الثورة السورية و النظام العالمي

قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ
قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ ﴿٤٩﴾” سبأ

ربيع عرابي

r001لعل السؤال الكبير الذي أطلقته الثورة السورية في عقول جميع المراقبين والمهتمين بشأنها هو : ماالذي يسعى الثوار السوريون لتحقيقه من ثورتهم هذه؟… وماهي مآلات هذه الثورة وأهدافها البعيدة؟… وهو السؤال الصعب الذي يؤجج الخوف الروسي، و  القلق الأمريكي الغربي، والتوجس العربي، و التردد لدى جميع الحركات والتيارات السياسية، على اختلاف مشاربها ورؤاها.

ومرد ذلك الخوف كله والعداء الظاهر أو المستتر، أن الثورة السورية قد كسرت خلال عمرها المديد، العديدَ من الحواجز التي لم يتجرأ أحد على كسرها من قبل، فقد تجاوزت كل الخطوط الحمراء والصفراء والسوداء التي رُسِمَت خلال عشرات السنين، وتكلمت وجاهرت بما لم يعد أحد يتجاسر على الهمس به خوفا من الجدران وآذانها.

بدأت الثورة بسيطة متواضعة، تطالب بإصلاحات معقولة قليلة، ثم انتقلت لتطالب برأس النظام، ثم بإزالة السلطة القائمة ومحاسبتها، ثم بإسقاط النظام كله بكافة رموزه ومفاصله، ثم بإعادة بناء الدولة بمجملها على وجه جديد وشكل جديد.

بدأت الثورة سلمية خجولة تواجه البطش بصدور عارية وحناجر صادحة، ثم تحولت إلى مظاهرات صاخبة وجموع حاشدة، ثم طالبت بالحظر الجوي وبتدخل الأصدقاء الأتراك والأحباء في الناتو والإخوة في الأمم المتحدة، ثم رفعت السلاح البسيط لتدافع عن نفسها بعد أن خذلها الجميع، واستجدت السلاح والذخيرة واللقمة من الأصدقاء والسياسيين وتجار الحروب، ثم تركت كل هؤلاء وأولئك لتستصرخ بأعلى صوتها جبار السموات والأرض طالبة منه العون والمدد : مالنا غيرك ياالله … فانفتحت لها أبواب السماء بعد أن أغلقت أبواب الأرض، وجاءها النصر والمدد من الجبار القهار.

بدأت الثورة مطالبة بإزالة بعض المظالم هنا وهناك، تاركة سيادة الدولة والأمة والناس لبائع الجولان وتجار الدماء، ثم تحولت للمطالبة بنوع من الإستقلال الذاتي وحق تقرير المصير الجزئي، ثم طالبت بحريتها كاملة، مقدمةً التعهدات حالفةً الأيمان المغلظة بأنها ستحافظ على مصالح جميع اللصوص الدوليين والمحليين، وبأنها لن تُخِلَّ بأي توازن أو توافق دولي، ثم صاحت بملء فيها بأنها لن تقبل إلا بسيادة كاملة غير منقوصة، لتكون لها اليد العليا والكلمة الفصل، فتقبل ماتشاء من أوضاع وترفض ما تشاء، فهي لن تكون ملزمةً باتفاقياتِ وتوازناتِ اللصوص وقطاع الطرق، ولن تُقِرَّ بباطلٍ بُنِيَ على باطل قامت أسُسُه على باطل.

ترى ما الذي قاد الثورة السورية إلى هذا التحول المنهجي والتغير الكبير، وكيف انتقل الثوار السوريون من مطالبهم المتواضعة إلى هذا المستوى من الطموح العالي .

عاش أبناء الشعب السوري خلال القرن الأخير، والعقود الخمسة الأخيرة على وجه الخصوص، وهم يرون عملية النهب المنهجية لثرواتهم، والتحطيم الهمجي لحضارتهم ومثلهم وقيمهم، والتخريب المتعمد لوسائل عيشهم، حتى وصل بهم الحال في أواخر حقبة عصابة الأسد إلى الإكتفاء بالتمتع بنعم الحياة ومباهجها عبر شاشات التلفاز، ومن خلال رؤية مسلسلات وبرامج الترف الفضائي، بعد أن كانوا أثرياء الدنيا وسادة تجارتها وصناعتها، يصدرون لها اللحم والقمح والخز والحرير.

