حسن البنا وعبد الناصر

عندما يتكلم التاريخ

شريط نادر يجمع نجيب وناصر والسادات على قبر حسن البنا

عبدالناصر : “أشهد الله على تنفيذ مبادئه والجهاد في سبيلها”

منى مدكور

عبد الرحمن البنا شقيق حسن البنا بين عبد الناصر وجمال سالمغلاف مجلة “التحرير” سنة 1954 م، أي بعد ثورة 23 يوليو بعامين، ويبدو فيها عبد الرحمن البنا شقيق الشهيد حسن البنا واقفا بين المقدم جمال عبد الناصر و الرائد جمال سالم، وهما أعضاء في الضباط الأحرار و أعضاء فى جماعة الإخوان المسلمين  في نفس الوقت.
حيث قرأ جمال عبد الناصر ومرافقوه الفاتحة على قبر مؤسس الإخوان المسلمين الشهيد حسن البنا،
و المعروف أن جمال عبد الناصر , إنقلب فيما بعد على الإخوان المسلمين واستولي على السلطة بمفرده، وأودعهم في السجون، وأعدم العديد من قياداتهم.

عثر قطاع الأخبار في التليفزيون المصري على شريط فيديو نادر جمع بين 3 رؤساء سابقين هم بالترتيب محمد نجيب وجمال عبد الناصر وأنور السادات في فبراير 1954، في حفل تأبين مؤسس جماعة الإخوان المسلمين حسن البنا، جرى على قبره في الذكرى الخامسة لاغتياله.

ويمثل الشريط الذي عثر عليه ضمن المواد الأرشيفية الأخبار باتحاد الإذاعة والتليفزيون واقعة تاريخية مهمة في تاريخ مصر الحديث وتاريخ جماعة الإخوان المسلمين، حيث يعد الوحيد من نوعه الذي يجمع الإخوان برجال سدة الحكم في مصر بعد قيام ثورة 1952.

فيما تضمنت مجلة “التحرير” التي كانت تصدر في ذلك الوقت، وصفا تفصيليا لهذا اللقاء الذي استقبلت فيه أسرة حسن البنا، قادة الثورة الثلاثة، نجيب وعبد الناصر والسادات، وكلمة التأبين التي ألقاها عبد الناصر، والتي أقسم فيها على تنفيذ مبادئ مؤسس جماعة الإخوان والجهاد في سبيلها.

وأكد عبد اللطيف المناوي رئيس قطاع الأخبار في التلفزيون المصري لـ “العربية. نت ” أن هذا الشريط يأتي ضمن مجموعة كبيرة أخرى من المواد الأرشيفية المهمة والتاريخية التي تم العثور عليها، منها مواد أرشيفية وتسجيلات نادرة لكل الأحداث التي شهدتها مصر على امتداد تاريخها، وكذلك الأحداث التي شهدتها المنطقة العربية والمناطق الساخنة في العالم، وسيتم التعامل معها من خلال بروتوكول التعاون الذي وقعه القطاع مع وزارة الاتصالات المصرية لرقمنة ( ديجيتاليز) هذه المواد الأرشيفية بطريقة تحافظ عليها، ومع معالجة التالف منها أيضا كجزء من التاريخ المصري والعربي وتقدر التكلفة المادية لهذا المشروع بـ25 مليون جنية مصري.

ويضيف المناوي أن “شريط البنا واحد من العديد من المواد الأرشيفية والوثائقية التي ستحفل بها عملية الأرشفة الرقمية، فهناك العديد من المواد النادرة الأخرى التي تمثل جزءا لا يتجزأ من التاريخ المصري والعربي وشاهد عيان عليه، مثل أشرطة تخص الثورة الجزائرية، وشريط آخر به تسجيل نادر لأنور السادات في مجلس الشعب السوري أيام الوحدة مع سوريا، وشريطان أحدهما عن حرب اليمن والثاني يظهر القوات المصرية المسافرة لليمن أيام ثورتها.

ولا يستبعد المناوي أن يعرض التلفزيون المصري هذه المواد الأرشيفية النادرة، لكن لم يتم حتى الآن وضع تصور لطريقة عرضها، سواء كان ذلك من خلال برامج متخصصة أو برامج موجودة حاليا، مشيرا إلى أنه من المهم أن يتم الحفاظ عليها تماما، وأرشفتها بطريقة رقمية، وبعد ذلك سيتم تحديد طريقة عرضها على الشاشة.

ويقول د.عمار “الإخوان طوال تاريخهم الذي امتد لأكثر من 80 عاما تعاونوا مع كل من تولى الحكم في مصر بداية من الملك فاروق، وصولا إلى السادات، بما في ذلك جمال عبد الناصر قبل حادث المنشية، حتى السادات تعاون معهم في وقت مخاصمته لكل القوى الوطنية في مصر بسبب تحالفه مع إسرائيل، وما زالوا يمدون أيديهم للتعاون مع نظام مبارك، إلا أنه يرفض ذلك تماما”.

ويوضح أن تبادل المنفعة بين الجانبين “الحكم والإخوان” هو أساس هذا التحالف الوقتي في كل عهود الحكم في مصر، حيث لا يمكن إغفال طابع الاستحواذ والتحكم التي يعمل من خلالها الإخوان، فتحالفهم مع أي حكم في مصر كان مفاده تحقيق أهدافهم ومبادئهم من خلال هذا التحالف، في حين أن الرؤساء المتعاقبين، كل في فترته، استغل الإخوان واعتمد عليهم كأداة في مرحلة انتقالية ليتم التخلص منهم بعدها.

وقال د.عمار علي حسن إن الفترة الذهبية للإخوان كانت أيام الثورة لدرجة أن أسرة حسن البنا توجهت إلى القصر الجمهوري لشكر عبد الناصر إثر القبض على قتلة البنا وتقديمهم للمحاكمة في عهده.

