من خطب الحرمين الشريفين – 1

الشيخ صالح بن محمد آل طالب

1- المسجد الحرام : 16-06-1434  الموافق  26-04-2013

الخطبة الأولى

المسجد الحرامالحمد لله خلق الخلقَ ودرَى، وقدَّر لأوليائِه الخيرةَ على كل الورَى، ليكونوا للعالمين في شُمِّ الذُّرَى، ويظهروا بدينهم على كل القُرى، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا شكَّ ولا امتِرا، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه خيرُ من وطِئَ الثَّرَى، صلَّى الله وسلَّم وبارَك عليه، وعلى آله وأصحابِه أسود الشَّرَى، ومن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

أما بعد:

فاتقوا الله تعالى واعتصِموا منه بأوثقِ العُرى، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران: 102].

عباد الله:

الهمةُ العاليةُ شرفٌ ومقصدٌ، الهِممُ تعلُو بالأمم إلى أعالِي القِمَم، وتُوصِلُ إلى معالي الأمور ومحاسن الشِّيَم، والرِّفعةُ منحةٌ إلهية، يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ [المجادلة: 11].

أثنَى الله تعالى على أصحاب الهِمَم العالية من الأنبياء والمُرسَلين، وأوصَى نبيَّه بالاقتِداء بهم، فقال له: فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ [الأحقاف: 35].

كما أثنَى على أوليائه الذين كبُرت همَّتُهم في مواطن البأس والجلَد، والعزيمة والثبات، والقوة في دين الله، مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا [الأحزاب: 23].

وأمرَ الله – سبحانه – بالتنافُس في المعالِي، فقال: فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ [البقرة: 148].

وعلَّم النبيُّ – صلى الله عليه وسلم – أمتَه علوَّ الهِمَّة، فقال: «إن في الجنةِ مائة درجة، أعدَّها الله للمُجاهِدين في سبيلِه، كل درجتين ما بين السماء والأرض، فإذا سألتُم اللهَ فاسألُوه الفِردوس؛ فإنه أوسطُ الجنة، وأعلى الجنة، وفوقَه عرشُ الرحمن، ومنه تفجَّرُ أنهارُ الجنة»؛ أخرجه البخاري.

ورُوي عن عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – أنه قال: “لا تصغُرنَّ همَّتُكم؛ فإني لم أرَ أقعدَ عن المكرُمات من صغر الهِمَم”.

وذمَّ الله المهازيلَ الهابِطين إلى الأهواء، وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (175) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [الأعراف: 175، 176].

عباد الله:

إن دينًا هذا شأنُه لا يقبلُ من أتباعه الكسلَ والخُمولَ والعجزَ والسكونَ والاستِرخاءَ، وضعفَ الهمَّة والفتور، فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (7) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ [الشرح: 7، 8].

ولأن طلبَ الراحة في الدنيا لا يصِحُّ لأهل المُروءات فقد كان من أوائل ما أُمِر به نبيُّنا محمدٌ – صلى الله عليه وسلم -: يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا [المزمل: 1، 2].

فضحَّى النبي – صلى الله عليه وسلم – وأصحابُه، وهجَروا الأوطان، وترَّبُوا لأجل الله، وبالتضحيات الجِسام انتصَروا في بدرٍ، وبالصبر واليقين نجَوا من الأحزاب، ونفَروا في أحلَك الظروف إلى تبوك، وتبِعوا نبيَّهم في ساعة العُسرة، ولما قيل لهم: إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ [آل عمران: 173]، زادَهم ذلك إيمانًا وثباتًا، وقالوا: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ [آل عمران: 173].

وبعد وفاة النبي – صلى الله عليه وسلم – لم يكسَل الصحبُ الكِرامُ؛ بل علَت هِمَمهم حتى غلَبوا أعظمَ حضارتَين، وخفَقَت راياتُهم في روابِي المشرقَيْن، وملئوا الدنيا حضارةً وعلمًا وهُدًى في أخبارٍ وسِيرٍ تأسِرُ القلوبَ، وتأخذُ بالألباب، ولولا التأريخُ لقيل: ضربٌ من الأحلام.

ولقد كانوا بشرًا من البشر، لكنَّ قلوبَهم صاغَها الوحيُ، فتعلَّقَت بالسماء، اصطفاهم الله وامتحَنَهم، فصدَقوا ونجَحوا.

وهكذا ربَّى النبي – صلى الله عليه وسلم – الصحابةَ، حتى صاروا قادةَ الأمة في العلم والجهاد والقيادة.

أيها المسلمون:

إن الأمةَ اليوم بحاجةٍ إلى من يشُدُّ على قلوبِ أبنائِها، ليُصبِحوا رجالاً، فقد أصبحَ الكثيرُون يعدُّون أنفسَهم من أهل الجنة بمجرَّد عملٍ يسيرٍ أو طاعةٍ محدودةٍ، دون تضحيةٍ وفداءٍ. وكأنَّ الله لن يتَّخِذَ منا شهداء، حتى لقد أصبحَ الإسلام عند البعض مُجرَّد سُلُوكٍ اجتماعيٍّ ربما يُشارِكُهم فيه غيرُهم، ويتفوَّقُ عليهم آخرون.

ألم يعلَموا أنه تكاليف شاقَّة، وعملٌ وامتحانٌ؟! أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ [البقرة: 214].

إذا كان المرءُ ينامُ حتى يملَّ الفراشُ جنبَه، ويبسُطُ ألوانَ الطعام كلما اشتهَى، ويصرِفُ الأوقات الطويلة للتسوُّق والمُسامَرة، ولا يرعوِي عن صرفِ جُلِّ يومِه وغالبِ ساعاته في تصفُّح الأجهزة الإلكترونية، أو مُتابعة المُلهِيات، ويركُضُ وراءَ الدنيا ركضَ الوحوش في البَرِّيَّة، فمتى يُنتِجُ؟ أو يصلُح لردِّ عدوانٍ أو نهوضٍ بأمَّةٍ؟

إن معالِيَ الأمور والطُموحات الكُبرى لا تأتي إلا بالكدِّ والتعَب.

والناظرُ في حال الأُمم يجِدُ أنه ما من أمةٍ ترقَّت في مراتبِ المجدِ وسطَّرَت اسمَها على صفحات التاريخ إلا كان وراءَ ذلك عملٌ كبيرٌ وتضحِياتٌ جِسامٌ، وبذلٌ للجُهد في كل الميادين.

إن الأُمم لا تكونُ كذلك بغير تحمُّل أبنائِها لمسؤولياتِهم، واستِعداد الشباب والناشِئة للبَذلِ والتضحِيةِ والعطاء، مما يجعلُنا نتبيَّنُ خطورةَ إهمالِ الناشِئة، وعدم تربيتهم على الجِدِّ واستِشعار المسؤولية.

