المدارس الدينية في سوريا

مرجل الثورة الذي كان يغلي

محمد منصور

المدارس الدينية في سوريافي مطلع شهر يوليو من عام 2006 نشرت وكالة (يو بي أي): تقريراً صحفياً تقول فيه إن حركة العدالة والبناء السورية المعارضة أدانت في بيان لها ما أسمتها (خطة تجفيف ينابيع المدارس الدينية في سورية من قبل النظام الحاكم). وقالت الحركة، في بيان أصدرته إن وزير الأوقاف زياد الدين الأيوبي أقال مدير التعليم الشرعي في سورية أسامة الخاني وعيّن محله لاحقاً فريد الخطيب لرفضه قبول قرار الوزير إيقاف التسجيل في المعاهد والثانويات الشرعية.. وأضافت أن هذا القرار يأتي مفاجئاً لعلماء الشام الذين وُعدوا من قبل النظام بحل مشكلة وقف التسجيل بالمعاهد الشرعية جذرياً وقريباً وذلك إثر رفع العلماء لعريضة الإحتجاج التي وقع عليها أكثر من 200 من كبار علماء سورية.. فما هي قصة المدارس الدينية أو ما اصطلح عليه لدى السوريين: (التعليم الشرعي) وأي أدوار لعبتها في المجتمع والسياسة وحركة التنوير وتجديد الخطاب الديني؟!

تاريخ يعود إلى القرن الخامس الهجري!

يمكن القول أن المقصود بالمدارس الدينية أو التعليم الشرعي في سورية، تلك الظاهرة ارتبطت بمدينة دمشق، دون أن نغفل تجلياتها في مدن سورية عريقة أخرى… ولكن يمكن القول أن دمشق مثلت على الدوام مركز إشعاع هام في هذا المجال، نظراً لدورها التجاري والاقتصادي ولمكانتها الجغرافية على طريق الحج، وللاهتمام الذي حظيت به باعتبارها مركزاً سياسياً في كافة الدول والعهود التي تعاقبت على حكم سورية.

ولا بد من الإشارة بداية أن ظاهرة المدارس الدينية بدأت بالانتشار منذ القرن الخامس الهجري، وكان الداعي لذلك كثرة طلاب العلم الذين غصت بهم المساجد، وأول مسجد حوِّل إلى مدرسة كان الجامع الأزهر عام 378هـ، وقد ملأت المدارس مدن العالم الإسلامي من مشرقه إلى مغربه، حيث قام الوزير السلجوقي (نظام الملك) في مطلع القرن الخامس الهجري، بتشييد العديد من المدارس في مدن المشرق الإسلامي كدمشق والموصل وبغداد وغيرها، وفي ذلك يقول مصطفى السباعي:
(كان ينشئ المدارس حتى في الأماكن النائية، وكان كلَّما وَجَدَ في بلدةٍ عالمًا قد تميَّز وتبحَّر في العلم بنى له مدرسة، ووقف عليها وقفًا، وجعل فيها دارَ كُتبٍ، وكان التلاميذ يتعلَّمُون فيها بالمجَّان، وللطالب الفقير فوق كل ذلك شيءٌ معلوم يتقاضاه من الريع المُخَصَّصِ لذلك) (1).

وقد تطور التعليم الديني في عهد نور الدين زنكي المعروف بنور الدين الشهيد في القرن السادس الهجري. ويذكر المؤرخون أنه كان في دمشق أيام حكم زنكي ما يزيد على ثلاثمائة وسبعين مدرسة، تقدم العلوم الشرعية لمن يرغب من الطلاب.. (2).

وقد زار الرحالة ابن جبير دمشق في القرن التاسع الهجري ووصف المدرسة النورية فيها بالقول: (من أحسن مدارس الدنيا مظهراً مدرسة نور الدين رحمه الله، وهي من القصور الأنيقة، ينصب فيه الماء في شاذروان وسط نهر عظيم، ثم يمتد الماء في ساقية مستطيلة إلى أن يقع في صهريج كبير وسط الدار فتحار الأبصار في حسن ذلك المنظر).

