رسائل هامة من وحي مبادرات المعارضة السورية

ربيع عرابي

ما وقع من الحوادث سنة 803 هـ – 1400 م :
رسائل هامة :

تيمور ومعاذإلى أصدقاء سوريا
إلى حكام المسلمين والجامعة العربية
إلى الثوار والكتائب المقاتلة
إلى المعارضة السورية
إلى إئتلاف قوى الثورة والمعارضة ورئيسه ونوابه
إلى أمراء الحرب السوريين
إلى من تصدروا تجمعات الأمة على اختلاف أنواعها
إلى التجار والأعيان والملاك والصناعيين وأصحاب الثروات والمتنفذين
إلى تجار حلب ودمشق وباقي الشام
إلى أنصار الحل السلمي للأزمة السورية
إلى المخذلين عن الجهاد ومعارضي العمل المسلح
إلى عبيد المجتمع الدولي والشرعية الدولية
إلى أحفاد ابن مفلح من العلماء
إلى المصابين بإسهال المبادرات المجانية
إلى الشعب السوري وإلى الأمة جمعاء

حال الجامعة العربية وحكام المسلمين :

في 25 محرم سنة 803 هـ وردت الأخبار إلى السلطان في مصر باحتلال تيمورلنك مدينة ملطية ثم عينتاب، وجاء في الرسائل : أدركوا المسلمين وإلا هلكوا.

فاستدعى السلطان بعد يومين الخليفة والقضاة والأمراء وأعيان الدولة، وأعلموا أن تيمورلنك وصلت جيوشه إلى مرعش وعينتاب، فتفرقت الآراء ووقع التخذيل والتقاعد واختلفت الكلمة.

حال الأمة :

هذا وأهل البلاد الشامية في أمر لا يعلمه إلا الله تعالى، مما داخلهم من الرعب والخوف، وقصد كل واحد أن يرحل من بلده، فمنعه من ذلك حاكم بلده، ووعده بحضور العساكر المصرية والدفع عنهم، وفي سابع صفر، قرأ كتاب السلطان في الجامع الأموي، وهو يتضمن تجهيز العساكر الشامية وخروجهم لقتال تيمورلنك.

تفرق صفوف الثوار والكتائب المقاتلة واختلاف كلمتهم :

نزل تيمورلنك على بزاعة قرب حلب، وقد اجتمع بحلب سائر نوّاب البلاد الشامية، من عساكر دمشق وأجنادها وعشيرها، وعساكر طرابلس وأجنادها ورجّالتها، وعساكر حماة وعربانها، وعساكر صفد وعشيرها، وعساكر غزة، فاجتمع منهم بحلب عساكر عظيمة، غير أن الكلمة متفرّقة، والعزائم محلولة لعدم وجود السلطان.

وبينما النواب في إصلاح شأنهم للقتال، نزل تيمور بعساكره على قرية جيلان، خارج حلب وأحاط بمدينة حلب، وفي يوم الجمعة، زحف على المدينة وأحاط بسورها، فكانت بين أهل حلب وبينه مناوشات بالنشّاب والنّفوط والمكاحل، وركب أهل حلب أسوار المدينة وقاتلوه أشدّ قتال.

فلما أشرقت الشمس يوم السبت خرج نوّاب الشام بجميع عساكرها، وعامة أهل حلب إلى ظاهر المدينة، وعبؤوا العساكر لقتال تيمور، ووقف نائب دمشق بمماليكه، وعساكر دمشق في الميمنة، ووقف نائب حلب بمماليكه، وعساكر حلب في الميسرة، ووقف بقية النواب في القلب، وقدّموا أمامهم أهل حلب المشاة، وبعد أن وقف الجميع في منازلهم زحف تيمور بجيوش قد سدّت الفضاء، وصدم عساكر حلب صدمة هائلة فالتقاه النوّاب وثبتوا لصدمته أوّلا، ثم انكسرت الميسرة، وثبت نائب الشام في الميمنة، وأردفه نائب طرابلس وقاتلا قتالا عظيما.