ومع ذلك فقد استمر الصبرُ رائدَهم والتسامحُ شيمتَهم، فغالبوا المصاعب، وامتهنوا الغربة بحثا عن لقمة العيش، وتسامحوا مع حثالة القوم من جميع الطوائف الكريمة، وهم يسرقون عرقهم ويدوسون على كرامتهم ويغتالون حريتهم.

وما إن نفخ في الصور حتى ذُهِلَ من ذُهِل وصُعِقَ من صُعِق … فلم يشأ أحد في هذه الأرض كلها أن يصدق  أن هؤلاء الجياع المنهوبين الذين هُجِّرَ نصفهم خارج وطنه … وألقي مئات الألوف منهم في أقبية المعتقلات تُصَبُّ عليهم أبشع تقنيات التعذيب الروسية والصينية والمجوسية … وتكالبت عليهم أمم الدنيا كلها قريبها وبعيدها مؤمنها وكافرها … لم يشأ أحد أن يصدق أن هؤلاء قد وقفوا وصاحوا : لا … فقد نُسِيَ صوتهم منذ زمن بعيد … لقد قالوا : لا … وبملء فيهم … قالوها بكل لغات العالم وبكل لغات الجن والإنس والملائكة … قالوها باللسان واليد والقلب … وقديما قالوا : إحذر غضبة الحليم.

سحابة صيف عارضة … ستولي بشيء من الترغيب والترهيب … ستعالجها الحلول الأمنية المجوسية أو الروسية … أو المناورات والمداورات الغربية والإقليمية … لكن السحابة لم تكن عارضة … بل تحولت إلى ريح عقيمٍ فيها عذابٌ أليم … تُدَمِّرُ بأمر الله صروح المجرمين القتلة … وتغسل بدموعها المنهمرة غبار وركام و أوضار زهاء قرن من الزمن.

لم ينفع الترغيب ولا الترهيب … ولا الاحتواء ولا الحرمان … ولا مكر الشياطين ولا صلف المتكبرين … فهذه الثورة : صنعُ الله وقدرُ الله ومشيئةُ الله … قامت حين لم يتوقع أحد أن تقوم … في البلد الذي استحكمت فيه يد المجرمين من كل حدب وصوب … وسارت خطواتها على عين الله … وهي ستنتصر حتما بنصر الله … بعد أن أخلصت قلبها وروحها لله … وأرخصت دماءها في سبيل الله.

فما الذي يُرعِبُ الأعداء والأصدقاء في هذه الثورة، فيحسبون لها ألف حساب ويمكرون من أجل السيطرة عليها كل هذا المكر.

بدأ انهيار المنظومة الإسلامية العالمية عقيدةً وثقافةً واقتصاداً واجتماعاً ودولةً منذ أواسط القرن التاسع عشر الميلادي، لتستلم الزمام في العالم كلِّه شيئا فشيئا مجموعة من الفاسدين المفسدين، من أديان شتى وعرقيات مختلفة وثقافات متعددة، وقامت هذه المجموعة من الفاسدين  بنشر ثقافة الإنحلال والدناءة النفسية والفكرية، فقلبوا موازين القيم كلها عاليها سافلها، فأصبح نعيق الغراب طربا … وقفز القرود رقصا … وسفاهة الجهلة أدبا … وعري الأجساد تحررا … والفاحشة والشذوذ حقوقا … والسرقة شطارة … والمكر والكذب والخداع ذكاء ومهارة … والقنبلة الذرية والتلاعب بخلق الله علما … والتجارب البيولوجية والكيميائية إنجازا … وموائد القمار تجارة … والشركات العالمية إقتصادا … واحتلال البلاد وإذلال العباد ونهب الموارد استعمارا وتنمية … وأصبح المعروف منكرا والمنكر معروفا.

واستخدمت بعد غياب المسلمين أو تغييبهم عن مسرح الحياة في بداية القرن العشرين كل وسائل التغرير والخداع والمكر لسوق الناس تحت شعار العولمة كالقطيع وراء سعار الشهوات، فأصبحت غاية المرء أينما كان هي التشبه بالساقطين والساقطات ممن أطلق عليهم لقب النجوم، التشبه بهم في لباسهم وحركاتهم وأخلاقهم، واختصرت مباهج الحياة عند الكثيرين بسيقان راقصة، وكأس خمر، ولفافة مخدرات، وانكفأت الحياة عند الباقين لتختصر في بيت بائس، ووجبة سريعة، وشهوة عابرة، يقضيها على عجل لئلا يفوته قطار الحياة، وباع الناس من أجل ذلك كرامتهم وحريتهم وقيمهم للحصول على النذر اليسير من هذه الشهوات المعروضة أمامهم صباح مساء، دون أن يمتلكوا القدرة ولا الوسيلة للوصول إليها، إلا بعد أن يصبحوا عبيدا لدى الجهات الجديدة التي استلمت قيادة العالم .