وتحفظ ذاكرة التاريخ أسماء عشرات المدارس التي نمت وتطورت في دمشق حتى القرن العاشر الهجري نذكر منها على سبيل المثال: “القيمرية ـ النجيبية ـ الغزالية ـ التدمرية ـ العادلية الصدرانية ـ الظاهرية ـ الشامية ـ السلطانية ـ الفردوس ـ العمرية ـ الشيخية ـ الجقمقية”… وغيرها الكثير. ولم تقتصر هذه المدارس في تلك الفترة على الوظيفة التعليمية فحسب، وإنما كانت أيضاً دوراً يولى فيها قاضي القضاة للنظر في بعض المسائل الفقهية عند اختلاف قضاة المذاهب أو غيرها من المسائل الأخرى.

العهد العثماني: قوة الأوقاف!

استمرت المدارس الدينية علامة مميزة من علامات (الإسلام الشامي) المتسم بالانفتاح والاعتدال والبعد عن الغلو مع التمسك بالأصول، وقد استفاد من البيئة الدمشقية التي تؤمن أن الصدقة التي تذهب إلى طالب العلم هي من أفضل الصدقات وأعظمها أجرا عند الله، كما استفادت المدارس الدينية من قوة الأوقاف التي تكرست في العهد العثماني وفي ذلك يقول يوهانس رايسنر في كتابه (الحركات الإسلامية في سورية):

(يمكن التكهن بمدى قوة تلك الأوقاف إذا عرفنا أنه كان يوجد في سورية ولبنان 4000 وقف في عام 1934 بقيمة تعادل 5000 مليون فرنك فرنسي، أما مردود تلك الأوقاف فكان يعود للمساجد التي كان عددها 5000 مسجد، وكذلك لمن يعملون بها، حيث يبلغ تعدادهم في سورية ولبنان أكثر من ثمانين ألفاً، وقد أدت تنحية العماء في مجال التربية والتعليم [المدارس الدينية] إلى احتجاجات كما أدى إغلاق مدارس الكتاب في حلب بتاريخ 13 فبراير 1934 إلى احتجاجات شديدة في المسجد الأموي ألقى خلالها الشيخ أحمد الصابوني خطبة لاذعة) (3)

أما على الصعيد الاجتماعي والديني فقد اجتذبت المدارس الدينية شرائح متنوعة تضم أبناء المدن من صغار الكسبة، وأبناء الريف من المنتمين إلى عائلات ذات مرجعية دينية تحقق لها سلطة اجتماعية ومن الوافدين من أواسط آسيا، أو شمال وقلب أفريقيا باحثين عن العلوم الشرعية في شام شريف… وبخلاف ما هو موجود في نجد والحجاز أو في الهند وشمال أفريقيا فقد وجد تقارب بين السنة (أتباع المذهب الحنفي) وبين المدارس الصوفية، وفي ذلك يذكر (بلس) في نهاية القرن التاسع عشر:

(لم أجد في سورية وفلسطين آثار العداء الشديد بين الصوفية والسنة كما هو الحال في شمال أفريقيا والهند). (4)

ولا بد أن نذكر أن الأمير عبد القادر الجزائري عندما اختار دمشق مقرا لمنفاه في القرن التاسع عشر، كان من أتباع المدرسة الصوفية، وسرعان ما أخذ عبد القادر الجزائري مكانته بين علماء ووجهاء الشام وقام بالتدريس في الجامع الأموي، الذي كان أكبر مدرسة دينية في دمشق كما قام بالتدريس قبل ذلك في المدرسة الأشرفية وفي المدرسة الحقيقية.

