الرياضات المسنونة

وأثرها في صحة الفرد والمجتمع

الدكتور محمد نزار الدقر

الدكتور محمد نزار الدقرالرياضات المسنونة ماشرعها النبي ص لأمته من أجل بنائها بناء صحيحاً وتهدف كل هذه الرياضات في الأصل إلى القوة منها رياضة المشي و رياضة الجري. كما أمر أصحابه بالتدرب على  الرماية واللعب بالحراب وفن المبارزة كما أمرهم بالتدرب هلى ركوب الخيل والمصارعة والسباحة.

الرياضة في الإسلام تهدف إلى القوة

إن الدعوة إلى الله سبحانه والقيام بمهمة الخلافة في الأرض تحتاج إلى جهد وطاقة جسدية  حتى يتم أداؤها على الوجه الأكمل(1).لذا حضت التربية النبوية الكريمة على بناء الفرد المسلم على أساس من القوة:..عن أبي هريرة رضي الله عنه  أن رسول الله  (ص)  قال: ”المؤمن القوي خيرٌ وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير،إحرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز” رواه مسلم.

ومن أجل بناء الأمة القوية،امتدح الله سبحانه صاحب الجسد القوي، القادر على تحمل الشدائد، وجعل موهبته من العلم والقوة سبباً لترشيحه للملك:  قال تعالى:” قال إن الله اصطفيه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم“. كما وصف سبحانه كرام أنبيائه بقوله : ” أولوا العزم من الرسل“. ولما رأت ابنة شعيب مظاهر القوة عند سيدنا موسى عليه السلام قالت لأبيها-كما جاء في سياق القصة في القرآن الكريم : ” إن خير من استأجرت القوي الأمين “.

وهكذا نرى كيف ربط الإسلام (3) قوة الإيمان بالاهتمام بقوة الأبدان، والغاية من القوة (4) أن تكون الأمة  مرهوبة الجانب ،منيعة محمية، عزيزة كريمة.وهذا أمرٌ من الله سبحانه لقادة الأمة قال تعالى:“وأعدوا لهم ما إستطعتم من قوة“.والرياضة في الإسلام موجهة نحو غاية تهدف إلى القوة، وهي في نظر الشارع وسيلة لتحقيق الصحة والقوة البدنية لأفراد الأمة، وهي مرغوبة بحق عندما تؤدي إلى هذه النتائج على أن تُستر فيها العورات وتحترم فيها اوقات الصلاة.

وإذا كان رسول الله   (ص)  قد دعا إلى ممارسة رياضة معينة كالرمي والسباحة وركوب الخيل، تهدف جميعها إلى تحقيق الهدف المشار إليه. فقد تبنى الإسلام حتى في صلب عباداته (2) ما يشجع على تحقيق أفضل مزاولة للتربية البدنية: فنحن إذا تمعنا في حركات الصلاة (2) نجد أنها تضمنت تحريك جميع عضلات الجسم ومفاصله، وهي حركات تعتبر من أنسب الرياضات للصغار والكبار،لدرجة انه لا يستطيع أي خبير من خبراء التدريب الرياضي أن يضع لنا تمريناً واحداً يناسب جميع الأفراد والأجناس والأعمار ويحرك كل الأعضاء في فترة قصيرة كما تفعل الصلاة (5).وأكدت الدراسات الطبية (4) أن حركات الصلاة من أنفع ما يفيد الذين أجريت لهم عمليات انضغاط الفقرات  وتجعلهم يعودون سريعاً إلى أعمالهم.

ونرى في أعمال الحج أيضاً (6) رياضة بدنية عظيمة عدا ما تتضمنه من رياضة روحية فأعمال الحج تتوافق مع ما يحتويه نظام الكشافة بحذافيره  ففي رحلة الحج مشي وهرولة وطواف وسعي، وسكنى خيام وتحلل من اللباس الضاغط إلى لباس الإحرام مما يجعل الحج رحلة رياضية بحق، فهي وإن كانت في اسِّ تشريعها رحلة تسمو بالحاج إلى الأفق الأعلى، فهي في برنامجها رحلة تدريب بدنية تقوي الجسم وتعزز الصحة. ونحن نجد في حياة النبي   (ص)  وفي تربيته لأصحابه، بل في صميم التشريع الإسلامي سبق واضح على التربية البدنية الحديثة (3)،والتي أصبحت تمارس اليوم في جميع الدول الراقية كجزء من حياة البشر،كما دخلت فروع الطب، وغدت تمارس وقاية وعلاجاً تحت اسم “الطب الرياضي”.