وهكذا أصبح الناس أرقاء لدى النظام العالمي الجديد الذي تقاسمت النفوذ فيه : مافيات الأمن … وعصابات المخابرات المرخصة وغير المرخصة العلنية منها والسرية … والشركات العالمية المتعددة الجنسيات والتي تنفق بسخاء على عصابات الأمن وأشباه الجيوش، هذه الشركات التي خنقت الإقتصاد العالمي ووضعته على شفير الإفلاس، وحولته إلى مائدة قمار كبيرة … والمؤسسات الإعلامية العالمية التي تخصصت في تخدير وتهجين وتطويع العقول والأفكار بالمكر والخداع، أو مداعبة الشهوات وتزيين الفساد والإنحلال الفكري والأخلاقي … والمؤسسات العلمية التي خرجت أجيالا ممن تبدأ ثقافتهم بتمجيد القرود وعبادة الشذوذ وفاء لأساتذتهم داروين وفرويد، وتنتهي بتوظيف العلوم لإبادة البشر والحجر والتلاعب بسنن الحياة وتغيير خلق الله … ومنظمات الجريمة التي راجت تجارتها سواء بالسلاح، أو الرقيق والجنس، أو الأطفال أو الأعضاء، أو المخدرات والسموم، أو القتل المأجور والتخريب والتدمير عبر ما يسمى بالشركات الأمنية.

وأدير هذا السيرك الإجرامي الكبير منذ بدايات القرن العشرين وعقب انهيار الدولة العثمانية وإبعاد المنظومة الإسلامية عن قيادة العالم، عن طريق مادعي بالنظام العالمي الذي أشرفت عليه عصبة الأمم عقب الحرب العالمية الأولى، ثم بعد ذلك هيئة الأمم بعد الحرب العالمية الثانية، ومايدور في فلكها من منظمات وهيئات ثقافية وإغاثية وعلمية ورياضية وتجارية وغير ذلك.

أدير النظام العالمي والنسخة المعدلة منه عبر هذه المجموعة الفاسدة المسيطر عليها أمنيا وإقتصاديا وإعلاميا وأخلاقيا وفكريا، فكلفت العالم أجمع مئات الملايين من القتلى والمشردين والجائعين والمعذبين والمقهورين، وأورثت جيلا كاملا من العبيد وحفنة قليلة من المتسلطين المتجبرين الذين يحاولون التحكم بمصير الخلائق.

وحتى لو أراد بعض هؤلاء العبيد التخلص من قيودهم وأغلالهم، والصدع بكلمة الحق في يوم من الأيام، فلن يتاح لهم ذلك، إذ سرعان ما تُصَوَّبُ إلى صدورهم بنادق أجهزة الأمن، أو تُفَرَّغُ أرصدتهم وجيوبهم من المال، أو تُشَوَّهُ سمعتهم عبر وسائل الإعلام، أو تُنْشَرُ صور فضائحهم الأخلاقية على الملأ.

هذا هو ما أنجزه النظام العالمي القديم والجديد والمعدل من فساد وإفساد وضلال وتضليل.

و انطلقت ثورات الربيع العربي من تونس كاشفة أمامها حجم الفساد والإنحراف والعبودية التي غُمِسَت فيها الشعوب، إلا أنها لم تتجرأ على التبرؤ منه، وإعلان القطيعة الكاملة معه.

إلى أن انطلقت الثورة السورية خجولة حيية … بمطالب لا تزيد عن إصلاحات محلية محدودة … إلا أن قدر الله الغالب الذي طمس أعين المجرمين … وأعمى بصرهم وبصيرتهم … قدر الله الذي رعى خطوات هذه الثورة المباركة خطوة خطوة … قاد إلى هذه المواجهة المحتومة والأكيدة والفاصلة .

