اقتصاد التشيع

تحرير الرقة يضرب “أكبر استثمارات” إيران في الصميم

إيثار عبد الحق

2013-03-10

الرقة والتشيعقد لا تعني خسارة الرقة للنظام السوري كثيرا أو هكذا يبدو، رغم أن المحافظة المنسية تساهم بنسبة ملموسة في دعم الإنتاج الزراعي، فضلاً عن احتوائها السدود الثلاثة الكبرى في سوريا، بما تقدمه من إمكانات ري ضخمة وتوفره من طاقة كهربائية.

ولكن خسارة الأسد للرقة أكبر من أن تعوض، لأنها الخسارة الأعظم لـ”أكبر استثمارات” إيران في سوريا، بل وربما في المنطقة كلها.

 تقية اقتصادية

ويرى المهتمون بتاريخ إيران الحديث، لاسيما بعد ثورة الخميني عام 1979 أن إيران لم تكتفِ باعتماد مبدأ التقية الدينية بل ألحقته بـ”تقية” سياسية واقتصادية، صار من العسير معها أن يتم التوصل إلى الأرقام التي تصرفها حكومة الملالي على نشاطات التشييع في مشارق الأرض ومغاربها، فما بالك إن اجتمعت تقية طهران، مع تعتيم ديكتاتور دمشق في جسد واحد!

وأبعد من ذلك، يعرف المتابعون للعلاقات الإيرانية السورية، أن طهران لم تقدم يوماً قرشاً واحداً يفيد الشعب السوري مباشرة، وأن دعمها كان موجها لتقوية النظام تحديدا، وما شذّ عن هذه القاعدة فهو قليل ولا يكاد يذكر، حتى إن هناك استغرابا كبيرا من الهوّة التي تفصل بين متانة وتجذر العلاقات السياسية والعقائدية من جهة، وبين الوهن الذي يضرب أطنابه في العلاقات الاقتصادية، لدرجة أن أقل البلدان ارتباطا بسوريا، يمكن أن تكون لديه استثمارات تفوق استثمارات طهران.

ولكن وبنظرة أعمق، فقد كان لدى طهران ما تنفق عليه أمولا طائلة في سوريا، لا سيما في مجال تسليح النظام ومده بخبرات القمع والتجسس، إلى جانب نشر مذهب الدولة الإيرانية التي بناها الخميني، على أسس يختلط فيها المذهبي بالسياسي بالتاريخي اختلاطا خطيرا ومريبا، يستعيد معه مذهبا شبه مدفون وتاريخا شبه منسي وعقائد سياسية فاقدة الصلاحية تقريبا.

 وهذا الإنفاق على الجوانب المخفية، ربما يكون التفسير الوحيد لضآلة الاستثمارات الإيرانية في المجالات التي يفترض أن يقدمها أي حليف لحليفه بشكل تلقائي!

للتقريب

ولكن ولتقريب الصورة، وللأخذ بكلام رسمي والبعد عن كل التكهنات رغم صحة بعضها، يكفي أن نذكر بأن ايران تنفق 100 مليون دولار سنويا في أفغانستان على نشاطات تشيع مختلفة، بدءا من من دعم وسائل الاعلام وانتهاء بالمدارس الدينية، كما أكد ذلك داود مراديان المستشار السابق لوزارة الخارجية الأفغانية، في تصريح لم يمضِ عليه بضعة شهور.

 فمن الطبيعي مع هذه التقديرات أن يكون إنفاق إيران في سوريا أكبر، أولاً لأن سوريا أكثر أهمية من أفغانستان، وثانيا لأن سوريا تمثل وسطا أشد صعوبة في نشر التشيع حيث يتم العمل في وسط سني شبه خالص، ما يقتضي إنفاقاً أكثر، وثالثاً لأن مستوى الدخل في سوريا يبقى أعلى منه في أفغانستان المصنفة من أفقر بلدان العالم، ما يعني أن “الدفع” ينبغي أن يكون في سوريا مضاعفا عنه في أفغانستان.