وبرز عدّة من الفرسان وقد بذلوا نفوسهم في سبيل الله، وقاتلوا قتالا شديدا وأبلوا بلاء عظيما ولم تمض غير ساعة حتى ولّت العساكر الشامية منهزمة يريدون مدينة حلب، وركب أصحاب تيمور أقفيتهم، فهلك تحت حوافر الخيل من البشر ومن أهل حلب وغيرها من المشاة ما لا يدخل تحت حصر، فإن أهل حلب خرجوا منها لقتال تيمور، حتى النساء والصبيان، وازدحم الناس مع ذلك في دخولهم إلى أبواب المدينة، وداس بعضهم بعضا، حتى صارت الرّمم طول قامة، والناس تمشي من فوقها، وقصد نوّاب المماليك الشامية قلعة حلب وطلعوا إليها، فدخلها معهم خلائق من الحلبيين وكانوا قبل ذلك قد نقلوا إليها سائر أموال الناس بحلب.

الشبيحة وجنود بشار :

هذا وقد اقتحم عساكر تيمورلنك مدينة حلب في الحال، وأشعلوا فيها النّيران وأخذوا في الأسر والنهب والقتل، فهرب سائر نساء البلد والأطفال إلى جامع حلب وبقية المساجد، فمال أصحاب تيمورلنك عليهن، وربطوهن بالحبال أسرى، ثم وضعوا السيف في الأطفال، فقتلوهم بأسرهم، وشرعوا في تلك الأفعال القبيحة على عادتهم، وصار الأبكار تفتضّ من غير تستّر، والمخدّرات يفسق فيهنّ من غير احتشام، بل يأخذ التّتري الواحدة ويعلوها في المسجد والجامع بحضرة الجمّ الغفير من أصحابه ومن أهل حلب، فيراها أبوها وأخوها وزوجها وولدها ولا يقدر أن يدفع عنها لقلّة مقدرته، ولشغله بنفسه بما هو فيه من العقوبة والعذاب، ثم ينزل عنها الواحد فيقوم لها آخر وهي مكشوفة العورة.

ثم بذلوا السيف في عامة حلب وأجنادها حتى امتلأت الجوامع والطرقات بالقتلى، وجافت حلب، واستمر هذا من ضحوة نهار السبت إلى أثناء يوم الثلاثاء رابع عشر ربيع الأوّل، هذا والقلعة في أشدّ ما يكون من الحصار والقتال، وقد نقبها عسكر تيمورلنك من عدّة أماكن، وردم خندقها ولم يبق إلا أن تؤخذ.

جزاء تجار حلب وملاكها وأغنيائها:

ثم سيقت إليه نساء حلب سبايا، وأحضرت إليه الأموال والجواهر والآلات الفاخرة، ففرّقها على أمرائه وأخصّائه، واستمرّ النهب والسبي والقتل بحلب في كل يوم مع قطع الأشجار وهدم البيوت وإحراق المساجد، وجافت حلب وظواهرها من القتلى، بحيث صارت الأرض منهم فراشا، لا يجد الشخص مكانا يمشي عليه إلّا وتحت رجليه رمّة قتيل، وعمل تيمورلنك من رؤوس المسلمين منائر عدّة مرتفعة من الأرض نحو عشرة أذرع في دور عشرين ذراعا، حسب ما فيها من رءوس بني آدم فكان زيادة على عشرين ألف رأس، ولمّا بنيت جعلت الوجوه بارزة يراها من يمرّ بها.

” وَلَقَد تَّرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴿35﴾” -العنكبوت

ثم رحل تيمور من حلب بعد أن أقام بها شهرا، وتركها خاوية على عروشها، خالية من سكّانها وأنيسها، قد خربت وتعطّلت من الأذان والصلوات، وأصبحت خرابا يبابا مظلمة بالحريق موحشة قفرا، لا يأويها إلّا البوم والرّخم. وسار تيمورلنك قاصدا جهة دمشق.

