عندما تكون الفتوى سلاحاً

الشيخ الدكتور: عبد العزيز آل عبد اللطيف

ريشة ومحبرة

قام ليون روش الفرنسي برحلة إلى مصر والحجاز سنة 1842م متنكراً في زي حاج مسلم، من أجل الحصول على موافقة من العلماء على نص فتوى جاء بها من الجزائر تجعل الجهاد ضد الفرنسيين من باب إلقاء النفس إلى التهلكة، ومن ثم ضرورة الرضا بحكم الفرنسيين في الجزائر وعدم شرعية حركة المقاومة التي كان يقودها الأمير عبد القادر الجزائري(1)، وقد شارك روش في هذه الرحلة وصياغة الفتوى مجموعة من شيوخ الصوفية(1).

لكن علماء الأزهر لم يوافقوه على تلك الفتوى(2)، وقد أحسنوا في ذلك، ولو أنهم فعلوا كما فعل شيخ الإسلام ابن تيمية مع اليهود لكان أكمل وأجمل، فقد أظهر طائفة من اليهود كتاباً قد عتّقوه وزوّروه، وفيه: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أسقط عن يهود خيبر الجزية، فراج ذلك عن من جهل سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وظنوا صحته حتى ألقي هذا الكتاب إلى شيخ الإسلام ابن تيمية – قدّس الله روحه – وطُلب منه أن يعين على تنفيذه والعمل عليه، فبصق عليه، واستدل على كذبه بعشرة أوجه(3).

لقد أدرك الفرنسيون أن الفتوى سلاح نافذ وعظيم الأثر على أهل الإسلام، فكتبوا تلك الفتيا على الطريقة الفرنسية، وأرادوا تمريرها على علماء الأزهر والحجاز، لكنهم خابوا وخذلوا، أما في هذه الأيام فلا يحتاج إلى هذا العناء، فما هو إلا لقاء عابر ويحصل المقصود، كما في تأييد شيخ الأزهر نزع حجاب المسلمات في فرنسا.

إن الجهاد ذروة سنام الإسلام، وما ترك قوم الجهاد إلا ذلوا، روى مسلم في صحيحه عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: “من مات ولم يغزُ ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق”.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – : “الجهاد فرض على الكفاية، ولا بد لكل مؤمن من أن يعتقد أنه مأمور به، وأن يعتقد وجوبه، وأن يعزم عليه إذا احتيج إليه، وهذا يتضمن تحديث نفسه بفعله فمن مات ولم يغز أو لم يحدث نفسه بالغزو نقص من إيمانه الواجب عليه بقدر ذلك، فمات على شعبة نفاق” (مسألة المرابطة بالثغور ص54).

ويقول في موضع آخر: “من ترك الجهاد عذّبه الله عذاباً أليماً بالذلّ وغيره، ونزع الأمر منه فأعطاه لغيره، فإن هذا الدين لمن ذبّ عنه”.

وفي الحديث عن النبي _صلى الله عليه وسلم_ “عليكم بالجهاد، فإنه باب من أبواب الجنة، يُذهِب الله به عن النفوس الهمّ والغمّ”(4)، ومتى جاهدت الأمة عدوّها ألّف الله بين قلوبها، وإن تركت الجهاد شَغَل بعضَها ببعض. (جامع المسائل 5/300).

لقد راع أعداء الإسلام شأن الجهاد وأوجعتهم معارك الجهاد، فسعوا إلى تعطيل هذه الشعيرة بكل ما أوتوا من مكر وحيلة، سواءً عن طريقهم أو طريق عملائهم من الزنادقة والمنافقين وأشباههم.

فالميرزا غلام القادياني (زعيم القاديانية، وأحد صنائع الإنجليز) يقول: “لقد قضيت معظم عمري في تأييد الحكومة الإنجليزية ومؤازرتها، وقد ألفت في منع الجهاد ووجوب طاعة أولي الأمر الإنجليز من الكتب والنشرات ما لو جمع بعضها إلى بعض لملأ خمسين خزانة”(5).

وشابه الرافضةُ القاديانية في تعطيل الجهاد، فقالوا: لا جهاد حتى يخرج الإمام، وقرروا أن القتال مع غير الإمام المفترض طاعته حرام مثل الميتة والدم ولحم الخنزير(6).

وقد قال بعض عوام أهل السنة لأحد شيوخ الرافضة: إذا جاء الكفار إلى بلادنا فقتلوا النفوس وأخذوا الأموال هل نقاتلهم؟ فقال الرافضي: لا. المذهب أنّا لا نغزو إلا مع المعصوم، فقال العامي : والله إن هذا لمذهب نجس(7).

ويبدو أن هذه اللوثة قد عرضت لبعض المتسننة كما هو مشاهد في أحداث العراق، فهناك من يطالب بالإذعان لعملاء أمريكا – في العراق – باعتبار أنهم ولاة أمور، وهناك من أفتى بمنع مقاومة العدو الصليبي المحتل محتجاً بعلل عليلة، فادعى بعضهم بأنه لا جهاد إلا مع إمام.