والطب الرياضي (2) أحد التخصصات الحديثة  يبحث في الخصائص الغريزية لكل لاعب،وأثر التدريبات البدنية على أجهزته المختلفة للتقدم في فن التدريب واختيار أفضل التمارين التي تناسب إمكانياته الجسمية،وفي أساليب الطب الطبيعي لعلاج الأمراض ورغم ان هذا الطب لم يكن معروفاً قبل الإسلام،فإن اختصاصي العلاج الطبيعي،مختار سالم (2)، يعتبر أن النبي (ص)  قد وضع اللبنة الأولى لبناء هذا العلم عندما شكا إليه قوم التعب من المشي  فأوصاهم النبي  ص  بمزاولة “النسلان” وهو الجري الخفيف ،فتحسنت صحتهم وكفاءتهم الحركية واستطاعوا المشي لمسافات طويلة دون تعب.

ويرى مختار سالم (2) أن الطبيب المسلم علي بن العباس الذي ظهر مؤلفه “الصناعة الطبية” في اواخر القرن الرابع الهجري،هو أول مؤلف في الطب الرياضي، فقد أوضح  ان للرياضة البدنية أهمية كبرى في حفظ الصحة، وأن أعظمها منفعة قبل الطعام لأنها تقوي أعضاء الجسم وتحلل الفضول التي تبقى في الأعضاء.  وكلما كانت الرياضة أقوى كان الهضم أجود وأسرع. كما يوصي بعدم ممارسة الرياضة بعد الطعام مباشرة، أي عندما يكون الطعام في المعدة “لئلا ينحدر إلى الأمعاء قبل أن يهضم”. كما أكد علماء الطب الرياضي أهمية عنصر القوة التي دعا إليها النبي  محمد  (ص)  التي يعتبرونها من أهم العناصر الأساسية في اللياقة البدنية الشاملة والتخصصية من أجل إحراز المزيد من التقدم ومن الانتصارات الرياضية .وسنفصل كل ما ورد في الهدي النبوي من رياضات مسنونة مع أهميتها الصحية وفوائدها للبدن.

رياضة المشي

وصف الصحابة رضوان الله عليهم رسول الله   (ص)  بأنه كان قوي الاحتمال و الجلد  يسير مندفعاً إلى الأمام، سريع الخطى في مشيته(2).عن أبي هريرة (ر)  قال:”ما رأيت أحداً أسرع في مشيته من رسول الله   (ص)  لكأنما تطوى له الأرض،وكنا إذا مشينا نجهد انفسنا وإنه لغير مكترث … وفي رواية … وإنا لنجهد انفسنا ولا يبدو عليه الجهد“· رواه الترمذي وابن حبان ومن حديث طويل يصف فيه النبي   (ص)  يقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه:”كان إذا تمشى تقلع كأنما يمشي في صبب“·رواه الترمذي وحسنه والتقلع:الارتفاع عن الأرض.

ويروى عن السيدة عائشة رضي الله عنها أنها رأت جماعة من الناس يسيرون الهوينى في تراخ وفتور فحسبت أن بهم مرضاً، فسألت عنهم فقيل لها:  يا أم المؤمنين، ما بهم من مرض ولكنهم نُساك زهاد.فقالت:” والله ما أنتم بأكثر نسكاً ولا زهداً من عمر وكان إذا مشى أسرع وإذا تكلم أسمع وإذا ضرب أوجع“.