محاولة الهروب لبعض العامة والقيادات :

وأمّا أهل دمشق، فإنه لمّا قدم عليهم الخبر بأخذ حلب، نودي في الناس بالرحيل من ظاهرها إلى داخل المدينة، والاستعداد لقتال العدوّ المخذول فأخذوا في ذلك، فقدم عليهم المنهزمون من حماة، فعظم خوف أهلها وهمّوا بالجلاء، فمنعوا من ذلك، ونودي : “من سافر نهب”، فعاد إليها من كان خرج منها، وحصّنت دمشق، ونصبت المجانيق على قلعة دمشق، ونصبت المكاحل  على أسوار المدينة، واستعدّوا للقتال استعدادا جيّدا إلى الغاية.

ثم وصلت رسل تيمورلنك إلى نائب دمشق ليتسلّموا منه دمشق، فهمّ النائب بالفرار، فردّه العامّة ردّا قبيحا، وصاح الناس وأجمعوا على الرحيل عنها، واستغاث النساء والصّبيان، وخرجت النساء حاسرات لا يعرفن أين يذهبن، حتى نادى النائب بالاستعداد.

وقدم الخبر في أثناء ذلك بمجيء السلطان من مصر إلى البلاد الشاميّة، ففتر عزم الناس عن الخروج من دمشق.

الدول الشقيقة وأصدقاء سوريا :

وأمّا في الديار المصريّة فقد سار بعض العلماء والقضاة والأمراء، ونودي بين أيديهم : “الجهاد في سبيل الله تعالى لعدوّكم الأكبر تيمورلنك، فإنه أخذ البلاد ووصل إلى حلب وقتّل الأطفال على صدور الأمّهات، وأخرب الدّور والجوامع والمساجد، وجعلها إسطبلات للدوابّ، وأنّه قاصدكم، يخرّب بلادكم، ويقتّل رجالكم”، فاضطربت القاهرة لذلك، واشتدّ جزع الناس، وكثر بكاؤهم وصراخهم، وانطلقت الألسنة بشتم قادة الدولة.

ثم رحل السلطان ببقيّة الأمراء والعساكر يريد جهة الشام لقتال تيمورلنك، وسار حتى نزل بغزّة في يوم عشرين من الشهر.

همة الشعب وتصميمه على المواجهة :

إختلاف المعارضة وتفرقها وتخاذلها وتحول بعضها إلى أمراء حرب :

وأما أهل دمشق فكانوا في غاية الاستعداد، وعزموا على قتال تيمورلنك إلى أن يفنوا جميعا، وقد وصل تيمور إلى قطنا، فملأت عساكره الأرض كثرة، وهرب إثر ذلك واختفى عدد من أمراء المماليك، ووقع الاختلاف بين الأمراء، والتشاحن في الوظائف والإقطاعات والتحكّم في الدولة، وتركوا أمر تيمورلنك وكأنه لم يكن، وأخذوا في الجدال والخصام فيما بينهم، هذا وتيمورلنك في غاية الاجتهاد في أخذ دمشق وفي عمل الحيلة لذلك، ولما علم بما بين الأمراء من اختلاف، قوي أمره وزاد اجتهاده، بعد أن كان عزم على الرحيل، واستعدّ لذلك.

صراع المعارضة على السلطة وعدم اكتراثها بالأمة :

ثم أشيع بدمشق أن الأمراء الذين اختفوا توجّهوا جميعا إلى مصر للإستيلاء على السلطة وكان ذلك عندهم أهمّ من أمر تيمورلنك، واتّفقوا فيما بينهم على العودة إلى الديار المصرية في الليل للدفاع عن مناصبهم وتركوا العساكر والرعيّة من المسلمين غنما بلا راع، وتركوا دمشق غنيمة سهلة لتيمورلنك، يوم أن كانت أحسن مدن الدنيا وأعمرها.