 ومع هذا فلنرضَ بالقول إن سوريا توازي أفغانستان تماما، لنكتشف أن إيران أنفقت ما بين 500 و700 مليون دولار، خلال السنوات الأخيرة، التي باتت تعمل فيها داخل سوريا بشكل علني، أما إذا أضفنا ما سبقها من سنوات العمل “السري” والنشاط “غير المباشر” فإن الرقم السابق سيغدو مضروباً بعشرة أضعاف على أقل تقدير.

 المحافظة المنسية

وبالعودة إلى موضوع “الاستثمار الإيراني الأكبر” الذي ضربته عملية تحرير الرقة في مقتل، لابد من استذكار ما ثار قبل بضعة سنوات عن حركة تشييع نشطة في المنطقة الشرقية من سوريا، وتحديدا في دير الزور والرقة، والحقيقة أن طهران اختارت تلك المنطقة لعدة اعتبارات، أولها فقر سكانها العائد لإهمال النظام السوري، وثانيهما بعد المنطقة عن المراكز الكبرى، حيث يمكن لإيران أن تعمل دون إثارة كثير من الضجيج حولها، وثالثهما أن المناطق المستهدفة يمكن -في حال النجاح بتغيير وجهها المذهبي- أن تصبح سدا منيعا وحاجزا بين غرب العراق والداخل السوري، اللذين ينتميان لمذهب واحد، ما يجهض أي تحرك مستقبلي لتعاون هاتين المنطقتين أو اتحادهما!

 وباعتبارها ليست منسية من النظام وحسب بل ومن معظم السوريين، إذ يندر أن تجد سورياً زارها أو يعرف عنها شيئا، ركّز ملالي طهران على الرقة، حيث الأرض الواسعة والكثافة السكانية القليلة، والبؤس الاقتصادي العائم على بحر من التهميش العلمي والاقتصادي المقصود من قبل نظام الأسد، بفترتيه الحافظية والبشارية.

 جوهرة التاج الصفوي

ومنذ أن أطلق بشار الأسد يد إيران لنشر مذهبها في سوريا، أنفقت طهران ما لا يحصى من الأموال على التشييع، وخصت الرقة بنصيب وافر من الأموال التي وزعت بعضها على شخصيات اعتبارية تم “اصطناعها” ولا مجال لذكرها الآن، فهي معروفة لكل من يراجع قصة التشيع في الرقة ويعرف “أبطالها” عن قرب.

 أما القسم الآخر من الأموال فأنفقته طهران على بناء مؤسسات ظاهرها “نشر الثقافة الإسلامية”، و”إعادة الاعتبار لأهل البيت”، وباطنها لم يعد يخفى على أحد، مما كان مكشوفا سابقا وأكملت الثورة السورية كشفه بالكامل وعلى الملأ.

 ولأن خطط طهران كانت مرسومة على المدى البعيد، فقد استحقت الرقة لقب “جوهرة التاج الصفوي”، كما كانت الهند من قبلها “جوهرة التاج البريطاني”، حتى بات الكلام عن بناء الحوزات (مراكز تعليم شيعية) في الرقة مباحا وصريحا لايحتاج إلى تورية، وبات النشاط الإيراني يحاول مد أذرعته إلى مجالات أوسع، ويخطط –كما يروي أهل المنطقة- لبناء مطار خاص باستقبال الشيعة لزيارة “أرض الميعاد الجديدة”.. في الرقة!

 وأخيرا، يروي مصطفى طلاس صديق حافظ الأسد في معظم محطاته، أن حافظ علق على تولي الخميني سدة الحكم في طهران بالقول: لقد كسبنا بعثيا آخر!، والحقيقة أن حافظ كما يعلم الجميع كان يختبئ خلف البعث، فبه قفز إلى السلطة، وبه غطى على طائفيته، وبه حكم السوريين وحاول حكم العرب أجمعين تحت عباءة العروبة، فلا غرابة أن يتلطّى خلف الحزب ليصف الخميني بأنه بعثي جديد، والحقيقة أنه كسب طائفيا جديدا إلى صفه، وأوصى به وريثه، الذي حفظ الوصية وفاق أباه!

أترك ردا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s