لقد كان المشي وسيلة التنقل المعهودة لبني البشر (3)،ولما كثرت وسائط النقل وأصبح الناس لا يمارسون “المشي” إلا لحاجة ضرورية ، كثرت الأمراض الناشئة عن قلة الحركة، وأصبحت رياضة المشي اليوم من أهم وأنفع الرياضات للوقاية والعلاج. ويعرفها د.أحمد شوكت الشطي (7)  بأنها انتقال الجسم بخطوات متتابعة مع بقاء أحد القدمين ملتصقة بالأرض. وتنفع الأشخاص الذين تضطرهم ظروف عملهم إلى أعمال الفكر جالسين دون حركة. فهي تعيد إليهم قواهم وشهيتهم للطعام .والمشي يحرك ثلثي عضلات البطن بلطف واعتدال ويزيد تثبيت مولد الحموضة فيها. فبالصعود تتحرك عضلات البطن،وتنشط بالنزول العضلات الموسعة للصدر.ويحسن ان تتحرك الأذرع أثناء السير بحركة تعاكس حركة الأرجل، وإن تعاكس الاجاه بين الأطراف يعدل تبدل مراكز ثقل الجسم.

وينقص بالمشي وزن الجسم بسبب تنشط المفرزات والمفرغات وتبخر الماء من سطح الرئتين. وعلى الماشي في فترة استراحته ان يتحاشى الأماكن الرطبة والمعرضة لجريان الهواء وأن يقوم ببعض الحركات قبل ان يجلس. ويزيد السير في الجبال والمنحدرات نشاط الجهازين الدوراني والتنفسي أكثر مما يزيده المشي في السهول، كما أن الترويض بالمشي في الهواء الطلق يجعل الوجه مشرقاً ويعدل القامة ويحسن المظهر . ويرى خبير العلاج الطبي مختار سالم أن رياضة المشي تهيئ الإنسان لتدرج عنف الجهد الذي يبذله في الرياضات لكبار السن والتي تزيد القدرة على استهلاك الأوكسجين، والذي يقل مع تقدم السن،ويزيد المشي من درجة الكفاءة البدنية ويقلل نسبة كولسترول الدم،والإصابة بأمراض الدم،والكلية.

وتزداد مع سرعة المشي ضربات القلب فتقويها، وتنظم نشاط الدورة الدموية وترفع نسبة الخضاب وعدد الكريات الحمرالدموية .وفي إحصائية بريطانية (2) بينت ان عدد المصابين بأمراض القلب بين موزعي البريد الذين يمشون كثيراً بحكم مهنتهم أقل بكثير من عدد المصابين بين موظفي البريد الجالسين في مكاتبهم.لذا فإن رياضة المشي تعتبر بمثابة برنامج تأهيل لمرضى القلب الذين يشعرون بالتعب لأدنى جهد،وأكدت أبحاث الطب أن المشي”عنصر أساسي” في برنامج العلاج الطبي والتأهيل لمرضى القلب.

 رياضة الجري[الركض أو العدو]

روى البخاري في صحيحه عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال:”قدم رسول الله  (ص)  وأصحابه [أي إلى مكة] فقال المشركون: يقدم عليكم وقد وهنتهم حمّى يثرب. فأمرهم النبي  (ص)  أن يرملوا الأشواط الثلاثة وأن يمشوا بين الركنين، ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها إلا الإبقاء عليهم” والرمل هو الهرولة مع تقارب الخطى،وكان هذا في عمرة القضاء حيث أخلى المشركون مكة وخرجوا إلى الجبال يراقبون المسلمين،ظانين أن حمّى يثرب وهنتهم، فأمرهم النبي  (ص)  أن يرملوا ليعلم المشركون أن المسلمين في أوج قوتهم ولياقتهم البدنية.وكان رسول الله  (ص)  يقول للمسلمين “رحم الله امرءاً يريهم اليوم من نفسه قوة”ومن ثم أصبح الرمل في الطواف سنة للرجال ثابتة.

وكان أصحاب رسول الله  (ص)  يتسابقون على الأقدام ويتبارون في ذلك والنبي  (ص)  يقرهم(3) كما سابق النبي  (ص)  زوجته عائشة كما تروي لنا رضي الله عنها:” أنها كانت على سفر فقال لأصحابه تقدموا، ثم قال تعالي أسابقك،فسابقته فسبقته على رجلي،فلما كان بعد خرجت معه في سفر،فقال لأصحابه تقدموا،ثم قال تعالي أسابقك،ونسيت الذي كان وقد حملت اللحم،فقلت يارسول الله كيف أسابقك وأنا على هذه الحال، فقال لنفعلن، فسابقته فسبقني،فقال:هذه بتلك السبقة”·،وفي رواية أخرى قالت:”سابقني رسول الله  (ص)  فسبقته فلبث حتى أرهقني اللحم فسابقني فسبقني فقال:هذه بتلك”··.