الثوار والمجاهدون يحققون الإنتصارات بعيدا عن المعارضة :

واجتمع بدمشق الكثير من العساكر من أهل دمشق وغيرها، فإنه كان اجتمع بها خلائق كثيرة من الحلبيّين والحمويّين والحمصيّين وأهل القرى ممّن خرج جافلا من تيمورلنك، فلمّا اختفى الأمراء والقادة غلّقوا أبواب دمشق، وحرسوا أسوار البلد، ونادوا بالجهاد، وتهيّأ أهل دمشق للقتال، وزحف عليهم تيمورلنك بعساكره، فقاتله الدمشقيون من أعلى السور أشدّ قتال، وردّوهم عن السور والخندق، وأسروا منهم جماعة ممن كان اقتحم باب دمشق، وأخذوا من خيولهم عدّة كبيرة، وقتلوا منهم نحو الألف، وأدخلوا رءوسهم إلى المدينة، وصار أمرهم في زيادة فأعيا تيمورلنك أمرهم، وعلم أن الأمر يطول عليه، فأخذ في مخادعتهم، وعمل الحيلة في أخذ دمشق منهم.

وبينما أهل دمشق في أشدّ ما يكون من القتال والاجتهاد في تحصين بلدهم، قدم عليهم رجلان من أصحاب تيمورلنك من تحت السور وصاحا من بعيد : “الأمير تيمورلنك يريد الصلح، فابعثوا رجلا عاقلا حتى يحدّثه الأمير في ذلك”.

اختيار رئيس الإئتلاف لقوى الثورة والمعارضة :

تم اختيار قاضي القضاة تقي الدّين إبراهيم بن محمد بن مفلح الحنبلي، فأرخي من سور دمشق إلى الأرض، وتوجّه إلى تيمور واجتمع به وعاد إلى دمشق، وقد خدعه تيمور بتنميق كلامه، وتلطّف معه في القول، وترفق له في الكلام، وقال له : هذه بلدة الأنبياء والصحابة، وقد أعتقتها لرسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة عنّي وعن أولادي، ولولا حنقي من نائب دمشق لقتله لرسولي ما أتيتها، وقد صار المذكور في قبضتي وفي أسري، ولم يبق لي الآن غرض إلا الرجوع، ولكن لا بدّ من أخذ عادتي من التّقدمة (الهدايا) من الطّقزات.

وكانت هذه عادته إذا أخذ مدينة صلحا يخرج إليه أهلها من كل نوع من أنواع المأكول والمشروب والدوابّ والملابس والتّحف تسعة، يسمّون ذلك طقزات، والطّقز باللّغة التركيّة : تسعة، وهذه عادة ملوك التتار إلى يومنا هذا.

رئيس الإئتلاف يطلق مبادرة للحل السلمي :

وحملة تخذيل الناس عن الجهاد وشيطنة المجاهدين :

فلما صار ابن مفلح بدمشق شرع يخذّل الناس عن القتال ويثني على تيمورلنك ودينه وحسن اعتقاده ثناء عظيما، ويكفّ أهل دمشق عن قتاله، فمال معه طائفة من الناس، وخالفه طائفة أخرى وأبوا إلّا قتاله، وباتوا ليلة السبت على ذلك، وأصبحوا نهار السّبت وقد غلب رأي ابن مفلح على من خالفه، وعزم على إتمام الصلح، ونادى في الناس : إنه من خالف ذلك قتل وهدر دمه، فكفّ الناس عن القتال.