قال الغزاليُّ – رحمه الله -: “والصبيُّ أمانةٌ عند والدَيْه، وقلبُه الطاهرُ جوهرةٌ نفيسةٌ؛ فإن عُوِّدَ الخيرَ وعُلِّمَه نشأَ عليه، وسعِدَ في الدنيا والآخرة، وإن عُوِّد الشرَّ وأُهمِلَ إهمالَ البهائِم شقِيَ وهلَك. وصيانتُه بأن يُؤدِّبَه ويُهذِّبَه ويُعلِّمَه محاسِنَ الأخلاق”.

وإذا نظرنا إلى أحوال السابقين من أمَّتنا نجِدُ أنهم أعطَوا هذا الأمرَ ما يستحقُّه من العناية؛ بحيث نشأَ أبناؤُهم نشأةً سويَّةً، تحمَّلُوا المشاقَّ والصِّعابَ دون كلَلٍ أو ملَلٍ، وبذَلوا لهذا الدين ولرِفعة الأمة دون مَنٍّ.

 عباد الله:

إن الوهنَ والضعفَ الذي تُعاني منه أمَّتُنا اليوم سببُه: حبُّ الدنيا والرُّكونُ إليها، والجُبنُ عن الإقدام خشيةَ التلَف أو فوات الحُظوظ.

عن ثوبان – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: «يُوشِكُ الأُمم أن تتداعَى عليكم كما تتداعَى الأكلَةُ إلى قصعَتها». فقال قائلٌ: ومن قِلَّة نحن يومئذٍ؟ قال: «بل أنتم يومئذٍ كثيرٌ، ولكنكم غُثاءٌ كغُثاء السَّيْل، ولينزعنَّ اللهُ من صُدور عدوِّكم المهابةَ منكم، وليقذِفنَّ الله في قلوبِكم الوهنَ». فقال قائلٌ: يا رسول الله! وما الوهنُ؟ قال: «حبُّ الدنيا وكراهيةُ الموت»؛ رواه الإمام أحمد وأبو داود بسندٍ صحيحٍ.

وقال – صلى الله عليه وسلم -: «إذا تبايعتُم بالعِينَة، وأخذتُم أذنابَ البقر، ورضِيتُم بالزَّرع؛ سلَّط الله عليكم ذُلاًّ لا ينزِعُه عنكم حتى تُراجِعوا دينَكم»؛ رواه أبو داود بإسنادٍ صحيحٍ.

إن الإغراقَ في الشَّهَوات والملذَّات والفنِّ الرخيصِ والمُلهِيات لهِيَ المُخدِّرات المُقعِدات التي تُعيقُ مسيرةَ الأمة نحو مراقِي العزَّة والكرامة، واقرأوا التاريخ، اقرأوا التاريخَ القريبَ والبعيدَ، ثم اعتبِروا يا أولي الأبصار. لقد طالَ التِّيهُ الذي تعيشُه الأمة، وامتدَّت مأساتُها، وزادَ قتامُ ليلها.

ولقد رأينا في المائة عامٍ السَّالِفة سرعةَ نهوضِ أممٍ بعد كبَواتِها، وتتابُع عافيتها بعد نكَبَاتها، وقد لاقَت حروبًا وفتنًا، وطواعينًا ومِحنًا. وليس هذا إعجابًا بالغرب؛ إنما هو تعجُّبٌ من حال الشَّرق الذي يُفتنُ في كل شهرٍ مرةً أو مرتين، ثم لا يتوبون ولا هم يذَّكَّرون، وقد عابَ الله قومًا يُفتَنون في كل عامٍ مرةً أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذَّكَّرون.

إن جمعَ الدنيا وعتادِها ليس سبيلاً خالِصًا للعزِّ والكرامة، فقد يستطيعُ العربُ جمعَ الدنيا من أي مكانٍ، لكنَّهم لو أداروا ظهورَهم لتعاليم دينِهم، ثم جمَعوا سِلاحَ المشرق والمغرب فلن يُدرِكوا به إلا ذُلَّ الدهر وخذلانَ الأبَد.

فليس أمام المُسلمين إلا طريقٌ واحدٌ لعزِّهم، وهو العودةُ إلى الإسلام ظاهرًا وباطنًا، وترسُّمُ خُطَى السَّلَف الأول في صِدقِ الإيمان وحُسن العمل، وطريقُ الشَّرف والكرامة أساسُه أن يعرِفَ المُسلمون بمَ كانوا أمة، وكيف صار لهم في التاريخ وجود. علينا مُراجعة أنفُسنا وحالِنا أولاً.

وإن الأمةَ لا تُصابُ من الخارج إلا بعد أن تُصابَ من الداخل، وليس لنا أن نُسيءَ وننتظر من الله الإحسان، تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [القصص: 83]، وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ [الأنبياء: 105].

إن الإنسانَ الصالحَ لعمارة الأرض ووراثتِها ليس هو الذكيَّ فحسب؛ بل أن يكون ذا قلبٍ سليمٍ، وضميرٍ حيٍّ، وتقوَى تكبحُ جماحَ الهوى والنَّزَوات، يُغذِّي ذلك نورُ التوحيد والعبادات، والعالَمُ كلُّه بحاجةٍ إلى هذه القيادة الروحيَّة الفاضِلة.

لقد وجدَ العالَمُ نفسَه وهو في القرن الحادي والعشرين في جوٍّ من الرَّهَق والاضطِراب، والقلق والانهِيار، فحجبَ الليلُ النهارَ، وهجَمَت جنودُ الهوَى من كلِّ جانبٍ، وهُزِمَت الفضيلةُ والأخلاقُ، وأصبحَ الإنسانُ ينحرُ أخاه الإنسانَ في سبيل الجشَع أو الخُيلاء، والتهَبَت نارُ الشهوات، وانطفَأَ نورُ القلب، وغلا الجمادُ والمعادن، ورخُصَ الإنسانُ في سوق العالَم.

فصارَت المدنُ العامِرة تُسوَّى بها الأرض، وألوفٌ من البشر يُقتَلون في دقائق وثوانٍ، وتغلَّبَت أممٌ على العالَم، وجعلَتْه بيتَ المُقامِرين، أو سوقَ الجزَّارين، وعبَثَت بالإنسانية عبَثَ الوليد بالقِرطاس، وتلاعَبَت بالأُمم كالكُرة، واستصرخَ الكونُ يرجُو النجاءَ من هذا الرَّهَق، ويتلمَّسُ نورَ الإسلام كالصُّبح الصادق في ظلام الليلِ الحالِك. فهل تسمَعون النداء؟!

أيها المسلمون:

بأيديكم أصحُّ تراثٍ سماويٍّ، وفي أيمانِكم رِيُّ العالَم، وإن الأمةَ الإسلاميَّةَ مُزوَّدةٌ بدينٍ عصِيٍّ على الفناء له قدرةٌ على تحريك الروح الهامِدة، وتجديد الأسمان البالِية، وهي ما زالَت تستشفِي من سقامِها، وتُحاولُ أن تستعيدَ قُواها، وتستأنِف أداء رسالتِها الأولى، ولعلَّها بتأييد الله بالغةً ما تحبُّ.