وعن عبد الله بن الحارث قال:كان رسول الله  (ص)  يصف عبد الله وعبيد الله وكثيراً ما يقول:من سبق فله كذا،فيستبقون على ظهره وصدره فيقلبهم ويلزمهم”.

والجري هو الرياضة الطبيعية بعد المشي . والفرق بين المشي السريع والجري ، أن خطوة الجري فيها لحظة طيران يكون فيها القدمان في الهواء . وقد أثبتت الدراسات الطبية (2) أن رياضة الجري تزيد نسبة الكريات الحمراء والبيضاء والخضاب وخاصة بعد الجري لمسافات طويلة . وإن المواظبة على الجري تؤدي إلى خفض نسبة الدهون والكولسترول في الدم وإلى تقوية عضلة القلب وانتظام ضرباته ، وإلى تحسن القدرة التنفسية وزيادة التهوية الرئوية . كما تفيد في إزالة حالات القلق والتوتر النفسي وتجعل النوم طبيعياً وعميقاً ، مما يعطي البدن الراحة الكبرى .

وخلاصة القول (2) فإن المشي والجري الهادئ المتزن لمسافات ولفترات مناسبة كل يوم أو كل يومين يحسن القدرة التنفسية ويقوي عضلة القلب ولهما أهميتهما في تأهيل مرضى القلب لاستعادة نشاطاتهم . ويفضل المشي للكهول والجري للشباب من دونهم (7) وعلى كل فليس الإسراف في العدو محموداً .

الرمايـــة

تؤكد السيرة النبوية ( 2 ) اهتمام النبي ص بالرمي وكان يختار لقيادة سرايا المجاهدين أمهر الرماة ، وقد أكدت اللجنة الأولمبية الدولية بعد قرون أهمية هذه الرياضة فأدخلتها ضمن برنامج مسابقاتها لأول مرة في الدورة الأولمبية الخامسة عام 1904 .عن سلمة بن الأكوع  قال : ” مرّ النبي ص على نفر من أسلم ينتضلون ( أي يتسابقون في الرمي ) ، فقال : ارموا بني إسماعيل فإن أباكم كان رامياً وأنا مع بني فلان ، قال : فأمسك أحد الطرفين بأيديهم . فقال ص : مالكم لا ترمون ، قالوا كيف نرمي وأنت معهم ؟ فقال النبي ص: ارموا وأنا معكم كلكم ” رواه البخاري .

وعن عقبة بن عامر الجهني  أن النبي ص قال : ” إن الله عز وجل ليدخل بالسهم الواحد ثلاثة نفر في الجنة : صانعه يحتسب في عمله الخير ، والرامي ومنبله ، وارموا واركبوا ، وأن ترموا أحب إليَّ من أن تركبوا ، كل لهو باطل ، وليس من اللهو إلا ثلاث : تأديب الرجل فرسه وملاعبته أهله ورميه بقوسه ونبله ” وفي رواية ” وكل ما يلهو به المسلم باطل إلا رميه بقوسه وتأديبه فرسه وملاعبته أهله فإنهن من الحق ” ·.

وعن عقبة بن عامر أيضاً أن النبي ص تلا قوله تعالى : ( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ) ثم قال : ( ألا إن القوة الرمي ، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي ) رواه مسلم . وعن سعد بن أبي وقاص  أن النبي ص قال : ” عليكم بالرمي فإنه خير لعبكم ” صححه الألباني في صحيح الجامع الصغير…

وعن عقبة بن عامر  أن النبي ص قال : ” من علم الرمي ثم تركه فليس منا “وفي رواية ” فقد عصى ” رواه مسلم وفي رواية ” من ترك الرمي بعد ما علمه رغبة منه فإنها نعمة كفرها أو جحدها “أخرجه الطبراني وصححه الألباني·· .وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي ص قال : ” علموا أبناءكم السباحة والرماية ” أخرجه البيهقي وهو ضعيف وله شواهد تقويه/المناوي في  فيض القدير..

