البناء والتنمية في العصر الأموي – 3

المنشآت الإنمائية في العصر الأموي

جامعة الملك سعود

قنطرة قرطبةأهتم الخلفاء الأُمويون باقامة العديد من المشاريع الحيوية التي كانت تهدف إلى الارتقاء بالمستوى المعاشي للمواطنين .

وحيث يصعب حصر هذه المشاريع لتعددها وتنوعها، فسوف نقتصر على تقديم نماذج منهـا، كالآتي :

حفر الأنهار

تم في العصر الأموي حفر العديد من هذه الأنهار، ففي بلاد الشام تشير الروايات التاريخية إلى أن يزيد بن معاوية قد حفر نهراً في “لِحْف جبل قاسِيُون بدمشق”  وأَجرى فرعاً من نهر بَرَدى فيه فسمِّي فيما بعد بنهر يزيد. ويقول أحد الباحثين: “وكان هذا النهر يسقي ما لا يصل إليه نهر بَرَدى” . كما يتحدث بعضهم عن مزايا ذلك النهر بقولهم: “وقد ساعد هذا النهر على امتداد الخضرة والعمران إلى أعالي سفوح جبل قاسيون  المطل على المدينة، فضلاً عن إحياء  عدد من القرى في الشمال من دمشق وإرواء الجواسق والمنازل التي أقيمت على ضفافه” ولا يزال هذا النهر يروي أرض الصالحية بدمشق إلى اليوم.

وقام هشام بن عبد الملك بحفر نهر بالِس على نهر الفرات (بين الرقة وحلب)  وحفر نهري الهَنيء والمريء  واستزرع الضيعة التي بينهما على نهر الفرات  في سورية ،  والتي عرفت بهذين الاسمين (الهنيء والمريء) وقد مدح جرير في إحدى قصائده، الخليفة على حفره نهر الهنيء.

وفي إقليم  العراق قام الحجَّاج بحفر نهر الصِّين (قرب كَسْكَر وواسط) ونهر الزَّابي، وأجرى منهما القنوات، وأحيا ما على هذين النهرين من الأَرَضين.. كما أصلح الحجَّاج السدود التي كان عبدالله بن دَرَّاج عامل الخَراج في زمن معاوية، أقامها على نهر دجلة، وكذلك قنوات الرَّي التي تروي أرض البَطائح. وهذا بدوره ساعد في استغلال مساحات واسعة من تلك الأراضي في الزراعة.

وأما خالد بن عبدالله القَسْري والي العراق للخليفة هشام بن عبد الملك، فقد حفر نهر الجامع، ونهر خالد، ونهر المبارك (ويأخذ مياهه من دجلة قرب واسط) وكانت كُلْفة حَفْره  مرتفعة (12مليون درهم)، مما دفع بالخليفة أن يكتب لخالد خطاباً يستكثر فيه هذه النفقة.  وكل ذلك بهدف استصلاح أرض البطائح.

بناء السدود

شهد العصر الأُموي بناء عدد من السدود في بطون الأودية في الطائف والمدينة ومكة ،  وذلك لحجز المياه والاستفادة منها في الري واستصلاح الأراضي الزراعية، فقد بني في عهد معاوية بن أبي سفيان (58 هـ/677م) سدّاً على وادي لِيَه (شرقي الطائف) ويعرف باسم “سايْ سَدْ ” أو “سِيْسَد” . ولا يزال هذا السَّد على حاله، شاهداً على ذلك العصر وإنجازاته (وهو يقع الآن داخل منتزه الطائف الوطني) . وهناك سد معاوية ويقع على الطريق بين المدينة ومهد الذهب (37 كيلاً مترياً عن المدينة) وقد صمم على هيئة بركة حتى ينحبس فيه الماء، كما أقيم عدد من السدود على وادي العقيق قرب المدينة للاستفادة من مياه السيول كسد عبدالله بن عمرو بن عثمان بن عفان.

وبنى الحَجَّاج، أثناء ولايته على مكة (73-75هـ/ 692- 694م) ثلاثة سدود: أحدهما في المزدلفة والاثنان الآخران في منى .

بناء القناطر  ( الجسور )  

القناطر ( الجسور) تقام عادة فوق الأنهار لتسهيل التنقل بين ضفتي النهر (أو شطري المدينة المقامة على النهر). فمن أجل ذلك أصلح زياد بن أبي سفيان قَنْطَرة الكوفة وأعاد بناءها باللِّبن والآجُر بعد أن كانت من أخشاب القوارب المتهالكة وأصبحت تعرف بـ “قنطرة الكوفة”.

وعمل خالد بن عبد الله القَسْري، والي العراق لهشام، قنطرة على نهر دجلة، وأعظم النفقة عليها. فلم يلبث أن قطعها الماء فأغرمه هشام ما أنفق عليها.