فأعلنتها الثورة السورية واضحة جلية … مالنا غيرك ياالله … قالت للنظام العالمي كله : “لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ﴿٦﴾”-الكافرون … لكم أنظمتكم ولنا نظامنا … لم تقبلوا وجودنا في يوم من الأيام … عذبتمونا وقهرتمونا وقتلتمونا عندما كنا نصارى فأطعمتم لحومنا للأسود الجائعة … في مهرجانات لهوكم وفسقكم … وحاربتمونا عندما أصبحنا مسلمين تحت شعار الصليب إفكا وزورا … ونحن اليوم وبعد هذه الثورة المباركة … لن نقبل أن يتسلط على رقابنا نظامكم وفسادكم وشياطينكم.

وهنا يكمن لب القضية، وهذا بالضبط ما أشار إليه الأحمق المطاع بشار في خطابه حين قسم الثائرين إلى قسمين اثنين، قسم وصمه بالإرهاب وقال أنه لن يتفاوض معه ولا يعترف بوجوده، وأنه شريك للغرب والنظام العالمي في محاربته، وقسم آخر هو المعارضة السياسية التي تعمل تحت سقف الوطن أي سقف النظام، وسقف النظام العالمي الجديد، وتخضع لقوانينه، وتلتزم حدوده، وفي هذه الحالة فإنه يفضل التفاوض مباشرة مع أسيادها في النظام العالمي، بدلا من إضاعة الوقت في التفاوض معها.

وترددت نفس التعابير والمصطلحات في كلمات العديد من المسؤولين على كافة الأصعدة والمستويات : فالحل في سوريا سياسي وليس عسكري … لا يمكن تغيير النظام بالقوة وإنما بحل سياسي سلس … يجب الإبقاء على مفاصل النظام الرئيسة كالجيش والأمن والرئيس والشبيحة … يجب التعهد باستمرار سوريا ضمن النظام العالمي وعدم خروجها عليه وإلا سيصار إلى تقسيمها وتقطيعها واحتلالها وحتى إلغائها من الخريطة……

وانبرى العديد من الخائفين على مستقبل سوريا ليتحدثوا عن الحفاظ على مؤسسات الدولة وحمايتها، خوفا وتوجسا من الجنين الذي تحمله هذه الثورة في أحشائها، والذي يمكن له لو بلغ غايته أن يقلب موازين الدنيا ويعيد الحق إلى نصابه.

فقد قالت الثورة السورية لا لعصابات المخابرات العالمية … لا لمشاريع مارشال وأولاد عمه بقيادة الشركات العالمية الصهيوصليبية … لا لموائد القمار الإقتصادي … لا لمؤسسات نشر الفساد الإعلامية … لا للغزو الثقافي والفكري والخلقي والديني … لا لمنظمات الجريمة … ولا وألف لا لمن يرعى ذلك كله ويحميه ويديره من أمم متحدة ومنظمات إقليمية وما شابه.

هذه أرض الله … ونحن عبيد الله … نعيش فيها بما يرضي الله … ونحن أمة عريقة لها نظام عريق وتجربة عريقة ونجاحات عريقة في كل جوانب الحياة … نحن لسنا بحاجة إلى تعريف … ولسنا بحاجة إلى تزكية … فقد عرَّفَنَا وزكَّانا ربنا … فنحن ملة أبينا إبراهيم هو سمانا المسلمين من قبل واليوم لنكون شهداء على الناس … ولا يغفل عن شرفنا وفضلنا ومكانتنا إلا كل أعمى البصر والبصيرة.

نحن لا نحتاج إلى أنبيائكم … ومنذا الأحمق الذي يستبدل إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب وموسى وداوود وسليمان وعيسى ومحمد صلى الله عليهم جميعا بفوكوياما وهنتغتون وكيسنجر وأشباههم من المتنبئين الجدد أو بالأحرى الضالين المضلين الجدد.

نحن لا نحتاج إلى آدم سميث ونظرائه من دجاجلة إقتصادكم المفلس، فدينارنا الذي سكه عبد الملك بن مروان حكم الدنيا ألفا من السنين، وإقتصادنا أطعم الجائع، وكسى المحتاج، وأخرج خيرات الأرض، وأنزل بركات السماء، ففاضت نعمه على أمم الدنيا، حتى شمل المحتاجين والفقراء من مجرميكم الذين قذفتم بهم إلى بلادنا أيام الحروب الصليبية، فأطعمهم وكساهم وحملهم صلاح الدين.