إن كثرة ما ورد من أحاديث نبوية حول الرمي تدل على اهتمام النبي ص بهذه الرياضة وضرورة إتقانها (3) . ومن عظيم أهميتها في نظر الشارع أن النبي ص نهى عن هجرها بعد تعلمها وعنف من فعل ذلك . ولعل الصيد والقنص من أهم أشكال ممارستها في حياة الشباب (7) . ولقد كان صحابة رسول الله ص يجرون المسابقات فيما بينهم في لعبة الرمي ، ولقد اشتهر منهم كثيرون كان في طليعتهم حمزة عم النبي ص وعدي بن حاتم وغيرهم . ومن أهمية الرمي في التربية الإسلامية أن جعل تعلمه عبادة يثاب عليها صاحبها ويدخل بها الجنة (3) ، وحتى صانع السهم له حظه الكبير من الثواب .

ويعتبر علم الصحة أن الرماية رياضة نافعة (7) تنبه أعضاء البدن وتوطد الاعتماد على النفس ، وأنها تقوي الإرادة وتورث الشجاعة ، وهي تتطلب توافقاً دقيقاً بين عمل المجموعات العضلية والجهاز العصبي المركزي في عملية التوفيق بين زمن هذه الحركات ، وهذا يحصل بالمران وكثرة التدريب ، مما يفهمنا سبب حرص النبي ص ودعوته أصحابه للتدريب المستمر على رياضة الرمي .

وإذا كان الشرع الحنيف قد رغب في ممارسة الرمي ، فإنه في الوقت ذاته قد منع ممارسته على حيوانات حية تتخذ هدفاً للتدريب لقول النبي  ص : ” لا تتخذوا شيئاً فيه الروح غرضاً ” رواه مسلم . ولا يخفى ما في هذا الهدي النبوي العظيم من رفق بالحيوان قبل أن ينادي به أدعياءه في الغرب بأكثر من عشرة قرون .ألا ما أعظم هذا الدين وأروعه في تنظيم حياة الإنسان ، ونهيه له أن يبددها فيما لا طائل وراءه ، فالوقت ثمين لأنه هو الحياة . وحتى فيما يخصصه المسلم من وقته في لهو مباح أو تسلية مشروعة ، فيجب أن تكون فيما ينعكس عليه خيراً سواء في قوته ، أو من أجل قوة الأمة وكرامتها ومنعتها . وإن حديث : ” لا لهو إلا في ثلاث : تأديب الرجل فرسه وملاعبته أهله ورميه بقوسه ” ، ووصف النبي ص بأنهن من الحق ، تعبير رائع لوصف اللهو الذي ينعكس إيجابياً في حياة المسلم فيما يجلب له القوة ويحقق العفة للرجل والمرأة على حد سواء (4) .

اللعب بالحراب وفن المبارزة

اشتهر العرب منذ جاهليتهم (2) بفن المبارزة واللعب بالسيوف ، وقد اهتم رسول الله ص منذ أن استقر في المدينة بتدريب أبناء المسلمين على إجادة استخدام السيوف للدفاع عن دين الحق ، واللعب بالرماح من اللهو المباح (3) حيث سمح النبي ص للأحباش أن يلعبوا بحرابهم في مسجده ص . عن أبي هريرة  قال : ” بينما الحبشة يلعبون عند النبي ص بحرابهم دخل عمر فأهوى بالحصى فحصبهم بها فقال النبي ص : دعهم يا عمر ” رواه البخاري ، وقد صح في رواية أخرى أن النبي ص قد سمح للسيدة عائشة رضي الله عنها أن تنظر إلى لعبهم وهي مختبئة خلفه ص .

ويرى مختار سالم (2) أن رياضة المبارزة تحتاج إلى مزيد من الشجاعة والثقة بالنفس والمهارة والدقة في الأداء ، والذكاء مع القدرة على التفكير وسرعة البديهة طوال فترة المبارزة ، ومن تأثيراتها الغريزية أنها تؤدي إلى زيادة تنمية درجة التوافق وسرعة الاستجابة الحركية ، و إلى تقوية عضلات الساقين والساعدين وتدرب عضلات الجذع وتقويها للاحتفاظ بأوضاع الجسم القويمة .