تفرد رئيس الإئتلاف برأيه وإبرامه الصلح رغم أنف المجاهدين :

تحالف رئيس الإئتلاف مع التجار والأعيان لتمرير صفقة الصلح :

وفي الحال قدم رسول تيمور إلى مدينة دمشق في طلب الطقزات المذكورة، فبادر ابن مفلح، واستدعى من القضاة والفقهاء والأعيان والتجار، حمل ذلك كلّ أحد بحسب حاله، فشرعوا في ذلك حتى كمل، وساروا به إلى باب النصر ليخرجوا به إلى تيمور، فمنعهم نائب قلعة دمشق من ذلك، وهدّدهم بحريق المدينة عليهم إن فعلوا ذلك، فلم يلتفتوا إلى قوله، وقالوا له : أنت احكم على قلعتك، ونحن نحكم على بلدنا، وتركوا باب النصر وتوجهوا، وأخرجوا الطقزات المذكورة من السور.

توقيع الحل السياسي بين رئيس الإئتلاف وبشار برعاية التجار والأعيان :

وتدلّى ابن مفلح من السور أيضا ومعه كثير من أعيان دمشق وغيرهم وساروا إلى مخيّم تيمورلنك، وباتوا به ليلة الأحد، وعادوا بكرة الأحد، بعد أن عين جماعة منهم في عدّة وظائف، ومعهم فرمان منه وهو ورقة فيها تسعة أسطر يتضمّن أمان أهل دمشق على أنفسهم وأهليهم خاصّة، فقرئ الفرمان المذكور على منبر جامع بني أمية بدمشق،

أسلاف البوطي وحسون يشهدون بالخير للجبت والطاغوت :

وفتح من أبواب دمشق باب الصغير فقط، وقدم أمير من أمراء تيمور، جلس فيه ليحفظ البلد ممّن يعبر إليها من عساكر تيمور، فمشى ذلك على الشاميّين وفرحوا به، وأكثر ابن مفلح ومن كان توجّه معه من أعيان دمشق الثّناء على تيمورلنك وبثّ محاسنه وفضائله، ودعا العامّة لطاعته وموالاته، وحثّهم بأسرهم على جمع المال الّذي تقرّر لتيمورلنك عليهم، وهو ألف ألف دينار، وفرض ذلك على الناس كلّهم، فقاموا به من غير مشقّة لكثرة أموالهم، فلمّا كمل المال حمله ابن مفلح إلى تيمورلنك ووضعه بين يديه.

سياسة الخضوع واللف والدوران وتبرير الفشل :

فلمّا عاينه غضب غضبا شديدا، ولم يرض به، وأمر ابن مفلح ومن معه أن يخرجوا عنه، فأخرجوا من وجهه، ووكّل بهم جماعة حتى التزموا بحمل ألف تومان، والتومان عبارة عن عشرة آلاف دينار من الذّهب، إلّا أنّ سعر الذهب عندهم يختلف، وعلى كلّ حال فيكون جملة ذلك عشرة آلاف ألف دينار، فالتزموا بها، وعادوا إلى البلد، وفرضوها ثانيا على الناس كلّها عن أجرة أملاكهم ثلاثة أشهر، وألزموا كلّ إنسان من ذكر وأنثى حرّ وعبد بعشرة دراهم، فنزل بالناس باستخراج هذا منهم ثانيا بلاء عظيم، وعوقب كثير منهم بالضّرب، فغلت الأسعار، وعزّ وجود الأقوات، وبلغ المدّ القمح – وهو أربعة أقداح – إلى أربعين درهما فضّة، وتعطّلت صلاة الجمعة من دمشق فلم تقم بها جمعة إلّا مرتين.

ثبات المجاهدين رغم القصف الشديد والحصار وانقطاع الدعم :

ثمّ بعد جمعتين منعوا من إقامة الجمعة بدمشق لكثرة غلبة أصحاب تيمور بدمشق، كلّ ذلك ونائب القلعة ممتنع بقلعة دمشق، وأعوان تيمور تحاصره أشدّ حصار، حتى سلّمها بعد تسعة وعشرين يوما، وقد رمي عليها بمدافع ومكاحل لا تدخل تحت حصر، يكفيك أن التمريّة (جماعة تيمورلنك) من عظم ما أعياهم أمر قلعة دمشق بنوا تجاه القلعة قلعة من خشب، فعند فراغهم من بنائها وأرادوا طلوعها ليقاتلوا من أعلاها من هو بالقلعة، رمى أهل قلعة دمشق نفطا فأحرقوها عن آخرها، فأنشأوا قلعة ثانية أعظم من الأولى وطلعوا عليها وقاتلوا أهل القلعة.