وفي بلاد الأندلس، قام السَّمح بن مالك الخُولاني ، (في حوالي سنة 101هـ/719م )  بإعادة بناء القنطرة الرومانية “قنطرة قرطبة” على نهر قرطبة (نهر الوادي الكبير) التي امتدت جسراً بين الضفة الشمالية حيث العاصمة قرطبة وبين الضفة الجنوبية المعروفة بالرَّبض، وطولها ثمانمائة ذراع وعرضها عشرون باعاً وارتفاعها ستون ذراعاً وعدد حناياها ثماني عشرة حَنِيَّة، وأبراجها تسعة عشر برجاً وأُقيم سدّ يعترض الوادي، واقيمت على السد ثلاثة بيوت أَرحاء، وأًقيم على كل بيت من الأرحاء أربع مطاحن لطحن الحبوب  .

وأما في مصر، فقد بنى عبد العزيز بن مروان قنطره في طرف مدينة الفسطاط، عام 69هـ/ 688م.  وقام عبد العزيز كذلك ببناء مقياس لفيضان نهر النيل  عند مدينة حلْوان بديلاً لذلك المقياس القديم الذي كان في مدينة “أَنْصِنَا”.  وظل الأمر كذلك حتى قام أسامة بن زيد التنوخي (عامل سليمان بن عبد الملك على خراج مصر، عام 97هـ/ 715م) ببناء مقياس آخر على جزيرة الروضة ( في القاهرة اليوم).

وفي بلاد السند، قام محمد بن القاسم الثقفي ببناء أول جسر على نهر السند في العهد الإسلامي. فيروى أنه حينما وصل بقواته إلى شاطئ النهر اختار موضعاً قليل العرض، ثم أُحضرت  المراكب المحملة بالرمال والحجارة والواح الخشب،  وأمرهم بتسمير الألواح على المراكب في صورة جسر ، فكان أن عبرت عليه القوات الإسلامية من غرب إلى شرق نهر السند قبل لقائها بجنود “داهر” في تلك المعركة الفاصلة.

توفير مياه الشرب

وردت إشارات غير قليلة في المصادر تفيد بأنه كانت هناك مشكلة في توفير مياه الشرب (الماء العذب) وبخاصة في إقليم العراق، فمن أجل ذلك بدأ الحر بن يوسف بن يحيى بن الحكم الأموي والي الموصل للخليفة هشام (108-114هـ/ 726-732م) بحفر النهر المكشوف الذي يجيءُ وسط مدينة الموصل لجلب الماء إلى المدينة من نهر دجلة ، الذي كان يجري بعيداً عنها، ليشرب منه أهل المدينة ويسقي الأراضي الزراعية التي تحيط بها شرقاً وجنوباً. واستمر الحفر ثلاث عشرة سنة ( لم يكتمل إلا في سنة 121هـ/ 739م، في عهد ولاية الوليد بن تَلِيد العَبسْي) وكان عدد العاملين فيه نحو 5000 رجل. وبلغت كلفته ثمانية ملايين درهم. وجعل عليه ثمانية عشر طاحوناً (رحا) لطحن الغلال. وجعل ريعها للنفقة على هذا النهر وما يحدث فيه. ويعلق أحد الباحثين على أهمية هذا المشروع، بقوله : “ولا بد أن هشاماً أدرك تأثيرات الازدحام السكاني في هذه المنطقة، فحاول معالجة الموقف بمشروع انتاجي طويل المدى يُحَسّن مجالات استخدام السكان على الأقل”.

وأما عن توفير الماء العذب إلى مدينة البصرة فيروي البلاذري أن وفداً من أهل البصرة قدم على عبدالله بن عمر بن عبد العزيز (والي العراق ليزيد بن الوليد بن عبد الملك 126هـ/ 744/)” فشكوا إليه ملوحة مائهم. وحملوا إليه قارورتين  في أحدهما ماء البصرة وفي الأخرى ماء البطيحة (ويأتي من نهر دجلة) فرأى بينهما فضلاً، فقالوا: إنك إن حفرت لنا نهراً شربنا من هذا العذب. فكتب بذلك إلى يزيد . فكتب إليه يزيد: إن بلغت نفقة هذا النهر خراج العراق ما كان في أيدينا، فأنفقه عليه. فحفر النهر الذي يعرف بنهر عمرو”. [ ولعله ابن عمر ]. ويضيف البلاذري قائلاً: “وكانت الولاة والأشراف بالبصرة يستعذبون الماء من دجلة ويحتفرون الصهاريج. وكان للحَجّاج  بها صهريج معروف يجتمع فيه ماء المطر، وكان [ لعبد اللهٍ ] بن عامر وزياد [ بن أبي سفيان ] وابن زياد صهاريج يبيحونها  للناس.

وفي بلاد  المغرب اهتم الأمويون بتوفير الماء لأهالي القيروان. فيروى ” أن هشام بن عبد الملك أمر عامله على القيروان (عبيد الله  بن الحبحاب) بإنشاء خمسة عشر ماجلاً (صهريجاً) خارج سور المدينة تكون سقايات لأهلها، فباشرها وأتمها في مدة سريعة ،  وما زال البعض منها معروف المكان، خصوصاً في المحل المسمى اليوم بِفُسْقِيَة  الباي، وهي غير بعيدة عن فُسْقِيَة الأغالبة من شرقها، وكانت هذه المصانع من المتممات الضرورية لتكامل عمران المدينة “ومن يتأمل هندسة هذه القنوات يحكم أن وضعها كان في غاية الإتقان  من الناحية المعمارية الفنية”.

أترك ردا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s