاييرها الاجتماعية والأخلاقية الصارمة التي تحترم كل فضيلة وتنبذ كل رذيلة، وهكذا أعطت دمشق تأصيلا  وأصالة لكل ذي أخلاق وهو ما لن تجده في أي مكان آخر عدا دمشق.

لكن هناك دائما استثناء، فدمشق وغوطتها التي تحقن عشاقها في دمها هي أيضا دمشق التي تلفظ كارهيها وحاسديها وتحتقرهم بمقدار حقدهم، وهذا هو حالها منذ وقعت في الأسر قبل نصف قرن، أتاها الكثيرون يحملون حبا لها وهم اليوم يقاتلون فيها وعنها لفك أسرها فأصلتهم دمشق كما حفظوا أصلها، ودخلوا دمها بعد أن بذلوا دمائهم وما يملكون على قلته في وجه الحاقدين عليها، هؤلاء الحاقدين ليسوا بالضرورة من طائفة واحدة فأيضا فيهم كل من لفظته دمشق من أهلها أو من أهل سوريا ممن سقطوا في امتحان الشرف والأصالة الدمشقي فكان أن ضم هؤلاء الحاقدين كل حثالات دمشق وحثالات سوريا، حثالات يحسدون دمشق والدمشقيين على أصلهم لأنهم بلا أصل حسب معايير الأصالة الأخلاقية الدمشقية فحاولوا فرض مقاييس الغابة بالمفهوم البشري الأكثر انحطاطا، جاؤوا بلا مال وبدل أن يتعلموا شرف العمل مارسوا السرقة، استولوا على سلطة كان الفساد فيها استثناء فحولوا الدولة إلى مملكة فساد، جاؤوا إلى مجتمع متسامح متنوع مثل التجربة الديموقراطية الأهم في العالم الثالث فحولوا البلاد إلى أكبر نموذج للقمع والاستبداد والطائفية، بلد كان يدعى يابان الشرق الأوسط بنهضته الاقتصادية فبات في ذيل الدول اقتصاديا، بدل أن يضيفوا لدمشق العريقة معلما تاريخيا شنوا حملة لتدمير دمشق التاريخية ليقيموا مكانها كتلا إسمنتية بلا هوية مثلهم، جاؤوها وغوطتها قطعة من الجنة بأشجارها وأنهارها، جاؤوها كالجراد فقطعوا الشجر وجففوا الأنهار حتى كادت تصبح صحراء قاحلة مثل قلوبهم، دمشق وكل سوريا التي جاءها غزاة كثر تهيبوا المساس بمعالمها وفي كل حجر منه قصة تاريخ فقامت حثالات الحقد بهدمها شبرا شبرا متوهمين أنهم بذلك يزيلون تاريخها المشرف لتعود بلا تاريخ ولا شرف مثلهم، وبدلا أن يرتقوا لعلياء لدمشق قرروا أن يقطعوا أرجلها عسى أن تهبط لعالمهم الوضيع.

حثالات اليوم الحاقدون ليسوا بأفضل حظا من أقرانهم من القرامطة أو التتار أو الصليبيين أو الفرنسيين وغيرهم كثير ممن هزمتهم دمشق فبقي منهم أفراد خضعوا لأصالة دمشق لينسوا أصلهم الوضيع، ولفظت إلى مزابل التاريخ باقي هؤلاء، دمشق تتطهر اليوم من نصف قرن من القذارة، والتطهر له ثمن كبير بحجم قذارة حاولت تلويثها لنصف قرن، لكن دمشق عائدة بإذن الله وسيعود أيضا خفافيش الحقد الذين أطبقوا عليها في لحظة غفلة، سيعودون إلى أوكارهم المظلمة منتظرين لحظة غفلة أخرى لن تاتيهم أبدا فدمشق قصة تاريخ متواصل لا يلدغ من جحر مرتين.

معارض سوري
برلين – المانيا
30/04/2013

أترك ردا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s