نحن لا نحتاج إلى مؤسساتكم الخيرية، التي تسرق قوت المحتاج بعد أن تُذِلَّ كرامته، وتستغل جوع الجائع لتدس له السم في الدسم، وتلقنه الفساد والإنحراف مع لقمة العيش المغموسة بالدم، فبلادنا هي التي أنشأت فيما أنشأت وقف الزبادي، ووقف الدواب العاجزة، فخيرنا عم البهائم من الدواب والبشر على حد سواء، وأوقافنا أنفقت على طالبي العلم، وعابري السبيل، والمشردين والمرضى، من كل دين وجنس ولون وثقافة، دون مقابل أو تمييز أو ثمن، وهي لا زالت تفعل ذلك حتى اليوم.

نحن لا نحتاج إلى ثقافتكم التي سرقتم جُلَّها من مكتبات الأندلس وصقلية والقاهرة ودمشق وبغداد، وترجمت في أقبية الفاتيكان، وأحرقتم وأتلفتم أصولها لإخفاء معالم جريمتكم، ثم نسبتموها لأنفسكم ظلما وزورا، فأخرجتم لنا مسخا من العلوم والفنون لا دين لها ولا خلق ولا جمال، فأفسدتم بها الأذواق والعقول والقلوب، فلدينا الآلاف من العلماء والمفكرين والمبدعين ممن هُجِّرُوا قسرا من بلادهم نتيجة ظلمكم وجبروتكم، كما لا زالت لدينا القدرة على إنجاب فطاحل العلماء والمفكرين مرة أخرى، ليُهدوا ثمار فكرهم الطاهر النظيف للبشرية كلها، كما فعلنا في سابق العهود.

نحن لسنا بحاجة إلى هيئة أممكم ولا فصليها السادس والسابع ولا العاشر والعشرين، فهي لم تأت لنا بحقوقنا في فلسطين، ولم تنتقم لدماء أطفالنا في الجزائر والعراق وأفغانستان والشيشان والهند ومالي وغيرها، ومجتمعكم الدولي لم يقدم للشعب السوري لا حماية ولا وقاية ولا رعاية ولا سلاحا ولا دعما سياسيا، سوى مطالبته بالحل السياسي السلس، لإنهاء الأزمة السياسية، وتفادي الحرب الأهلية، ومنع تقسيم سوريا.

باختصار ومن الآخر كما يقال … أنتم على ما يبدو لم ولن تقبلوا بنا … ونحن في المقابل لسنا بحاجة بعد اليوم إلى نظامكم المقيت … فسنعيد بناء نظامنا من جديد … ليصبح النظام العالمي الجديد (آخر طبعة) … على طريقتنا وأسلوبنا وأسسنا … التي تستوعب الجميع … وتحب الجميع … وتقدم الخير للجميع … ويشارك فيها الجميع … نظامنا الذي يحمي فيه المسجدُ الكنيسةَ … ولا تهدم فيه الكنيسةُ المسجدَ … ويطعم فيه المسلمُ اليهوديَّ … ولايقتلُ فيه اليهوديُّ المسلمَ … نظامنا الذي لا تُخْفى فيه نظريةٌ علمية … ولا يُقَزَّمُ فيه فن … و لا يُشَوَّهُ إعلام … ولا  تُحْتَكرُ تجارةٌ ولا صناعة ولا إقتصاد … نظام تفيض ثقافته خيرا وبركة على الناس أجمعين … نظام بني على أسس متينة من الحق والعدل … يحميه سيف صارم … يقطع اليد التي تمتد له بسوء.

وبدهي أن يشكل هذا الخطاب صدمة عميقة لدى العديد من الناس، لأن طول إعتيادهم على الفساد والباطل يجعل الحق في نظرهم غريبا عجيبا غير معقول … وقديما قال الكفار : “وَعَجِبُوا أَن جَاءَهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَـذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ ﴿٤﴾ أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَـهًا وَاحِدًا إِنَّ هَـذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ ﴿٥﴾ وَانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَـذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ ﴿٦﴾ مَا سَمِعْنَا بِهَـذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَـذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ ﴿٧﴾”-ص .