وإن أمَّتَنا الكبيرة تنتشِرُ فوقَ بِساطٍ من الأرض التقَت فوقَه مقاليدُ الدنيا، ومفاتيحُ العِمران، وفي قبضَةِ يدها رخاءُ العالَم وشرفُه، ولو أحسنَت استِغلالَ ما تملِك فإن سائرَ الأُمم تحتاجُ إليها، ولا تحتاجُ هي إلى أحدٍ، إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ [يوسف: 90].

ألا فتيمَّموا شطرَ الفلاح، وتسربَلوا بطُهر الصلاح، وخُذوا من مِشكاة قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا [الشمس: 9]، ثم أتبِعوا سببًا، واسترِدُّوا كرامتَكم، وقولوا: لا للشهوات والنَّزَوات، والرَّغَبات والرَّهَبات، لا للنَّعَرات والخِلافات.

شُدُّوا عزائِمَكم، واجتازُوا المسالِك، وتخطَّوا المهالِك، وإن السُّمُوقَ إلى القِمَم والذُّرَى لا يكونُ بوثبةٍ واحدةٍ؛ بل لا بُدَّ من تدرُّجٍ على سُنن الله في الحياة.

إن عالِيَ الهِمَّة يحمِلُ همَّ أمتِ ويجودُ بالنفسِ والنَّفيسِ في سبيل تحصيلِ غايتِها، وتحقيق رِفعَتها، ويعلم أن المكارِمَ منوطةٌ بالمكارِه، وأن المصالِحَ والخيرات واللَّذَّات والكمالات لا تُنالُ إلا بحظٍّ من المشقَّة، ولا يُعبَرُ إليها إلا على جسرٍ من التَّعَب، ومن أراد العلوَّ لأمته لم يلتفِت إلى لومِ لائِمٍ، ولا عذلِ عاذِل، ومضَى يكدَحُ ساعِيًا، وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا [الإسراء: 19].

قال النبي – صلى الله عليه وسلم -: «من خافَ أدلَجَ، ومن أدلَجَ بلغَ المنزِلَ، ألا إن سِلعةَ الله غالية، ألا إن سِلعةَ الله الجنة».

كبيرُ الهمَّة لا ينقُضُ عزمَه، فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ [آل عمران: 159].

إن طريقَ النجاح ليس مفروشًا بالورود والرَّياحين، ويحتاجُ إلى تعبٍ وإلى بذلٍ لإدراكِه، وإذا ذاقَ الإنسانُ طعمَ النجاح هانَت عليه كلُّ لحظةِ تعبٍ أمضاهَا في طريقِه، حتى يكون ذلك التعبُ أشهَى من النفس، وألذَّ من طعم الدَّعَة والسُّكون. وهذه سُنَّةُ الله في الحياة، وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [العنكبوت: 69].

وتربيةُ الأمة على ذلك مسؤوليةُ الأولياء والمُربِّين، ووسائلِ الإعلام والمسؤولين، أما التخديرُ وزرعُ الوهْنِ بالمُلهِيات فلا يُنتِجُ إلا أمَّةً داجِنةً، لا تبنِي في الرَّخاءِ، ولا تصمُدُ في البلاء.

إن على أمة الإسلام – وهي تمرُّ بأحلَك ظروفِها، وأخطَر مُنعطفَاتِ تاريخها – أن تعلُو همَّتُها عن اللَّهْوِ والعبَثِ، والفُرقة والخِلاف، والغفلةِ والشُّرود، وأن تُربِّيَ جيلَها على الجِدِّ والطُّموح والهِمَم العالِية، وقد قال الله لنبيِّه: يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ [مريم: 12]، وقال لموسى عن الألواح: فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ [الأعراف: 145].

وإن سُنن الله في الانتِصار والانكِسار ليست حظوظًا عمياء، لكنَّ الأمورَ تتدافَعُ إلى نهايتِها وفقَ سُنن كونيَّة دقيقة، ومُقدِّماتٍ مُنتظمةٍ كانتِظام النتائِج بعد الأسباب، إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ [الرعد: 11].

بارَك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعَنا بسُنَّة سيِّد المُرسلين، أقولُ قولي هذا، وأستغفر الله تعالى لي ولكم.

الخطبة الثانية

الحمد لله الذي يسوقُ المواعِظ الزَّاجِرات، ويُوالِي العِبَر التي تستمطِرُ العَبَرات، ويُرِي خلقَه هوانَهم إذ هانوا، ومكانَهم بعد أن كانوا فبَانُوا وله – سبحانه – الحِكَمُ الباهِرات، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه، صلَّى الله وسلَّم وبارَكَ عليه، وعلى آله وصحبِه أجمعين.

وبعد:

فبين أيدي العربِ وفي أرض المُسلمين، وفي ثَرَى سوريا، وعلى مسامِع العالَم وتحت بصرِه تتلُو المجزرةُ المجزرةَ، ويسيرُ الدمُ على إثر الدماء، ويُطفِئُ النظامُ المُجرِمُ شموعَ الحياة في أجساد عشرات الألوف من السُّوريِّين، ويُشرِّدُ الملايين، ويُرهِبُ الشعبَ، ويقصِفُ تُراثَ الحضارات السَّالِفات، ويتعمَّدُ حرقَ المكتبات التي تستبطِنُ كنوزَ المعارِف والمخطوطات.

مما يعنِي انقِطاعَ ذلك النظامِ الآثِم عن أي خيطٍ يربِطُه بالإنسانيَّة والبشر، فلا الدينُ يَعنيهِ، ولا الحضارةُ تستهوِيه، ولا تُراثُ الإنسانيَّة أو صُراخ الأطفال يُحرِّكُ ساكِنًا فيه.

لم يزَلْ النظامُ الجاثِمُ على أرض سُوريا، الدَّخيلُ والمُتسرطِنُ في جسدِها يرتكِبُ المذابِحَ والقبائِحَ، ويتفنَّنُ في ارتِكاب المذابِح ونشر الإرهاب، يُعاوِنُه في ذلك إخوةُ المُعتقَد، ورِفاقُ العِداء للعرب والمُسلمين. قلَّةٌ يُبيدون كثرةً، وشِرذِمةٌ مُتسلِّطون على أمَّةٍ، وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ [الحج: 18].

يُذبَحُ خمسمائةٌ أكثرُهم من الأطفال في عطروز والفضل برِيف دمشق، والعالَمُ لم يرَ بعدُ ما يستدعِي التدخُّلَ أو الإمدادَ بالسِّلاح لأسبابٍ واهِيةٍ وأعذارٍ مُصطنَعَة. في حينِ أن دافِعَه الحقيقيَّ هو خشيةُ كَدَر العدوِّ المُجاوِرِ من وجود السَّلاح بأيدٍ مُتوضِّئة، فاُهدِرَت دماءُ السوريِّين، وزُهِقَت نفوسُهم بين عدوَّيْن: مُعتدٍ داخليٍّ ومُحتلٍّ خارجيٍّ.