ركوب الخيل

يرتبط معنى الفروسية (2) في كل لغات العالم بالشجاعة والشهامة والثقة بالنفس ، وتعرف الفروسية بأنها القدرة على ركوب وترويض الجواد والتحكم في حركاته والقدرة على التجانس معه في وحدة متناسقة من الحركات . وقد شجع الإسلام هذه الرياضة وثمَّنها غالياً ورفع من شأنها (3) لارتباطها بالجهاد في سبيل الله وفي إعداد القوة والمنعة للدفاع عن الأمة والوطن . قال تعالى : (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم ) .  ولعظيم شأن الخيل في شريعتنا الغراء فقد أقسم الله سبحانه بها في كتابه العزيز فقال :( والعاديات ضبحاً فالموريات قدحاً فالمغيرات صبحاً ).

وعن جابر بن عبد الله وجابر بن عمير رضي الله عنهما أن النبي ص قال : ” كل شيء ليس من ذكر الله فهو لهو ولعب إلا أن يكون أربعة : ملاعبة الرجل امرأته ، وتأديب الرجل فرسه ، ومشي الرجل بين الغرضين ، وتعليم الرجل السباحة “أخرجه البيهقي والنسائي وصححه الألباني/صحيح الجامع الصغير.. والمشي بين الغرضين أي الهدفين ، هدف السهم المرمي .

وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنها ” أن النبي ص كان يضمر الخيل يسابق بها “أخرجه أبوداود بسند صحيح /الأرناؤوط .وعنه أيضاً قال : ” سابق النبي ص بين الخيل التي ضمرت فأرسلها من الحيفاء وكان أمدها ثنية الوداع ، فقلت لموسى : وكم بين ذلك ؟ قال: ستة أميال أو سبعة، وسابق بين الخيل التي لم تضمر فأرسلها من ثنية الوداع وكان أمدها مسجد بني زريق ، فقلت: فكم بين ذلك ؟ قال: ميل أو نحوه . وكان ابن عمر ممن سابق فيها ” رواه البخاري .

وعن عبد الله بن عمر وعروة بن الجعد رضي الله عنهم أن النبي ص قال : ” الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة ” رواه البخاري ومسلم .  وعن أبي هريرة  أن النبي ص قال : ”من احتبس فرساً في سبيل الله إيماناً وتصديقاً بوعده فإن شبعه وريّه وروثه وبوله في ميزانه يوم القيامة ” رواه البخاري والنسائي .

إن ركوب الخيل وسباقاتها من الرياضات الهامة جداً في بناء الأمة وقوة أفرادها ، ونظراً لحصولها في الهواء الطلق وحصول البدن على كمية وافرة من الأكسجين فهي تنشط التنفس والدورة الدموية وتؤدي إلى زيادة معتدلة في ضربات القلب ، كما تعمل هذه الرياضة على زيادة الانتباه وتحسن القدرة على ضبط حركات البدن والحفاظ على توازنه (3) ، وهي تنشط الجهاز العصبي (2) وقد أظهرت دراسة ألمانية فوائد الفروسية في علاج أمراض الظهر والمفاصل وعيوب القوام .

وقد كان أبقراط (2) أول من عالج العديد من الأمراض المزمنة بمزاولة ركوب الخيل والتي تنشط معظم أجهزة البدن الداخلية بانتقال حركة الجواد إلى راكبه ، وبشكل خاص فإن حركات الاهتزاز الدائمة تضغط الكبد بين الأحشاء وعضلات البطن ضغطاً ليناً متتابعاً كمساج لطيف يؤدي إلى تنشيط الإفراز الصفراوي ووظائف الكبد ويحسن الدورة الدموية في هذا الجزء من البدن . والإسلام شجع على مزاولة هذه الرياضة فامتدح النبي ص الخيل وجعل الخير معقوداً في نواصيها ، وجعل تربيتها والاهتمام بها مما يثاب عليه المسلم ويزيد في حسناته يوم القيامة .