فبعد قرن من بروز النظام العالمي، وتسلطه على رقاب العباد، أضحى الكلام عن فساد هذا النظام، وعدم صلاحيته، ووجوب التحول عنه إلى نظام آخر، يحفظ كرامة الناس ويكفل حريتهم وإنسانيتهم، أضحى ذلك مدعاة للتندر والسخرية والإستهزاء، وهذا من سنة دعوات الأنبياء والمرسلين وحملة اللواء من بعدهم إلى يوم الدين.

وقد حكت لنا التواريخ عن قادم من الصحراء … يدعى رِبْعِيَ بن عامر … ذهب رسولا من قبل سعد بن أبي وقاص ليفاوض رستم قائد الفرس قبيل معركة القادسية … فأظهر الفرس أُبَّهَتَهُمْ و زينتهم … ونصبوا سرير الذهب لرستم … وملؤوا القاعة بوسائد الحرير والبسط الموشاة بالذهب … وكل ما وصلت إليه حضارتهم من زينة وتفاخر وترف وتعال … بينما أقبل ربعي على فرس قصيرة يحمل رمحه وقوسه ونبله … وسيفُه بلا غمد قد لفه بخرقة … فلما دخل المجلس أخذ وسادتين من وسائد الذهب والحرير فشقهما وأدخل الحبل فيهما وربط فرسه … فقالوا له ضع سلاحك … فقال : “إني لم آتكم فأضع سلاحي بأمركم بل أنتم دعوتموني فإن أبيتم أن آتيكم كما أريد رجعت” … فأذن له … فأقبل يتوكأ على رمحه يخرق النمارق والبسط فما ترك لهم بساطا إلا مزقه … فلما اقترب من رستم جلس على الأرض … فلما تعجبوا من ذلك قال : “إنا لا نستحب القعود على زينتكم هذه”.

ولما سأله رستم عن سبب مجيئهم إلى فارس قال : “الله ابتعثنا، والله جاء بنا، لنخرج من شاء، من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه ، فمن قبل منا ذلك قبلنا ذلك منه ورجعنا عنه وتركناه وأرضه يليها دوننا، ومن أبى قاتلناه أبدا حتى نفضي إلى موعود الله” قال رستم : “وما موعود الله ؟” قال ربعي : “الجنة لمن مات على قتال من أبى والظفر لمن بقي”، فطلب رستم مهلة ليتدارس الأمر مع سادته، فقال له ربعي : “إن مما سنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا نؤجل الأعداء عند اللقاء أكثر من ثلاث، فانظر في أمرك، واختر واحدة من ثلاث بعد الأجل : اختر الإسلام وندعك وأرضك، أو الجزاء فنقبل ونكف عنك، وإن كنت عن نصرنا غنيا تركناك منه، وإن كنت له محتاجا منعناك، أو المنابذة في اليوم الرابع، وأنا كفيل لك بذلك على أصحابي وعلى جميع من ترى”.

قال له رستم : ” أسيدهم أنت ” فأجابه ربعي : “لا ولكن المسلمين كالجسد الواحد، يجير أدناهم على أعلاهم” ثم قال لهم وهو خارج عنهم : “ياأهل فارس إنكم عظَّمتم الطعام واللباس والشراب وإنا صغرناهن”.

هذه هي القضية التي لخصها الصحابي البسيط القادم من الصحراء … فهمها واستوعبها قلبه ولسانه وبلَّغَها ناصعة واضحة جلية للمجتمع الدولي في عصره .

نحن لا نأتمر بأمركم ولسنا عبيد رغباتكم ولا ألعوبةً من ألاعيب سياستكم … نحن لا تغرنا زينتكم وبهارجكم ومؤتمراتكم وفنادقكم وراقصاتكم … مهمتنا بسيطة واضحة … تحرير العباد من عبادة الزعماء الملهمين … والأحزاب القائدة … وأشباه المفكرين المعاقين … ونجوم التحلل والعري … وأرباب المال … وعصابات المخابرات … ورعاة الإنحلال الخلقي … ومن كل من جعل نفسه أو اتُّخذَ إلها من دون الله … فردا كان … أونظاما عالميا قديما أو جديدا … أو مجتمعا دوليا … أو هيئة أممية … أو غير ذلك من آلهة هذا العصر المزيفة.

نحن لا نعبد الرِّمَمَ المتحدة … ولا نعبد الدول العظمى … ولا نعبد ترفكم ولا شذوذكم … ولا قذاراتكم الإجتماعية والإقتصادية والعلمية والسياسية … وإن كان ذلك التونسي الكهل قد ملأ الدنيا بصيحته : هرمنا … فنحن في الشام قد هرمنا و قرفنا من فسادكم ومن السكوت عليه.