وتتساقَطُ قِيمُ المُنظَّمات والأمم التي تُقدِّمُ نفسَها بأنها حامِيةً للإنسان، أو ناصِرةً للضعيف، وهي ترى هذه المشاهِد المُروِّعة، والأخبارَ المُفزِعة تَتْرَى من أرض سُوريا ثم لا تُحرِّكُ ساكِنًا.

تجبُ نُصرةُ المظلوم وإيقافُ هذا الظلم، وكلُّ من استطاعَ النُّصرةَ بالمالِ والسِّلاحِ والمواقِف السياسيَّة ثم لم يفعَل فهو آثِمٌ، ويُخشَى عليه من العُقوبة العاجِلة والآجِلة، وقد قال – صلى الله عليه وسلم -: «إن الناسَ إذا رأوا الظالِمَ فلم يأخُذوا على يدَيْه أوشكَ أن يعُمَّهم الله بعقابٍ من عندِه».

اللهم الطُف بإخواننا في سُوريا، اللهم الطُف بإخواننا في سُوريا، اللهم ارفَع عنهم البلاءَ، وعجِّل لهم بالفرَج، اللهم ارحَم ضعفَهم، واجبُر كسرَهم، وتولَّ أمرَهم، اللهم ارحم موتاهم، وعافِ جرحاهم، يا راحِمَ المُستضعَفين، ويا ناصِرَ المظلومين.

ثم اعلموا أن الله أمرَكم بأمرٍ بدأ فيه بنفسِه، فقال: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب: 56].

اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدك ورسولِك محمدٍ، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وارضَ اللهم عن صحابةِ رسولِك أجمعين، ومن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، واخذُل الطغاةَ والملاحِدةَ والمُفسِدين، اللهم انصُر دينكَ وكتابَك وسنةَ نبيك وعبادكَ المُؤمنين.

اللهم أبرِم لهذه الأمة أمرَ رُشدٍ يُعزُّ فيه أهلُ طاعتك، ويُهدَى فيه أهلُ معصيتِك، ويُؤمَرُ فيه بالمعروف، ويُنهَى عن المُنكر يا رب العالمين.

اللهم من أرادَ الإسلامَ والمسلمين بسوءٍ فأشغِله بنفسِه، ورُدَّ كيدَه في نحرِهِ، واجعل دائرةَ السَّوءِ عليه يا رب العالمين.

اللهم انصُر المُجاهدِين في سبيلك في فلسطين، وفي بلاد الشام، وفي كل مكانٍ يا رب العالمين، اللهم فُكَّ حِصارَهم، وأصلِح أحوالَهم، واكبِت عدوَّهم.

اللهم حرِّر المسجدَ الأقصى من ظُلم الظالمين، وعُدوان المُحتلِّين.

اللهم أصلِح أحوالَ إخواننا في مصر وفي كل مكان، اللهم اجمَعهم على الهدى، واكفِهم شِرارَهم، وأصلِح أحوالَهم.

اللهم كُن لإخواننا في سُوريا، اللهم اجمَعهم على الحق والهُدى، اللهم احقِن دماءهم، وآمِن روعاتهم، وسُدَّ خَلَّتهم، وأطعِم جائعَهم، واحفَظ أعراضَهم، واربِط على قلوبهم، وثبِّت أقدامَهم، وانصُرهم على من بغَى عليهم يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم وفِّق وليَّ أمرنا خادمَ الحرمين الشريفين لما تحبُّ وترضى، وخُذ به للبرِّ والتقوى، اللهم أتِمَّ عليه عافِيَتك، وألبِسه لباسَ الصحةِ والعافِية، اللهم وفِّقه ونائبَيْه وإخوانَهم وأعوانَهم لما فيه صلاحُ العباد والبلاد.

اللهم وفِّق وُلاةَ أمور المُسلمين لتحكيم شرعِك، واتباع سنة نبيِّك محمدٍ – صلى الله عليه وسلم -، واجعلهم رحمةً على عبادك المُؤمنين.

اللهم انشُر الأمنَ والرخاءَ في بلادنا وبلاد المُسلمين، واكفِنا شرَّ الأشرار، وكيدَ الفُجَّار، وشرَّ طوارِق الليل والنهار.

رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة: 201]، رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ [آل عمران: 147].

اللهم اغفر ذنوبَنا، واستُر عيوبَنا، ويسِّر أمورنا، وبلِّغنا فيما يُرضِيك آمالَنا، اللهم اغفر لنا ولوالدِينا ووالدِيهم وأزواجنا وذُرِّياتنا، إنك سميعُ الدعاء.

اللهم إنا نسألُك رِضاك والجنةَ، ونعوذُ بك من سخَطِك والنار.

نستغفِرُ الله، نستغفِرُ الله، نستغفِرُ الله الذي لا إله إلا هو الحيَّ القيومَ ونتوبُ إليه، اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزِل علينا الغيثَ ولا تجعلنا من القانِطِين، اللهم أغِثنا، اللهم أغِثنا، اللهم أغِثنا، اللهم أغِثنا غيثًا هنيئًا مريئًا سحًّا طبَقًا مُجلِّلاً، عامًّا نافعًا غيرَ ضارٍّ، تُحيِي به البلاد، وتسقِي به العباد، وتجعلُه بلاغًا للحاضِر والبَادِ.

اللهم سُقيا رحمة، اللهم سُقيا رحمة، اللهم سُقيا رحمة، لا سُقيا عذابٍ ولا بلاءٍ ولا هدمٍ ولا غرقٍ.

ربَّنا تقبَّل منا إنك أنت السميعُ العليم، وتُب علينا إنك أنت التوابُ الرحيم.

سبحان ربِّك رب العزة عما يصفون، وسلامٌ على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

2- المسجد النبوي : سابقة

الخطبة الأولى

المسجد النبويالحمد لله، الحمد لله الذي تحُولُ بأمره الأحوال، يُداِلُ الأيام فكم من دُولٍ أدلَّ عليها ثم أدالَ، وكم من زُمرةٍ تسلطَنَت وظنَّت خُلودَ سُلطانها فزلَّت ثم زالَت ومُلكُها زال، أحمدُ ربي – سبحانه – وأُثنِي عليه وأشكُرُه وأتوبُ إليه وأستغفِرُه، وأشهد أن لا إله إلا الله الكبيرُ المُتعال، يُمهِلُ من غيرِ إهمال، وهو شديدُ المِحال عظيمُ النَّكَال، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسوله، أكرمُ الرسلِ وأتمُّ الرجال، صلَّى الله وسلَّم وباركَ عليه وصلَّى على الصحبِ والآل.

أما بعد :

فإن خيرَ الحديثِ كتابُ الله، وخيرَ الهديِ هديُ محمدٍ – صلى الله عليه وسلم -، وشرَّ الأمور مُحدثاتُها، وكلَّ مُحدثةٍ بدعة، وكلَّ بدعةٍ ضلالة.