حراك الخمسينيات السياسي

على الصعيد السياسي كانت المدارس الدينية على الدوام، جزءاً من الحراك الأهلي الحر، الخارج عن الإطار الحزبي أو التنظيمي الصارم، ولهذا يمكن تمييزهم عن الأخوان المسلمين الذين دخلوا الحياة السياسية في سورية، أربعينيات القرن العشرين… وبدأوا حياتهم السياسية بتأييد انقلاب حسني الزعيم الذي رأوا أنه (كان ضروريا لإزالة الخبائث).. قبل أن يتعرضوا لاضطهاد من حسني الزعيم نفسه، ثم يتعرضون للمنع في عهد أديب الشيشكلي الذي أصدر منعا عاما على الأحزاب في نيسان عام 1952 ولكن بعد عودة الحياة الديمقراطية ترشح مصطفى السباعي عن الأخوان المسلمين في انتخابات فرعية بدمشق عام 1957 دون أن يكلل بالنجاح المرتقب. ويلاحظ يوهانسر راينسر أن رغبة الأخوان المسلمين في تثبيت مواقعهم على صعيد العمل القومي (قضية فلسطين) والوطني (دين الدولة) جعل نشاطهم الأساسي يتركز في المسائل السياسية الكبرى، وفي ذلك يقول:

(أن الأخوان المسلمين هم من صغار الكسبة إلا أن قادتهم تأقلموا مع الطبقة الارستقراطية العليا؛ فقد جاء لحضور زفاف مصطفى السباعي رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء ووزيرا الداخلية والتعليم وكذلك مدير الشرطة) (5)

كل هذا جعل من المدارس الدينية مختلفة عضوياً وبنيويا عن جماعة الأخوان المسلمين، فالأولى كانت تمثل النسيج الاجتماعي الديني الطبيعي، أما الثانية فهي تمثل جزءا من الصراع السياسي حتى وإن اشتركت في المنبت الطبقي باعتبارها أقرب إلى الطبقة الوسطى من صغار الكسبة أو الطبقة المتعلمة الناشئة التي تبحث عن دور اجتماعي وسياسي. ولعل هذا التباين تجلى في الصراع الذي خاضه الأخوان المسلمون أو دفعوا له في عهد حافظ الأسد أواخر السبعينيات وبداية الثمانينيات، فبينما حافظت المدارس الدينية وكافحت من أجل ألا تطالها يد القمع والاستئصال، لأنها تعتبر نفسها جزءا من سيرورة اجتماعية تشكل وجها من وجوه المجتمع الأهلي، وقع الأخوان المسلمون تحت مقصلة الأسد، وتوزعوا بين المنافي والسجون والمقابر!

التعليم الشرعي في عهد الأسدين!

وحين نصل إلى فترة حكم الأسد الأب لا بد أن نلاحظ أن التعليم الشرعي الأهلي في المعاهد الشرعية (الخاصة) قد مر بمراحل وصعوبات، تراوحت بين مد وجزر… فعدا عن أن الدولة لا تصرف ليرة واحدة على هذا التعليم، وعدا عن أنه قد حرم من موارد أملاك وزارة الأوقاف التي استولت عليها أجهزة المخابرات وأجرت مبانيها البالغة الثراء للمقربين بأسعار بخسة للغاية، وعدا عن أن التعليم الشرعي استمر بجهود وصدقات المتبرعين في الجوامع، وأهل الخير من الموسرين، فإنه في بداية الثمانينيات من القرن الماضي، ضيق نظام حافظ الأسد على التعليم الشرعي بشكل غير مسبوق ولاحق داعميه تحت تهمة جاهزة هي التعاطف مع الإخوان المسلمين آنذاك، وغازل آخرين من ناحية ثانية بتقربه من الشارع السني أكثر.. إلى أن تم اغتيال زاهر احمد كفتارو في منطقة (المليحة) بريف دمشق… وهو نجل المفتي العام للجمهورية الراحل أحمد كفتارو جعلت حافظ الأسد يزور أول معهد شرعي وهو معهد أبو النور في حي ركن الدين الدمشقي، (كفتارو حالياً) ليقدم التعازي للمفتي العام (ونقل مصدر قريب من الراحل كفتارو آنذاك أنه إذا أردت فأنا على استعداد لأقصف المليحة!! فرد عليه لا أريد الا شيئا واحد وهو التعليم الشرعي والمعاهد ألا تقفل وما تم إغلاقه يفتح). وبعدها قرر الاسد الأب إعطاء هامش محدود للتعليم الشرعي، بل وشرع في استغلال تسميات دعائية من قبيل (معاهد الأسد لتحفيظ القرآن) الى عام 2007 .