هذا وليس بالقلعة المذكورة من المقاتلة إلّا نفر يسير دون الأربعين نفرا، وطال عليهم الأمر، ويئسوا من النّجدة، وطلبوا الأمان، وسلّموها بالأمان.

قلت : لا شلّت يداهم! هؤلاء هم الرجال الشجعان. رحمهم الله تعالى.

جزاء حماقة الإئتلاف وجماعته من التجار والأعيان والعلماء :

الخيانة والعمالة بلا أجر :

ولما تكامل حصول المال الذي هو ألف تومان، أخذه ابن مفلح وحمله إلى تيمورلنك، فقال تيمورلنك لابن مفلح وأصحابه : هذا المال بحسابنا إنما هو يساوي ثلاثة آلاف ألف دينار، وقد بقي عليكم سبعة آلاف ألف دينار، وظهر لي أنكم عجزتم.

وكان تيمورلنك لما اتفق أوّلا مع ابن مفلح على ألف ألف دينار يكون ذلك على أهل دمشق خاصة، والذي تركته العساكر المصرية من السلاح والأموال يكون لتيمورلنك، فخرج إليه ابن مفلح بأموال أهل مصر جميعها، فلما صارت كلها إليه وعلم أنه استولى على أموال المصريين ألزمهم بإخراج أموال الذين فرّوا من دمشق، فسارعوا أيضا إلى حمل ذلك كله، وتدافعوا عنده حتى خلص المال جميعه، فلما كمل ذلك ألزمهم أن يخرجوا إليه جميع ما في البلد من السلاح جليلها وحقيرها، فتتبّعوا ذلك وأخرجوه له حتى لم يبق بها من السلاح شيء، فلمّا فرغ ذلك كلّه قبض على ابن مفلح ورفقته، وألزمهم أن يكتبوا له جميع خطط دمشق وحاراتها وسككها، فكتبوا ذلك ودفعوه إليه، ففرّقه على أمرائه، وقسم البلد بينهم.

الأمة تدفع ثمن الغباء والمبادرات والعمالة :

فساروا إليها بمماليكهم وحواشيهم، ونزل كلّ أمير في قسمه وطلب من فيه، وطالبهم بالأموال، فحينئذ حلّ بأهل دمشق من البلاء ما لا يوصف، وأجري عليهم أنواع العذاب من الضّرب والعصر والإحراق بالنار، والتعليق منكوسا، وغمّ الأنف بخرقة فيها تراب ناعم كلّما تنفّس دخل في أنفه حتى تكاد نفسه تزهق، فكان الرجل إذا أشرف على الهلاك يخلّى عنه حتى يستريح، ثم تعاد عليه العقوبة أنواعا، فكان المعاقب يحسد رفيقه الّذي هلك تحت العقوبة على الموت، ويقول : ليتني أموت وأستريح مما أنا فيه.

ومع هذا كلّه تؤخذ نساؤه وبناته وأولاده الذكور، وتقسم جميعهم على أصحاب ذلك الأمير، فيشاهد الرجل المعذّب امرأته أو بنته وهي توطأ، وولده وهو يلاط به، يصرخ هو من ألم العذاب، والبنت والولد يصرخان من إزالة البكارة واللّواط، وكل ذلك من غير تستّر في النهار بحضرة الملأ من الناس.