ثم إن خيرَ الوصايا: الوصيةُ بتقوى الله تعالى، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) [الأحزاب: 70، 71].

أيها المسلمون:

حين دحا الله الأرضَ وأجرى يدَ الخلقِ على الخليقة، جعل فيها بلادًا وذرأَ فيها بشرًا، ثم اصطفى الله من هذه البلاد بلادًا، ومن البشر بشرًا،(وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ) [القصص: 68]، فكانت مكةُ والمشاعِرُ وطَيبةُ الطيبة، وكان شامًا منها بلادُ الشام.

واصطفى الله من البشر أنبياءَه ورُسُله، وقضى لبلاد الشام حظًّا وافرًا منهم، فجعل أرضَها مدرجَ الأنبياء، ومُتنزَّلَ الوحيِ من السماء، هي أرضُ المحشَرِ والنشَر، وحين يبعثُ اللهُ المسيحَ ابنَ مريم في آخر الزمان لا ينزلُ إلا فيها، عند المنارة البيضاء شرقِيّ دمشق؛ رواه مسلم.

طُوبَى للشام! ملائكةُ الرحمن باسِطةٌ أجنحتَها عليها، إنها بلادٌ بارَكَها الله بنصِّ الكتاب والسنة؛ فهي ظِئرُ الإسلام وحاضِنَتُه، وعاصِمتُه حينًا من الدهر، سُطِّرَت على أرضها كثيرٌ من دواوين الإسلام، ودُفِن فيها جموعٌ من الصحابةِ ومن عُلماء المُسلمين.

كم ذرَفَت على ثراها عيونُ العُبَّاد، وعُقِدَت في أفيائِها ألوِيَةُ الجهاد، وسالَ على دفاتِرِها بالعلوم مِداد، وجرَت على ثراها دماءُ الشهداء: صحابةً وأخيارًا وأصفياء، وتداوَلَ الحُكمَ فيها ملوكٌ وسلاطين،أضافوا للمجدِ مجدًا وللعِزِّ عِزًّا.
كُسِرَت على رُباها حملاتٌ صليبيةٌ تقاطَرَت عليها مائتي عام، قارَبَ أعدادُ الجُند فيها سُكَّانَ بلاد الشام كلِّها.

إذا عُدَّت حضاراتُ الإسلام ذُكِرَت الشام، وإذا ذُكِر العلمُ والفضلُ والفتوحُ ذُكِرَت الشام، هي أرضُ الأنبياء، وموئِلُ الأصفياء، وما زارَ النبيُّ – صلى الله عليه وسلم – بلادًا خارجَ الجزيرة إلا بلاد الشام.

وفي آخر الزمان عندما تكون الملحَمَةُ الكُبرى يكونُ فُسطاط المُسلمين ومجمعُ راياتهم بأرضِ الغُوطَة فيها مدينةٌ يُقال لها: دمشق، هي خيرُ مساكن الناسِ يومئذٍ؛ كما أخرجه الطبراني من قول النبي – صلى الله عليه وسلم -.

ولقد أدركَ الصحابةُ – رضي الله عنهم – دعاءَ النبي – صلى الله عليه وسلم -: «اللهم بارِك لنا في شامِنا، اللهم بارِك لنا في شامِنا»؛ رواه البخاري.

وقوله – صلى الله عليه وسلم -: «إذا فسدَ أهلُ الشام فلا خيرَ فيكم، ولا تزالُ طائفةٌ من أمتي منصورةً على الناسِ لا يضرُّهم من خذَلَهم حتى تقومَ الساعةُ»؛ رواه الترمذي.

فلم يلبَثُوا بعد رحيله – صلى الله عليه وسلم – إلا قليلاً، حتى توجَّهَت قلوبُهم إلى الأرض التي بارَكَها الله، ووصَّى بها رسولُ الله، فخفَقَت إليها بيارِقُ النصر، ورفرَفَت في روابيها ألوِيةُ الجهاد، وسُطِّرَت ملامِحُ من نورٍ، ونشرَ الإسلامُ رِداءَه على الشام، تُزجيه طلائعُ الإيمان، يتقدَّمُهم خالدُ بن الوليد، وأبو عُبيدة بن الجرَّاح، وشرحبيلُ بن حسنة، وعمرو بن العاص، ويزيدُ بن أبي سفيان، والقَعقاعُ بن عمرو، وضِرارُ بن الأَزوَر، وفيهم ألفُ صحابيٍّ منهم مائةٌ ممن شهِدَ بدرًا، وتوالَى عليها الصحبُ الكِرامُ.

قال الوليدُ بن مُسلم: “دخلت الشامَ عشرةُ آلافِ عينٍ رأَت رسولَ الله – صلى الله عليه وسلم -“.

عيونٌ بعد طُهر المدينة ترى نظرةَ الشام، ولا غَروَ؛ فقد اختارَها النبيُّ – صلى الله عليه وسلم – لأصحابه، ووصَّى بها الخُلَّصَ من أصحابه؛ قال – صلى الله عليه وسلم -: «سيصيرُ الأمرُ إلى أن تكونوا جنودًا مُجنَّدةً، جُندٌ بالشام، وجندٌ باليمن، وجندٌ بالعراق». قال ابنُ حَوالةُ – رضي الله عنه -: خِر لي يا رسول الله إن أدركتُ ذلك. فقال: «عليك بالشامِ؛ فإنها خِيرةُ الله من أرضه، يجتبِي إليها خِيرتَه من عباده، فأما إن أبيتُم فعليكم بيَمَنكم، واسقُوا من غُدُركم؛ فإن الله توكَّلَ لي بالشامِ وأهله»؛ أخرجه الإمام أحمد، وأبو داود.

وصارَت الشامُ عاصِمةَ الإسلام، قامَت فيها أولُ ممالكِ الإسلام وأعدلُ ملوك الإسلام، شعَّ منها نورُ العلم، وبُسِط فيها رِداءُ العدل، ونُشِرَت فيها قِيَمُ الحق والحرية، وسطَّر المُسلمون هنالك أروعَ الأمثِلة في حُسن الجِوار، وكرمِ التعامُل مع الآخرين.
وحفِظَ المُسلمون لأهل الأديان ذِمَمهم، وتركُوا لهم مذاهبَهم ومعابِدَهم، فعاش الناسُ في تسالُمٍ وأمانٍ، أحرارًا في أرضهم ومُعتقَدهم، ونالَت الشامَ بركةُ العدل، فرغَدَ عيشُها، ووفَرَ رِزقُها، حتى قال عُمرُ بنُ عبد العزيز وهو مُتربِّعٌ على عرشها: “انثُروا الحبَّ على رؤوس الجِبال حتى لا يُقال: جاعَ طيرٌ في بلاد المُسلمين”.