عمل وزير الأوقاف الحالي منذ ان استلم وزارة الأوقاف وبإيعاز من الأجهزة الأمنية وبشار الأسد الى التضييق على المعاهد الشرعية الأربعة في سوريا وهي:

– مجمع الشيخ أحمد كفتاروا (أضخم مؤسسة خاصة للتعليم الشرعي اذا يؤمه حوالي 56 جنسية عالمية لتعليم اللغة العربية والشريعة وفيه 4 كليات ومعاهد ودورات ويمتلك اكبر الميزانيات المالية للمعاهد الشرعية الخاصة عن طريق جمعية الأنصار) التي اعتقل القائمون عليها ومن بعدهم الشيخ صلاح الدين كفتارو بتهم فساد واهدار للمال العام !!! ثبت بطلانها فيما بعد.

– معهد الاسلامي ثاني أضخم المعاهد الشرعية في سوريا ويشرف عليه حسام وعبد اللطيف فرفور (المقربين من السلطة وما زالوا)

– معهد الزهراء (الأمينية) المتواجد عند باب صغير وفي المزة سابقا في جامع الزهراء.. اعتقل مديره عبد الله دك الباب وبقي قي السجن حوالي 5 الى 7 سنوات بتهم فساد واستغلال منصب غندما كان في مديرية الاوقاف في دمشق

– معهد الحصري في مدينة معرة النعمان وهو قبلة التعليم الشرعي في المنطقة الشمالية للمرحلة الاعدادية والثانوية فقط… ومعاهد أخرى!

كما تم تأميم جميع التعليم الشرعي الخاص وصادر أملاكه وأرصدته (كما فعل في معهد أبو النور إذ تم مصادرة 100 مليون ليرة سورية منذ 5 سنوات تقريبا لوزارة الوقاف) وأمر بإتباعه لمناهج وزارة الاوقاف او مناهج تشرف عليها من المؤسسة التعليمية! وألغى جميع مراكز تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها في المعاهد وتم انشاء معهد خاص لهم تشرف عليه المخابرات والأوقاف من أجل عدم نشر التطرف (كما حصل باعتقال عدد من الطلاب الجزائريين في دمشق وتسفيرهم) وعندما التقى الاسد بالعلماء الذين اعترضوا على تأميم التعليم الشرعي في سوريا والتضييق على الخطباء بمنع السفر.. قال لهم نحن في عمليه تنظيم فقط ولا تقلقوا.. وفي الحقيقة كانت عملية تجفيف لمنابع التعليم الشرعي في سوريا لا أكثر. (6)

استهداف التعليم الشرعي لصالح التشيع!

وقد وجهت اتهامات للواء هشام بختيار (الذي قضى في تفجير خلية الأزمة) في استهداف التعليم الشرعي فقد عين بختيار الدكتور علي سعد (من الطائفة المرشدية) وزيرا للتربية فحارب التعليم الشــرعــي، وطالب بتأليف كتاب تربيــة دينيــة لكل طائفة (دروز ، علوية ، إسماعيلية ، شيعة ، ســـنة) كما تابع وزيرا للأوقاف، المهمة، فمنع قبول الطلاب الأجانب والعرب في أي مؤسسة تعليمية سورية، ومنع منحهم إقامات، ومنع التمويل الخارجي لهذه المؤسسات، وأعفى كبار القائمين على التعليم الديني من عملهم مثل (عبد الرزاق الحلبي، سارية الرفاعي، والدكتور عبد الفتاح البزم، ود.حسام فرفور).