ورأى أهل دمشق أنواعا من العذاب لم يسمع بمثلها، منها أنهم كانوا يأخذون الرجل فتشدّ رأسه بحبل ويلويه حتى يغوص في رأسه، ومنهم من كان يضع الحبل بكتفي الرجل ويلويه بعصاه حتى تنخلع الكتفان، ومنهم من كان يربط إبهام يدي المعذّب من وراء ظهره ثم يلقيه على ظهره ويذرّ في منخريه الرّماد مسحوقا، فيقرّ على ما عنده شيئا بعد شيء، حتى إذا فرغ ما عنده لا يصدّقه صاحبه على ذلك، فلا يزال يكرّر عليه العذاب حتى يموت، ويعاقب ميّتا مخافة أن يتماوت، ومنهم من كان يعلّق المعذّب بإبهام يديه في سقف الدار ويشعل النار تحته، ويطول تعليقه، فربمّا يسقط فيها، فيسحب من النار ويلقوه على الأرض حتى يفيق، ثم يعلّقه ثانيا.

واستمرّ هذا البلاء والعذاب بأهل دمشق تسعة عشر يوما، آخرها يوم الثلاثاء ثامن عشرين شهر رجب من سنة ثلاث وثمانمائة، فهلك في هذه المدّة بدمشق بالعقوبة والجوع خلق لا يعلم عددهم إلّا الله تعالى.

اضمحلال دمشق نتيجة غباء المبادرات :

فلما علمت أمراء تيمورلنك أنه لم يبق بالمدينة شيء خرجوا إلى تيمورلنك، فسألهم: هل بقي لكم تعلّق في دمشق؟ فقالوا : لا، فأنعم عند ذلك بمدينة دمشق على أتباع الأمراء فدخلوها يوم الأربعاء آخر رجب، فنهبوا ما قدروا عليه من آلات الدّور وغيرها، وسبوا نساء دمشق بأجمعهنّ، وساقوا الأولاد والرجال، وتركوا من الصغار من عمره خمس سنين فما دونها، وساقوا الجميع مربوطين في الحبال.

ثم طرحوا النار في المنازل والدّور والمساجد، وكان يوم عاصف الريح، فعمّ الحريق جميع البلد حتى صار لهيب النار يكاد أن يرتفع إلي السحاب، وعملت النار في البلد ثلاثة أيّام بلياليها آخرها يوم الجمعة.

شكرا للمعارضة … شكرا للتجار … شكرا للأعيان … شكرا للعلماء :

وكان تيمورلنك – لعنه الله – سار من دمشق في يوم السبت ثالث شهر شعبان بعد ما أقام على دمشق ثمانين يوما، وقد احترقت كلّها وسقطت سقوف جامع بني أميّة من الحريق، وزالت أبوابه وتفطّر رخامه، ولم يبق غير جدره قائمة، وذهبت مساجد دمشق ودورها وقياسرها وحمّاماتها وصارت أطلالا بالية ورسوما خالية، ولم يبق بها دابة تدبّ إلّا أطفال يتجاوز عددهم آلاف  فيهم من مات، وفيهم من سيموت من الجوع.

فرار من تبقى من العلماء :

ثم في حادي عشرينه حضر إلى القاهرة قاضي القضاة موفّق الدين أحمد بن نصر الله الحنبلي من دمشق بأسوأ حال، وقدم أيضا قاضي قضاة دمشق علاء الدين علي بن أبي البقاء الشافعي.

تتمة العقاب :

وأما البلاد الشاميّة فحصل بها جراد عظيم بعد خروج تيمورلنك منها، فزادت خرابا على خراب، وقد كان رحيله عن دمشق في يوم السبت ثالث شعبان من سنة ثلاث وثمانمائة المذكورة، واجتاز على حلب وفعل بها ما قدر عليه ثانيا.

للتفاصيل الأكثر إيلاما يرجى مراجعة كتاب : النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة.
لمؤلفه : يوسف بن تغري بردي بن عبد الله الظاهري الحنفي، أبو المحاسن، جمال الدين (المتوفي: 874هـ)
وللعلم فإن تيمورلنك كان نصيريا وقد أعانه وسانده واشترك في حملته نصيرية سوريا.

أترك ردا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s