وتكسَّرَت على رُباها جُيوشُ التَّتَر، وعلا فيها نورُ الإسلام وانتصَر، حتى صارَ السائلُ يسألُ ابنَ تيمية – رحمه الله -: “هل المُقامُ بالشام لظهور الإسلام بها أفضلُ أم بمكَّة والمدينة؟”.

ثم مضَى الدَّهرُ، ودالَت الأيام، وظهرَ على الأمر فيها مَن بظهورِه استحَالَت حالُها؛ فما الشامُ بالشامِ التي تعهَد، صوَّحَ نبتُها، وذَبَلَ زهرُها، وضاقَ بأهلها العيشُ، وترحَّلَ الأمنُ من مرابِعِها، واقتطَعَ الأعادي جُزءًا من أراضيها، وما زال في أرض الشام العُلماءُ والصالِحون، ومنهم من تفرَّقَ في الديار؛ تفرَّقوا عن أوطانهم مطرودين، تُلاحِقُهم يدُ الظلمِ والبَغيِ، عيُونُهم تفيضُ بالدمعِ، والغُرباءُ أكثرُ ما يكونون شفقةً على أهلهم وديارِهم، وهم يرَون في الشاشات أماكن يعرِفونها من بلادهم، لهم فيها ذكرياتٌ وشُجونٌ، تقصِفُها الطائِرات، وتدكُّها المدافِع.

أيها المسلمون:
الشامُ ترِكةُ الفاتحين من الصحابة والتابعين، ووديعةُ المُتقدِّمين من المُسلمين للمُتأخِّرين، تاريخُها مُلهِم، وحاضِرُها مُؤلِم، وأهلُها لهم في الصبر حكايا تطُول عسَى صبرُهم إلى خيرٍ يَؤول.
وإننا في الوقتِ الذي نستحضِرُ فيه ذلك المجد وذلك التاريخُ القديم لنقفُ على جُرحَيْن غائِرَيْن في بلاد الشام، دمِيَا فاعتلَّت بنزفِهما الأمةُ، كِلا الجُرحَيْن رَطبٌ، ومع ذلك تعملُ المناجِلُ فيهما عملَها: جُرحُ فلسطين، وجُرحُ سُوريا، وبينهما نُدوبٌ هنا وهناك، وهي أيامُ تمحيصٍ وابتِلاءٍ.

أيها المسلمون:

كيف يستطيعُ إنسانٌ في هذه الأيام أن يتجاوَزَ مذابِحَ القِيَم في شامِنا الحبيب وهو يرى غدرَ القريب، وخُذلان البعيد، وخِيانةَ الراعي للرعيَّة، مُقدَّراتُ الشعب ومُكتسباتُه تُوظَّفُ لسحقِه وإذلالِه، وسِلاحُه الذي يدفعُ به غائِلَةَ العدُوِّ عاد على أوداجِ الشعبِ ذبحًا وتقطيعًا، تُسحَقُ الأمةُ لمصلحةِ أفرادٍ ما بالَوا بها يومًا، لقد كُشِف المستورُ، وترنَّحَت الشعارات، وتبيَّن أن العدوَّ الذي وراء الحُدود أرحمُ أحيانًا من العدو الذي في داخل الحُدود.

نساءٌ وأطفالٌ لم يحمِلوا حتى الحجرَ، نثَرَت صواريخُ الغدر حجارةَ منازلهم، وتشظَّت تحت الرُّكام أجسادُهم، ترى الأذرُع مبتورة، والأجسامَ تحت رُكامِ المنازل مقبور، في صُورٍ تُنبِئُ عن مقدار خواءِ نفوسِ مُرتكبيها من الإنسانية والمُثُل، وتجرُّدِ أفعالهم من الشِّيمَةِ والنُّبْلِ، جرَت دماءُ الشاميين جرَيَان دجلة والفُرات، ليس على عدوٍّ ظاهرٍ؛ بل على يدِ مُدَّعِي بعثِ العروبة وحِراسةِ العرب على وجهٍ لا يحتملُ العُذر ولا تستُرُه المُبرِّرات.

أيها الشاميُّون الكرام:
سلاحُكم له كرامةٌ، فلا يُدنَّس بالنَّيلِ بهِ من إخوانكم، وقوتُكم ذُخرٌ للعرب، فلا تتقوَّوا بها على أهلِيكم، واجعَلوا سلاحَكم لأهلِكم حامِيًا، وعن أرضِكم مُدافِعًا، لا عُذرَ لكم أمام الله والتاريخِ أن تعود فَوهات البنادِق على صُدروكم، ويُذيقَ بعضكم بأسَ بعضٍ، (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا) [النساء: 93]، وحِّدوا الصفوف، واجمَعوا الكلمة، واستعِينوا بالله واصبِروا.

عباد الله:
إن فضلَ الشام وكونَها ثغرَ الإسلام يُحتِّمُ على المُسلمين التنادِي لنُصرة أهلها ودفعِ البَغيِ عنهم، ورفعِ الضَّيْمِ عنهم، ولقد جعل النبيُّ – صلى الله عليه وسلم – صلاحَ الشام مِعيارًا لصلاح الأمةِ كلها، مما يُحتِّمُ على المُسلمين – كلِّ المُسلمين – أن يدفَعوا بما استَطاعوا لكي لا تُغيِّرَ يدُ الفسادِ وجهَ الشام الجميل، وتبقى كما تاريخُها إيمانٌ وعلمٌ وحضارةٌ ونورٌ، لا يجُوعُ فيها طيرٌ كما أراد عُمر، ولا يُروَّعُ فيها بشرٌ؛ وفاءً للصحابة الفاتحين، والعُلماء الأماجِد الذين توسَّدوا ثَرَى الشامِ في رَقدة الدنيا الأخيرة، وقِيامًا بحقِّها كِفاءَ ما وهبَتْه العربَ والمُسلمين.

ولقد نادى العُقلاءُ الغيورون على مصالِحِ الأمة، وارتفعَ صوتُ خادمِ الحرمين الشريفين من أولِ ساعةٍ يُنادِي بتحكيم الحقِّ والعدل، والمنطقِ والحِكمة والعقل، وتقديمِ المصالحِ العامة العُليا على المصالحِ الشخصيةِ حقنًا لدماءِ المُسلمين، وحِفظًا لوَحدة صفِّهم وأراضيهم، ودفعًا للخلافات الطائفية والمذهبية، وثباتًا على مواقفِ الدين والأخلاق، ووقفَ – حفظه الله – صادِعًا بكلمةِ الحقِّ والعدلِ مع إخوانه وأصدقائِهِ الغَيورين.

فسدَّدَ اللهُ المساعِي، وأصلحَ الشأن، وجعلَ العواقِبَ إلى خيرٍ.

وإنَّا لنُؤمِّلُ في صُبْحٍ يَطوِي الليلَ الخانِقَ، وتتنفَّسُ له الأزهارُ، وتُشرِقُ به شمسُ الخلاص، والأملُ بالله كبير أن تعُودَ إلى بُشراها الأيام، والسماءُ تُرجَّى حين تحتجِبُ.