كما قام وزير الأوقاف محمد عبد الستار السيد، الذي عينه بختيار بدعم المؤسسات التعليمية الشيعية ومنحهم عشر ثانويات شرعية، تتبع الأوقاف، وتعترف بها وزارة التربية، وهي حوزات حولها إلى ثانويات شرعية. وأوكل هشام بختيار إلى السيد (عبد الله نظام) الذي يعرف بقربه الشديد من السفارة الإيرانية، بتنقية مناهج الثانويات الشرعية (السنية) من الأمور التي لا يرضى عنها الشيعة. وربما يوضح البيان الذي وقع عليه عدد من علماء الشام بخصوص حملة استهداف التعليم الشرعي والذي وقعه عدد كبير من العلماء من بينهم : (الشيخ محمد كريم راجح (شيخ قراء بلاد الشام) الشيخ عبد الرزاق الحلبي- الدكتور وهبة الزحيلي الدكتور محمد محمد الخطيب (وزير الأوقاف الأسبق) الشيخ صادق حبنكة- الشيخ أسامة عبد الكريم الرفاعي – الشيخ سارية عبد الكريم الرفاعي – الشيخ محمد علي الشقير- الشيخ صلاح الدين أحمد كفتارو- الشيخ محمد زياد الحسني الجزائري- الدكتور محمد راتب النابلسي- د. محمد سعيد رمضان البوطي) وغيرهم طبيعة الإجراءات التي اتخذها نظام بشار الأسد حيث جاء في بنوده

1- إن من الممكن تنفيذ الهدف الرامي إلى إحداث المرحلة الأساسية مكونة من حلقتين الابتدائي والإعدادي ، وتدريس مقرراتها كاملة، دون الحاجة إلى حذف المقررات الشرعية التي يكلف بها طلاب المعاهد والثانويات الشرعية من حلقة الإعدادي فيها ، وتلك هي الحال في مدارس الشويفات، تدرس فيها مقررات المرحلة الأساسية مضافاً إليها زيادات غير موجودة في مدارس الدولة ، ولم يعترض أحد على تلك الزيادات ولم تطالب إدارة تلك المدارس بحذفها . ولكن الخطة المرسومة في وزارة التربية تهدف إلى تجفيف روافد الثانويات والمعاهد الشرعية ثم القضاء عليها وذلك لأن الطالب إذا تجاوز الحلقة الثانية من المرحلة الأساسية بعيداً عما لا بد منه من المقررات الشرعية الممهدة فإنه لن يجد ما يدعوه تربوياً ولا ثقافياً إلى التحول إلى الدراسة الشرعية ولسوف يختار ما هو أمامه من الفرع العلمي أو الأدبي وبذلك يتم القضاء على المعاهد والثانويات الشرعية من حيث هي.

2- إن تسكين الهياج القائم اليوم في صدور الآباء والأمهات لهذا البلاء الذي فوجئوا به عن طريق الوعد بإحداث معاهد شرعية متوسطة ألعوبة لا تنطلي على أحد ولا يمكن لها أن تخدر المشاعر أو أن تبرد لظى هذا الهياج، إن المقصد الذي لا بديل عنه ولا تعيض عنه كنوز الدنيا أن تتوفر لأولاد هذه الأسر في مرحلة المراهقة ضمانات التربية الدينية والسلوك الأخلاقي الأمثل وإنما ميقات ذلك الحلقة الأولى في منهاج المعاهد والثانويات الشرعية يليها ما تتممها من الدراسات الشرعية اللازمة في الحلقة الثانية وإذا زج بالتلامذة في مرحلة المراهقة داخل تيار الضياع الأخلاقي وبين أمواج النزوات النفسية فهيهات للمعاهد المتوسطة أن تصلح فساداً أو أن تقوم أي اعوجاج لا سيما إن أخذنا بعين الاعتبار ما يلي:

– من المعلوم أن معظم المدارس الابتدائية وماكان يسمى بالإعدادي في الأرياف وضواحي المدن مدارس مختلطة وقد كانت الأسر المحافظة المقيمة في تلك الأماكن تفر بأولادها من آفات الاختلاط وآثاره الشائنة إلى الثانويات أو المعاهد الشرعية بدءاً من المرحلة الإعدادية، ولكن الخطة ترمي اليوم إلى سد هذا السبيل في وجوه الأسر وإنما الأداة إلى ذلك إلغاء المرحلة الإعدادية من المعاهد والثانويات الشرعية.