وقد ردّ الشيخ العلامة عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب – رحمهم الله – على من قال : لا جهاد إلا مع إمام، فإذا لم يوجد إمام فلا جهاد، فقال: “فيلزم على هذا أن ما يلزم بترك الجهاد، من مخالفة دين الله وطاعته جائزٌ، بجواز ترك الجهاد، فتكون الموالاة للمشركين والموافقة والطاعة جائزة، واللازم باطل، فبطل الملزوم، فعكس الحكمَ الذي دلّ عليه القرآن العزيز، من أنها لا تصلح إمامة إلا بالجهاد..” (الدرر السنية 8/167).

وأما إذن الإمام فهي من مسائل الاجتهاد التي يسع فيها الخلاف، وقد برزت هذه المسألة في بلاد المغرب العربي زمن الاحتلال الأجنبي في القرن الحادي عشر الهجري(8)، ووقع جدال بين فقهاء تلك البلاد، فقد نصّ محمد العربي الفاسي (ت 1052هـ) في فتواه على أن الجهاد لا يتوقف على وجود الإمام، ولا على إذنه، فقال : “ومن المعلوم الواضح أن الجهاد مقصد بالنسبة إلى الإمامة التي هي وسيلة، لكونه في غالب العادة لا يحصل الكمال إلا بها، فإذا أمكن حصوله دونها لم يبق معنى لتوقفه عليها”(9).

وأغلب فقهاء المغرب لم يجعلوا الجهاد موقوفاً على إذن الإمام، ويعود موقفهم هذا إلى طبيعة الظروف السياسية التي عاصروها، فراعوا بذلك المصلحة العامة للمسلمين، إذ رأوا أن مقاومة الأجنبي المحتل أمر واجب، وما دامت السلطة قد تقاعست في الأمر، فمن الخطأ الفادح أن تمنع تلك المبادرات التطوعية التي تصدت للمقاومة بحجة افتقارها إلى إذن الإمام، فيتمكن العدو بذلك من توسيع مناطق نفوذه(10).

والمقصود أن من الفتاوى ما يكون سلاحاً في صالح العدو المحتل، ومنها ما يكون سلاحاً موجعاً ومنكياً للعدو كما في فتاوى علماء الأندلس ضد النصارى الصليبيين، حيث أفتى ابن رشد الجد (ت 520هـ) أن الجهاد لأهل الأندلس في زمنه أفضل من حج الفريضة الذي لا يتوافر فيه – آنذاك – شرط الوجوب حسب رأيه؛ لأن الوصول إلى مكة بأمان غير حاصل في ذلك الزمان.

وألّف ابن المناصف (ت 620هـ) آنذاك كتاب (الإنجاد في الجهاد)، فاستوعب أبواب الجهاد وتفصيل فرائضه وسننه، وذكر جملة من آدابه وأحكامه(11).

ولما وقع اللبس في شأن التتار سنة 702هـ، وكيف يقاتلون وهم يظهرون الإسلام، وليسوا بغاة، فأفتى شيخ الإسلام ابن تيمية بأنهم من جنس الخوارج الذين يجب قتالهم، وأن كل طائفة امتنعت عن شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة فيجب قتالها، فتفطن العلماء لذلك، وكان يقول للناس : إذا رأيتموني من ذلك الجانب وعلى رأسي مصحف فاقتلوني فتشجّع الناس في قتال التتار وقويت قلوبهم(12).

لا شك أن الركون إلى الحياة الدنيا والتثاقل إلى الأرض قد غلب على الكثير من المسلمين، وهذا ضعف وذنب ينبغي الخلاص منه ومجاهدته، لكن لا يسوغ أن نجعل من هذا الخور والوهن منهجاً نؤصله، ومسلكاً نقعّده عبر بيانات أو فتاوى، وإذا كان في هذه الأمة الولود من فتح الله عليه في باب الجهاد – كما هو حال المجاهدين في سبيل الله في الأفغان والشيشان وفلسطين والعراق – فينبغي تبني قضاياهم ومؤازرتهم ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً، وإذا كان الهلع والشح قد أقعد الكثير عن النصرة فلا أقل من أن يمسك لسانه وقلمه عن التخذيل والإرجاف، والله المستعان.

______________
(1) انظر الرحلات إلى شبه الجزيرة العربية (من إصدار دارة الملك عبدالعزيز 1/249).
(2) انظر تاريخ الجزائر لمسعود الجزائري ص284.
(3) انظر زاد المعاد 3/152.
(4) أخرجه أحمد 5/319.
(5) عن كتاب (ما هي القاديانية) لأبي الأعلى المودودي ص12، وانظر ص96-103.
(6) انظر تفصيل ذلك في كتاب أصول الشيعة الاثني عشرية لناصر القفاري 2/888.
(7) انظر منهاج السنة النبوية 6/118.
(8) انظر الفتاوى الفقهية في أهم القضايا لحسن اليوبي ص192.
(9) المرجع السابق ص193.
(10) المرجع السابق ص198 باختصار.
(11) انظر جهود علماء الأندلس في الصراع مع النصارى لمحمد أبا الخيل ص150-159.
(12) انظر البداية والنهاية لابن كثير 14/25، ومجموع الفتاوى لابن تيمية م35.

أترك ردا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s