وعن تفسير سر عدم حضور المرشد العام للإخوان وقتها حسن الهضيبي لحفل تأبين البنا في ذكرى اغتياله، وعما إذا ما كان هذا احتجاجا على تردي العلاقة بين الإخوان وضباط ثورة يوليو وقتها، أوضح د.عمار “لا أعتقد أن تغيب الهضيبي كان احتجاجا على تردى العلاقة مع ثورة يوليو، لأن هذا الخلاف لم يظهر إلا في أكتوبر 1954، في حين أن هذا التأبين الذي جمعهم كان في فبراير من ذلك العام، أي كانت العلاقة بين الإخوان والثورة على خير ما يرام.

وأضاف: من المهم أيضا الإشارة إلى أن حسن الهضيبي تحديدا كان من أكثر المرشدين في تاريخ الإخوان اعتدالا، وكان ينبذ العنف، ورد الكثير من القيادات في الإخوان عن العنف والتطرف، لذا فمن المؤكد أن غيابه كان بسبب خاص به لا بسبب علاقة بالثورة به.

لماذا لم يحضر الهضيبي؟

إلا أن محمد حبيب نائب مرشد الجماعة، يعطي تفسيرا مغايرا لسر عدم حضور الهضيبي لحفل تأبين حسن البنا قائلا “لقد حاورت الهضيبي شخصيًّا في هذا الأمر رحمة الله عليه، وأكد لي أن هذا اللقاء هو الوحيد الذي جمع الرؤساء الثلاثة في كفة واحدة مع جماعة الإخوان في مصر، وهو الوحيد أيضا لجمال عبد الناصر عند قبر البنا منذ قيام ثورة 1952 وحتى وفاته عام 1970.

وأشار إلى أن اختفاء الهضيبي من تأبين البنا كان بسبب نقض عبد الناصر لعهوده مع الهضيبي، وأن هذا النقض كان قبيل حادث المنشية أو تحديدا تمثيلية المنشية التي أراد بها عبد الناصر أن يضرب الإخوان في مقتل، ويتخلى عنهم بعد أن فرغت مهمتهم في دعم الضباط الأحرار في بداياتهم.

ويدلي حبيب بشهادة هي الأولى من نوعها لـ “العربية .نت” حين قال: لقد توقع الهضيبي انقلاب عبد الناصر عليه، وقال لي: إن عبد الناصر قال له حرفيا “لا عهود بيننا ولا اتفاقات تجمعنا، وإننا لم نتفق على شيء سويا” في لقاء خاص بينهما جمع شهودا كانوا لوقت قريب على قيد الحياة، وكان ذلك عقب قيام الثورة بشهور قليلة، وهو ما أعطي انطباعا سلبيا لدى الهضيبي عن عبد الناصر ونيته القادمة تجاههم.

وأضاف: هذا يشير أيضا إلى أن الإخوان كانوا على علاقة بعبد الناصر والضباط الأحرار قبيل قيام الثورة وتحديدا أيام الملكية، وهو أمر يمثل حجر زاوية في دعم شعبية الثورة لاحقا في الشارع المصري، لذا كان بديهيا ألا يحضر الهضيبي هذا التأبين الذي قام به عبد الناصر حفظا لماء الوجه، وتأكيدا على أنه لم يغدر بهم، بل هم الذين غدروا به، في حين أنه كان مبيتا للنية على شيء آخر، وهو ما تحقق في حادث المنشية وقد تنبأ الهضيبي بهذا الأمر؛ لذلك لم يذهب.

صورة التأبين على غلاف مجلة

جدير بالذكر أن مجلة “التحرير” الصادرة بتاريخ 16/2/1954 العدد”44″ وهي إحدى صحف الثورة، وضعت صورة جمال عبد الناصر على قبر البنا على صدر غلافها، وذكرت في تفاصيل الخبر “أن رجال الثورة زاروا قبر الإمام الشهيد حسن البنا وقرؤوا له الفاتحة، ثم جلسوا يذكرون فضله وجهوده وحُسن بلائه، حتى قدم نائب رئيس الجمهورية جمال عبد الناصر كلمة تأبينيه، وكان في استقبالهم الشيخ أحمد عبد الرحمن البنا، وأشقاؤه الأساتذة: عبد الرحمن ومحمد وعبد الباسط وجمال، ومعهم نجل الفقيد السيد أحمد سيف الإسلام ممثلون للأسرة، وجمع غفير من رجال الدعوة الإسلامية وتلامذة الفقيد، منهم الأساتذة: عبد القادر عودة وصالح عشماوي وعبد الرحمن السندي وسيد سابق وعبده قاسم والشيخ محمد الغزالي والحاج محمد الصولي والحاج محمد جودة وغيرهم كثيرون”.

أما كلمة جمال عبد الناصر فقد جاء فيها: “إنني أذكر هذه السنين والآمال التي كنا نعمل من أجل تحقيقها، أذكرها وأرى بينكم مَن يستطيع أن يذكر معي هذا التاريخ وهذه الأيام، ويذكر في نفس الوقت الآمالَ العظام التي كنا نتوخاها ونعتبرها أحلامًا بعيدة”.

وأضاف في كلمته “نعم أذكر في هذا الوقت، وفي مثل هذا المكان كيف كان حسن البنا يلتقي مع الجميع ليعمل الجميع في سبيل المبادئ العالية والأهداف السامية، لا في سبيل الأشخاص ولا الأفراد ولا الدنيا” ثم قال: “وأُشهد الله أنني أعمل -إن كنت أعمل- لتنفيذ هذه المبادئ، وأفنى فيها وأجاهد في سبيلها”.

* مقال قديم نشر في العربية

أترك ردا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s