عسى اللهُ أن يُبدِّلَ ليلَكم صُبحًا، وخوفَكم أمنًا، ولاءَكم عافيةً، وأن يُولِّي عليكم خِيارَكم، ويكفِيَكم شرَّ شِرارِكم، (وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) [يوسف: 21].

باركَ الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفَعَنا بما فيه من الآياتِ والذكرِ الحكيم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله تعالى لي ولكم.

الخطبة الثانية

الحمد لله الوليِّ الحميد، يخلُقُ ما يشاءُ ويحكُمُ ما يُريد، وهو العدلُ يفعلُ ما يشاءُ ويحكُمُ ما يُريد، بيده العطاءُ والمنعُ، والابتِلاءُ والمُعافاة، – سبحانه وتعالى وتقدَّسَ – لا تخرُجُ أفعالُه وأوامرُه عن الحِكمةِ والرحمةِ والمصلحة، ونحن عبيدُه بنو عبيدِه بنو إمائِهِ، ماضٍ فينا حُكمُه، عدلٌ فينا قضاؤُه، وهو – سبحانه – أحكمُ الحاكمين، وأرحمُ الراحمين، لا يقضِي لأوليائِه قضاءً إلا كان خيرًا لهم، ساءَهم ذلك القضاءُ أو سرَّهم، وله الحِكمةُ البالِغةُ المحمودةُ في كل ما يجرِي على المُؤمنين حتى وإن كان القضاءُ في ظاهِرِه بلاءً وشرًّا، فإن في طيَّاته من الحِكَم والمصالِحِ ما لا يُحصِيهِ إلا اللهُ، (وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) [البقرة: 216].

وإذا أيقنَ المؤمنون بهذه الحقيقةِ، وتعرَّفوا أوجُهَ الخير والرحمةِ فيما يُصيبُهم؛ امتلأَت قلوبُهم بالثباتِ والصبرِ، وبالرجاءِ والأملِ والثقةِ بوعدِ الله، والاطمِئنانِ إلى حُسن تدبيرِه واختِيارِه، (فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا) [النساء: 19].

إن الجُرحَ غائِر، والمُصابَ عظيم، والألمَ شديد، ولكنَّ الوعيَ الذي أحدَثَه هذا الدمارُ في الأمةِ كبير، ولئن اشتَكَت الشامُ؛ فلقد تداعَى لها جسدُ الأمةِ بالحُمَّى والسَّهَر، وظهر التلاحُمُ بين المُسلمين، وسرَت الحياةُ في جسدهم الواحِد، وضجَّت المساجِدُ بالدعاء، واستيقَظَت في الأمةِ مشاعِرُ دفينة، مشاعِرُ كادَت أن تنطمِس، وكادَت أن تقضِيَ عليها شهواتُ الحياة، ولطالَما حاولَ أعداءُ الإسلام تخديرَها بالمُلهِيات ووسائل الترفيهِ – زعَموا -.

وإذ بها تستيقظُ من جديدٍ، وتتأجَّجُ في القلوب، وهي ترى دماءَ الأحِبَّةِ تجري على أرضِ الشامِ المُبارَكة، وعادَ الناسُ عودةً صادقةً إلى الدين، وبانَ صِدقُ الصادقين، وظهر خُذلان الخاذِلين، واهتزَّت ثقةُ العالَمِ بمُنظَّمته الدولية، وتبيَّن أنها لا تتحرَّكُ إلا وفقَ مصالِحها الأنانية، لا يُؤثِّرُ في قلوبِ أربابِها صريخُ الأطفال، وأنينُ الجرحَى والمُعذَّبين.

واستيقَنَت قلوبُ المؤمنين بقولِ الحقِّ – سبحانه -: (إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) [آل عمران: 160].

رُوِي عن عليِّ بن أبي طالبٍ – رضي الله عنه – أنه أنشَدَ :
ولا تجزَع إذا ما نابَ خَطْبٌ
فكَم لله من لُطفٍ خفِيِّ
وكم يُسْرٍ أتَى من بعد عُسْرٍ
ففرَّجَ كُربةَ القلبِ الشَّجِيِّ
وكم أمرٍ تُساءُ به صباحًا
وتأتيكَ المسَرَّةُ بالعَشِيِّ
إذا ضاقَت بك الأحوالُ يومًا
فثِق بالواحدِ الفردِ العلِيِّ

أيها المؤمنون:

إن الله تعالى يُريد منَّا عند كل مُصيبةٍ أو نازِلةٍ أن نُكفكِفَ العَبَرات، وأن نمسحَ الأحزان، وأن نُجدِّدَ التوبة، وألا نهِنَ ولا نيأَس، وأن نُدافِعَ القدرَ بالقدر، (وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) [آل عمران: 139].

معاشر المُسلمين:
إن التعرُّف على أوجهِ الخيرِ والرحمةِ في هذه الأحداث، والرضا بقضاء الله –عز وجل – والتسليمِ لقدره لا يعني التواكُل والعَجز، والرِّضا بالفساد والذِّلَّة والمهانة، وتركَ الأخذِ بأسبابِ النصرِ والعِزَّةَ والكرامَة، ولكنَّه يُقوِّي اليقينَ بوعد الله – سبحانه -، والثقةَ بنصره، والاطمئنانَ إلى قضائِهِ وتدبيرِه.

الابتِلاءُ رفعةٌ وتطهيرٌ وتمحيصٌ، والشهادةُ اختيارٌ واصطِفاءٌ، (وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى) [القصص: 60].

الألمُ يُولِّدُ الأمل، وبقدر ما يشتدُّ الكربُ يحصُلُ اليقينُ بقُرب الفرَج، واعلَم أن النصرَ مع الصبر، وأن الفرجَ مع الكَرب، وأن مع العُسرِ يُسرًا.

بالصبرِ يكونُ المَدَدُ من السماء، (بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ) [آل عمران: 125].

وبالصبرِ يذهبُ أذى الأعداء، (وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا) [آل عمران: 120].

ولقد أثنَى اللهُ على الصابرين في البأساء والضرَّاء وحين البأس، فقال – سبحانه -: (أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) [البقرة: 177].

إنه لا بُدَّ من الصبر ولا بَديلَ عنه، لا بدَّ من الصبرِ على ما تُثيرُه الأحداثُ من الألمِ والغَيظ، ومن اليأسِ أحيانًا والقُنوط، لا بُدَّ من الصبرِ ومن المُصابَرة، مُصابَرة الظالمين الذين يُحاوِلون جاهِدين أن يفُلُّوا من صبر المؤمنين.

وإذا كان الباطلُ يُصِرُّ ويصبِرُ ويمضِي في الطريقِ، فما أجدرَ أهلَ الحقِّ أن يكونوا أشدَّ إصرارًا، وأعظمَ صبرًا، (إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا) [النساء: 104].

فيا أهل الشام! (اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) [الأعراف: 128].