– إن الحوزات الشيعية ماضية في تجاهل هذا التعميم مصرة على عدم الاستجابة له ومدارس الشويفات تضيف إلى منهاج المرحلة الأساسية ما تشاؤه من الزيادات في الساعات والمقررات والمدارس التبشيرية الأجنبية ماضية في مناهجها الخاصة بها وأساليبها التربوية دون أي معارضة ولا إشكال. ترى ماهي الحكمة من أن ينزل هذا البلاء برأس المعاهد والثانويات الشرعية وحدها؟ وأن تمضي هذه الخطة في التطبيق على التربية الدينية عموماً ومناهج التعليم الشرعي خصوصاً حتى الاختناق؟ وماذا لو فضحنا الخفايا واستشهدنا بما يعرفه بعض موظفي وزارة التربية من رسم خطة تآمرية مقصودة للإطاحة بدين هذه الأمة وثقافتها الإسلامية وتراثها الشرعي؟ (7)

أقوى تبرير للثورة!

كل هذا الواقع المؤلم، الذي قاومت فيه مؤسسات التعليم الشرعي الأهلية، الضغوط والعسف والاستهداف… أنجب حراكاً ثورياً قوياً حين انفجرت الثورة في وجه نظام بشار الأسد في آذار من عام 2011، خرج طلاب تلك المدارس ومنسبيها ليتظاهروا من المساجد، وبرزت منذ الأسابيع الأولى مواقف أساتذتهم الكبار أمثال الشيخ كريم راجح، والشيخ سارية الرفاعي، والشيخ أسامة الرفاعي وسواهم… وحين ودعوا أثناء الثورة شيخهم الجليل عبد الرزاق الحلبي، في الرابع من شباط 2012 ، تحولت جنازته إلى مظاهرة كبرى.

لقد حملت المدارس الدينية مشعل الحرية، لأنها رأت في معركة الحرية معركة نهوض اجتماعي وأهلي، قبل أن تكون معركة بحث عن سلطة… وعندما رأت أحد رموزها (د. محمد سعيد رمضان البوطي) وقد تمادى في الاصطفاف وراء الديكتاتور وتبرير جرائمه، أسقطت عنه كل هالته السابقة، وانفض طلابه من حوله، وتركوا دروسه المصورة لحفنة من رجال الأمن والمخبرين يملؤون زاوية التصوير في حضرته!

وبخلاف جماعة الأخوان المسلمين تميزت القاعدة الشعبية لمدارس التعليم الشرعي بروح شابة، نابضة على الأرض، استطاعت أن تحقق حضورا فاعلا في مظاهرات الثورة وحراكها السلمي طيلة أشهر عدة… بينما بدا الأخوان المسلمون وقد شاخوا وكبروا في الخارج… ومن الطريف أن قائمة (شباب الأخوان) قادها الأستاذ ملهم الدروبي في انتخابات المجلس الوطني الأخيرة وهو على أبواب الخمسين من العمر..

من هنا يبدو الحديث عن طلاب المدارس الدينية، مختلفاً تماماً عما يبدو في نظر البعض (ظاهرة إسلام سياسي) توضع فيها كل التيارات في سلة واحدة… وربما كانت اليوم عنواناً من عناوين الحل أو الانفتاح على حلول، حين ترفض قوى الثورة استئثار جهة بتمثيل سياسي يردد كثيرون أنه: يتجاوز حجمها على الأرض!

الهوامش والمراجع:
(1) مصطفى السباعي: (من روائع حضارتنا). طبعة دار السلام – القاهرة: 1998
(2) عبد الكريم بكار: (التعليم الشرعي وصناعة التهميش) موقع رابطة العلماء السوريين 1/10/ 2009
(3) يوهانس رايسنر: (الحركات الإسلامية في سورية من الأربعينيات حتى نهاية عهد الشيشكلي) دار رياض الريس ط1- 2005
(4) المرجع السابق: ص 105
(5) المرجع السابق: ص 419
(6) معلومات خاصة أمدنا بها الزميل موسى العمر.
(7) بيان نشر عام 2007
* محمد منصور : رئيس تحرير أورينت نت

أترك ردا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s