نحن لن نقبل تسلط هذه الآلهة المزيفة على عقول وقلوب وجيوب العباد … تسوقهم كالقطيع كيف شاءت وتتلاعب بمصائرهم كيفما أرادت … فقد جئنا لنخرج العباد مما هم فيه من ضيق وعسر وشدة صُنعَ آلهتكم المزيفة، التي مزقت الأرض إلى فسيفساء وتحكمت ببواباتها فلا يتحرك فيها المرء إلا بشق الأنفس … جاعلة طلب الرزق عذابا ليس بعده عذاب، يبدأ بولادة الإنسان ولا ينتهي إلا بوفاته … مُحولةً الإنسان الحر الكريم إلى أطنان من الأوراق الإدارية، والملفات الإلكترونية، والأختام الدائرية، تتابع حركاته وسكناته وأنفاسه وأحلامه متقمصة دور الرقيب العتيد … ليصبح الإنسان الذي كرَّمَه الله عز وجل ورفع مكانته بين الخلائق مجرد برغي صغير في آلة نهبكم الإقتصادية … وخادم بليد في ماخوركم الكبير … وببغاء في مؤسساتكم السياسية .

نحن رفضنا أن ندخل في جحر الضب الذي أدخلتم فيه البشرية كلها … فبقينا أحرارا كما أراد الله عز وجل لنا … نعيش في سَعَةِ أرضه … وسعة رزقه … وسعة خلقه … وسعة عقيدته … ونريد أن تشاركنا البشرية كلها هذه السعة … لتعود لها كرامتها الإنسانية … ويعاد لها حقها في الدين والعقل والحياة … ويُحْفَظَ عِرضها ومالها وكيانها.

إن نظامكم فاسد كريه وعلاجكم في أيدينا … ونحن منتصرون بنصر الله لنا … فمن مات منا فإلى الجنة … ومن بقي نال شرف تحقيق وعد الله في الأرض : “كَتَبَ اللَّـهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّـهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴿٢١﴾”-المجادلة.

لقد عملت الثورة السورية منذ انطلاقها وفق المنظومة الدولية وآلياتها وهيئاتها، آملة أن تمدها هذه المنظومة بحبال العون والنجاة، وحين تكسرت أحلام الثورة على صخرة الواقع الأليم، وانكشفت عورة النظام العالمي مرة أخرى، بدأت الثورة طريق عودتها إلى الله عز وجل .

ويشتبه كثيرون أن أحد أهم الأسباب في هذا التغيير العميق والمفاجئ، هو انضمام واحد من أخطر قادة الإرهاب الإسلامي عبر العصور إلى الثورة السورية، وتوليه قيادتها والإشراف عليها وتوجيهها، بعيدا عن ضلالات الشرعية الدولية والمجتمع الدولي … بطل جاء من قلب الصحراء … واخترق حواجز الزمان والمكان … وتخطى عيون عصابات المخابرات … ومدافع جيوش المرتزقة … وخيال المنظرين وأشباه المتعلمين والمتفيقهين … ليضع قدمَهُ المباركةَ في أرض الشام … فتزلزلَ وَطْأتُهَا بنيانَ النظامِ العالمي من القواعد … فإذا بسدنتِه خائفين وجلين … ينتظرون أن يَخِرَّ عليهم سقف أوهامهم وطغيانهم من فوقهم فيأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون*.

إنه ربعي بن عامر … قائد الثورة السورية الجديد …

ولا يخفى على ذكائكم وخيالكم المبدع، أن ربعي بن عامر كان ولا يزال هو المطلوب الأول لنظام المجوس الفارسي، ولقياصرة الشرق والغرب، ولعبدة الأوثان والشيطان، ولأذناب هؤلاء جميعا من الغربان والعربان ومن شاكلهم على مر الزمان.

والله غالب على أمره

  • “قَد مَكَرَ الَّذينَ مِن قَبلِهِم فَأَتَى اللَّـهُ بُنيانَهُم مِنَ القَواعِدِ فَخَرَّ عَلَيهِمُ السَّقفُ مِن فَوقِهِم وَأَتاهُمُ العَذابُ مِن حَيثُ لا يَشعُرونَ ﴿٢٦﴾” – النحل

أترك ردا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s