كما أن النبي ص نظم سباقات الخيل وأشرف عليها بنفسه صلوات الله عليه ، وكان ينعم على الفائزين بالجوائز التي تليق بهذه الرياضة . عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ” أن النبي صسابق بين الخيل وجعل بينها سبقاً وجعل فيها محللاً وقال لا سبق إلا في حافر أو نصل ” أخرجه الهيثمي وقال   في الصحيح بعضه رواه الطبراني وقال رجاله رجال الصحيح…

وفي معرض الحديث عن سباق الخيل،فنحن مع د.الكيلاني (4) في أن ما يجري من رهان في سباقات الخيل العالمية اليوم هو مخالف للشرع الإسلامي ومناقض لمبادئه . فالنبي ص سابق بين الخيل وراهن ، لكن ضمن قواعد الشريعة الغراء . فالرهان لا يصح أبداً بين المتسابقين أنفسهم بأن يدفع الخاسر ، ولا بين المتفرجين بالرهان على من يربح ، وإنما يكون الرهان من طرف ثالث ، كأن يكون الإمام أو من يقوم مقامه ، يدفع للفائز كجائزة تشجيعية .

المصارعة

المصارعة من الرياضات التي مارسها الإنسان منذ القدم (2). وقد أجاد النبي  (ص)  هذه الرياضة،وقد ثبت ما روي عنه أنه ص صارع أعرابياً يدعى “ركانة” كان مشهوراً بقوته وكان قد تحدى النبي  (ص) ،فصرعه النبي  (ص)  ثلاث مرات.

وعن فوائد المصارعة  يرى مختار سالم أنها رياضة تؤدي إلى زيادة تنمية عناصر القوة والسرعة والتحمل والرشاقة،كما أنّ الأداء الناجح لحركاتها يعمل على تنمية الكفاءة الوظيفية للمستقبلات الحسية،وتتكيف العضلات أثناء التدريب على العمل في ظروف إنتاج الطاقة لاهوائياً،إذ أنه لا يمكن سداد جميع احتياجات البدن من الأوكسجين أثناء المصارعة والذي تزداد الحاجة إليه بالعمل العضلي الثابت الذي تتكرر فيه عملية كتم النفس فيتكون عند المتدرب ما يسمى بالدين الأوكسجيني .وتزداد سرعة القلب وقت الخطفات إلى حدّ كبير ويرتفع الضغط الدموي ومقدار كريات الدم الحمراء والخضاب اثناء التدريب والمباريات،ويرتفع أيضاً سكر الدم وحامض اللبن الذي يصل تركيزه في الدم إلى أكثر من 13 ملغ% .

السباحة

عن بكر بن عبد الله بن الربيع الأنصاري أن النبي  (ص)  قال:”علموا أولادكم السباحة والرمي ونعم اللهو المؤمنة في بيتها المغزل” أخرجه السيوطي في الجامع الصغير وحسنه.. ورواه ابن عمر بلفظ “علموا أبناءكم السباحة والرمي“رواه البيهقي وقال المناوي:ضعيف لكن له شواهد تقويه…

وعن جابر بن عبد الله وجابر بن عمير أن النبي  (ص)  قال :”كل شيء ليس من ذكر الله لهو ولعب إلا أن يكون أربعة : ملاعبة الرجل امرأته،وتأديب الرجل فرسه،ومشي الرجل بين الغرضين،وتعلم الرجل السباحة“· صححه الهيثمي في مجمع الزوائد. وعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن النبي  (ص)  قال :”خير لهو المؤمن السباحة وخير لهو المرأة الغزل“·السيوطي في الجامع الصغير وضعفه.

السباحة رياضة طبيعية (7) تعتبر الأكثر نفعاً للجسم من غيرها من الرياضات.إنها تقوي جميع أعضاء الجسم،تنمي العضلات وتكسبها مرونة،إذ تشركها جميعاً في العمل دفعة واحدة وتزيد بذلك من قوة العمل العضلي.وهي رياضة خَلْقية تنمي الإرادة والشجاعة والصبر والثبات وتقوي ملكة الاعتماد على النفس. وبسبب ضغط الماء على الصدر والجذع أثناء السباحة يزداد عمق التهوية الرئوية (2) ويحتل السباحون بذلك مكانة عالية في اختيار السعة الحيوية والتي تزداد عندهم لأكثر من 30%من السعة المفترضة،كما تزداد الجاذبية الأرضية ويسهل عمل القلب،فيزداد حجم الدم الذي يدفعه في الدقيقة فيقوي القلب وينشط الدوران.