إن الله – عز وجل – قد تكفَّلَ لنبيِّه بالشام وأهله، من تكفَّل الله به فلا ضيعَةَ عليه، وإن وصفَ الشام في الكتاب والسنة بالبركة لمُبشِّرٌ بأنه لن يطُولَ فيها أمَدُ الفتنةِ والطُّغيان؛ لأنها موطِنُ برَكةٍ وأمنٍ وإيمانٍ.

ولقد كان الشامُ مقبرةً لأعداءِ الأمةِ والكِبار؛ ففيها انكسَرَ الصليبيُّون والتتار، وفيا يُغلَبُ الروم – كما في حديثِ المَلحَمة الكُبرى -، وفيها يُهلَكُ الدجَّال ومن تبِعَه من اليهود، وقد جعل النبيُّ – صلى الله عليه وسلم – فسادَ الشام مُؤذِنًا بذهابِ الخير من الأمة، وجعل صلاحَها مُبشِّرًا بصلاح أمرِ الأمةِ كلها، وها هي اليوم تجِيءُ البُشريات والليالي بالأماني حافِلات.

وإننا لنُقسِمُ بالله – عز وجل – جازِمين مُوقِنين بما عوَّدَنا ربُّنا من نُصرة أوليائِهِ والدفاع عنهم إذا أخَذوا بأسبابِ النصر، بأن الكربَ والشدَّةَ لن تطُول على قومٍ أنزَلوا حاجتَهم بالله، وهتَفوا: يا اللهَ، ما لنا غيرُك يا اللهَ! والله تعالى يقول: (وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) [آل عمران: 101]، (وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ) [الروم: 47]، (وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ) [الصافات: 173]،(وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ)[الحج: 40]، (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ) [غافر: 51].

أيها المؤمنون:

إن انتظار الفرَجِ من أعظم العبادات، وإن اليأسَ من رحمةِ الله من كبائرِ الذنوبِ،وعلى المؤمنين ن يملأَ قلوبَهم الفألُ بقُربِ الفرَجِ واليقينُ بنهايةِ الظالمين، (فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا) [مريم: 84].

ولقد يُريد اللهُ لعباده نصرًا وفرَجًا أعظمَ مما يظُنُّون، وتمكينًا أدوَمَ مما ينتظِرون، (وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا) [الطلاق: 3].

هذا؛ وصلُّوا وسلِّموا على النبي المُصطفى والرسول المُجتبى، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدك ورسولِك محمدٍ وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابتهِ الغُرِّ الميامين، اللهم ارضَ عن الأئمة المهديين، والخلفاء الراشدِين: أبي بكرٍ، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن سائر صحابةِ نبيِّك أجمعين، ومن سارَ على نهجِهم واتبع سنَّتهم يا رب العالمين.

اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، وأذِلَّ الشرك والمشركين، ودمِّر أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمنًا مطمئنًّا وسائر بلاد المسلمين.

اللهم من أرادنا وأراد بلادنا بسوءٍ أو فُرقة فرُدَّ كيدَه في نحرِهِ، واجعل تدبيرَه دمارًا عليه يا قويُّ يا عزيزُ.

اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلِح أئمَّتنا وولاة أمورنا، وأيِّد بالحق إمامَنا ووليَّ أمرنا، اللهم وفِّقه لهُداك، اللهم وفِّق خادمَ الحرمين الشريفين لهُداك، واجعل عملَه في رِضاك، وهيِّئ له البِطانةَ الصالحةَ، اللهم وحِّد به كلمةَ المسلمين، وارفع به لواءَ الدين، اللهم وفِّقه ووليَّ عهده وسدِّدهم وأعِنْهم، واجعَله مُبارَكِين مُوفَّقِين لكل خيرٍ وصلاحٍ.

لا إله إلا الله العظيمُ الحليمُ، لا إله إلا الله ربُّ العرشِ العظيم، لا إله إلا الله ربُّ السماوات وربُّ العرشِ الكريم، لا إله إلا أنت، عزَّ جارُك، وجلَّ ثناؤُك، وتقدَّسَت أسماؤُك، اللهم يا مَن لا يُهزَم جُندُك، ولا يُخلَفُ وعدُك، ولا يُردُّ أمرُك، سُبحانك وبحمدِك.

اللهم أصلِح أحوال المسلمين في كل مكان، اللهم أصلِح أحوالَهم في سوريا، اللهم اجمَعهم على الحقِّ والهدى، اللهم احقِن دماءهم، وآمِن روعاتهم، وسُدَّ خَلَّتهم، وأطعِم جائعَهم، واحفَظ أعراضَهم، واربِط على قلوبهم، وثبِّت أقدامَهم، وانصُرهم على من بغَى عليهم، اللهم فُكَّ حِصارَهم، اللهم فرَجَك القريب، اللهم فرَجَك القريب.

اللهم إنا نستودِعُك إخواننا في سوريا، اللهم إنا نستودِعُك دماءَهم، ونستودِعُك أعراضَهم، ونستودِعُك أعراضَهم يا مَن لا تضيعُ ودائِعُه، اللهم إنا نستنزِلُ نصرَك على عبادك المُستضعفين المظلومين، اللهم انتصِر لليتامَى والثَّكَالَى والمظلومين، اللهم رُحماكَ بهم رُحماك يا أرحم الراحمين، ويا ناصِر المظلومين.

اللهم عليك بالطُّغاة الظالمين، اللهم عليك بهم فإنهم لا يُعجِزونَكَ، اللهم إنا نستنزِلُ بطشَك على القوم المُجرمين.

اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك وعبادك المؤمنين.

اللهم انصر المُستضعَفين من المسلمين في كل مكان، واجمعهم على الحق يا رب العالمين.

(رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) [البقرة: 201].

اللهم اغفر ذنوبنا، واستُر عيوبَنا، ويسِّر أمورنا، وبلِّغنا فيما يُرضِيك آمالنا، ربنا اغفر لنا ولوالدينا ووالديهم وذرياتهم، إنك سميعُ الدعاء.

نستغفِرُ الله، نستغفِر الله، نستغفِرُ اللهَ الذي لا إله إلا هو الحيَّ القيُّومَ ونتوبُ إليه.

اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزِل علينا الغيثَ ولا تجعلنا من القانِطين، اللهم أغِثنا، اللهم أغِثنا، اللهم أغِثنا غيثًا هنيئًا مريئًا سحًّا غدَقًا طبقًا مُجلِّلاً عامًّا نافعًا غيرَ ضارٍّ، تسقِي به العباد، وتُحيِي به البلاد، وتجعلُه بلاغًا للحاضرِ والبادِ.

اللهم سُقيا رحمة، اللهم سُقيا رحمة، اللهم سُقيا رحمة، لا سُقيا عذابٍ ولا بلاءٍ ولا هدمٍ ولا غرقٍ.

ربَّنا تقبَّل منا إنك أنت السميعُ العليم، وتُب علينا إنك أنت التوابُ الرحيم.

سبحان ربِّك رب العزة عما يصفون، وسلامٌ على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

أترك ردا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s