وتؤكد أبحاث الطب الرياضي أن السباحة تساعد العضلات الضعيفة على الحركة عندما يطفوا البدن فوق الماء كما تعمل مقاومة الماء للحركة نوعاً معتدلاً من تمرينات المقاومة تؤدي لاستعادة البدن لحيويته عقب حالات الضعف العام وفي فترات النقاهة من المرض أو بعد العمليات الجراحية.

وإن قوة دفع الماء إلى الأعلى تساعد على عملية الطفو التي تسمح لأجزاء الجسم المصابة بأنواع معتدلة من الشلل والضمور العضلي من الأداء الحركي، مما يحسن المدى الحركي للمفاصل التي قد أصابها التصلب نتيجة فترات طويلة من الراحة أو استعمال الجبائر،هذا علاوة على التأثير النفسي الحسن للسباحة وقدرتها على جعل المصاب متكيفاً مع العجز البدني.  ويرى د.الشطي (7) أن المتمرنين على السباحة منذ صغرهم لا أثر فيهم للتشوهات والأوضاع المعينة، لذا اعتبرت أبحاث الطب الرياضي السباحة أحد الوسائل العلاجية العامة لتصحيح بعض العاهات الجسمانية لا سيما إنحناء الظهر وتقوس الأرجل.

والسباحة تدرب وتقوي الجملة العصبية،وتعمل على تنظيم حرارة البدن أكثر من أي رياضة أخرى،وتعود الإنسان على تحمل البرد.وبما أنها تمارس في الماء فإن الحرارة الناجمة عن العمل العضلي تتعدل بالماء فلا ينتج عن الإفراط عند مزاولة هذه الرياضة ما ينشأ عن الإفراط في مزاولة غيرها من الرياضات (7).

وللتشمس أهميته في هذه الرياضة (7).فمن الثابت أن لأشعة الشمس تأثيراً منبهاً للأعصاب الودية عن طريق الجلد،كما أن سطح الجلد يمتص الأشعة ويدخرها ويولد منها قدرة كبيرة ومواد تنفع الجسم كالفيتامين د. وتأثر الأعصاب الودية بأشعة الشمس يتبعه تأثر كامل العضوية نتيجة تنشط الجملة الودية التي تنبه الألياف العضلية وتزيد نشاط الغدد الصماء بما فيها الغدة النخامية.   إلا أن الإفراط في التشمس له محاذير هو آثاره السلبية يتجنبها الإنسان بالتزام الاعتدال والتدرج بالتعرض للشمس بحيث لا يزيد في اليوم الأول عن خمس دقائق،وأن يتجنب العرض للشمس في ساعات الظهيرة الشديدة الحر وإلا تعرض لحروق ومتاعب هو بغنى عنها وخاصة إمكانية ظهور سرطانات الجلد وغيرها من الأذيات المهلكة.

مراجع البحث

1- د.نظال عيسى :”الطب الوقائي في الإسلام” دار المكتبي-دمشق 1997.
2- مختار سالم :”الطب الإسلامي بين العقيدة والإبداع” مؤسسة المعارف بيروت 1998.
3- د.غياث الأحمد :”الطب النبوي في ضوء العلم الحديث” دار المعاجم،دمشق.
4- د.عبد الرزاق الكيلاني :”الحقائق الطبية في الإسلام” دار القلم،دمشق.
5- د.محمد نزار الدقر :”روائع الطب الإسلامي(2):العبادات في الإسلام وأثرها في صحة الفرد والمجتمع” دارالمعاجم،دمشق.
6- د.حامد الغوابي :”بين الطب والإسلام” دار الكاتب العربي،القاهرة 1967.
7- د.أحمد شوكت الشطي :”نظرات في الولد وحبه وحقوقه” مجلة حضارة الإسلام الجلد 20 ع8/9 (1977) والمجلد 15 ع5 (1974)،دمشق.
8- ابن الأثير الجزري :”جامع الأصول في أحاديث الرسول  (ص)

أترك ردا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s