مؤامرة بدر الكبرى

فانتازيا تاريخية تآمرية

ربيع عرابي

r001كان المغيرة جالسا فوق تلة صغيرة يتأمل الكثبان الممتدة أمام ناظريه تذرو رمالها الرياح وتتوهج قممها بأشعة الشمس الحمراء الغاربة خلف الأفق البعيد … حين تناهى إلى سمعه وقع حوافر فرس تعدو مقتربة منه فتبدد سكون الصحراء.

أهلا بالوليد … ما وراءك … مالي أراك ممتقع اللون … ساهم النظرات؟

ترجل الوليد عن فرسه … وجلس إلى جانب صديق عمره ورفيق دربه المغيرة يجاهد لإلتقاط أنفاسه اللاهثة ويمسح العرق المتصبب من جبينه.

لقد هزمت قريش … قالها المغيرة والغصة في حلقه … والوجوم باد على محياه.

ما تقول ياهذا ؟ …

أبك مس من الجنون ؟ …

أم أنك أسرفت في شرب الخمر؟!!!

أسند الوليد ظهره إلى صخرة قريبة مطرقا رأسه إلى الأرض شاردا حزينا وقد أخذت الحيرة منه كل مأخذ.

لا هذا ولا ذاك … الخطب أعظم من ذلك وأجل.

بدأ الوليد يشرح للمغيرة بصوت مرتجف وقلب غير مصدق، كيف تمكن قرابة الثلاثمائة مقاتل ضعاف غير مجهزين بالسلاح والعدة الكافية ليس معهم سوى فرسين من إلحاق الهزيمة المنكرة بجيش قريش الذي قارب الألف مقاتل، وكيف ولى هؤلاء مدبرين منهزمين لا يلوون على شيء بعد أن فقدوا سبعين من خيرة قادتهم وفرسانهم وزعمائهم، ووقع شجعانهم وأبطالهم في الأسر فاستسلموا للقيد والذل وتمرغت رايتهم في التراب.

نظر إليه المغيرة نظرة المرتاب المشكك فيما سمع وهو يقول : وأين كانت آلهة قريش … كيف تخلت عنهم وعن نصرتهم في هذا الموقف العصيب، أم يكون حقا ما يدعيه هؤلاء أن إلههم هو الإله الواحد الأحد ولا إله سواه، وأنهم على الحق وقريش على الباطل.

أجاب الوليد بعد هنيهة وهو يحاول إعمال عقله وفكره لفهم ماجرى من أحداث بينما كانت حفنة من الرمال تتسرب من بين أصابعه هاربة عائدة إلى أحضان أمها الأرض :

لا أظن الأمر كذلك … إنما هي شعارات وكلمات جوفاء لإستمالة قلوب الناس وعقولهم ليس إلا … أما الحقيقة … الحقيقة الغائبة  … التي لايعرفها إلا المطلعون على بواطن الأمور … ومن يتمتعون بعلاقات هامة هنا وهناك تمدهم بالمعلومات والأخبار الصحيحة … الحقيقة أن ما جرى كله ليس سوى مؤامرة !!!

نعم إنها مؤامرة …

مؤامرة كبرى …

إنها مؤامرة بدر الكبرى!!!!!

وابتدأ الوليد يشرح لجليسه المغيرة أبعاد المؤامرة ومعالمها وبنودها الخفية وكيف حيكت خيوطها في الخفاء … وكيف انكشفت أسرارها اليوم بعد أن انجلى غبار المعركة.

فبعد هزيمة الروم المنكرة منذ سنوات عدة أمام جيوش الفرس المظفرة الممولة والمدعومة من يهود فارس، تلك الجيوش التي كادت أن تقتحم أسوار القسطنطينية وتقضي على الإمبراطورية البيزنطية وتزيلها من الوجود نهائيا.

بدأ الروم يومها بإعداد دراسة مستفيضة عن أسباب الكارثة التي حلت بهم، والبحث  والتنقيب عن الوسائل الكفيلة بإعادة أمجاد دولتهم وبسط نفوذها من جديد، ورد الصاع صاعين إلى هؤلاء الفرس الملاعين، الذين أحكموا سيطرتهم على سواحل جزيرة العرب واحتلوا اليمن السعيد بعد أن طردوا منه الأحباش حلفاء الرومان ثم ما لبثت جيوشهم أن ملأت العراق والشام.

لقد توسع النفوذ الفارسي اليهودي وحوصرت بيزنطة في كل مكان فما العمل؟

في ذلك الوقت بدأت وكالة الإستخبارات المركزية البيزنطية حملة هادئة وحثيثة هدفها جمع المعلومات الهامة ودراستها وتحليلها للإستفادة منها في وضع الخطط الكفيلة  بإعادة أمجاد بيزنطة.

وقد تناهى إلى علمها أنباء أولية متفرقة -لكنها مؤكدة- عن تجمعات وتحركات سرية في إحدى البلدات الصحراوية والتي تدعى مكة … تجمعات غير واضحة المعالم والبنية … تبدو تارة دينية وتارة أخرى سياسية … مرة مسالمة وأخرى مقاتلة … لكنها في جميع الأحوال ناقمة و ثائرة على أحوالها السياسية والمعيشية.

وتابع الوليد تحليله العميق للأحداث مستدلا بالوقائع والأخبار الموثقة والتي لا يرقى إليها الشك بحال من الأحوال :

لذا ولقطع الشك باليقين فقد التقى قيصر بوفد من قريش كان يرافق  إحدى قوافلها التجارية القادمة إلى الشام كعادتهم في كل عام، وكان أحد أعضاء ذلك الوفد صديقنا أبو سفيان … و تمكن قيصر بذكائه وخبرته من استدراج أبي سفيان والحصول منه على الكثير من المعلومات الحقيقية والمفصلة عن هذه المجموعة وعددها ومكانتها ورئيسها، دون أن يلفت انتباه أبي سفيان لمآربه وخططه المستقبلية.

وبأمر من القيصر -ذات نفسه- وبإشراف مباشر منه بدأت وكالة الإستخبارات البيزنطية بتسريب مجموعة من الإشاعات والمعلومات إلى أحد أتباع هذه المجموعة ويدعى أبو بكر ويلقب بالصديق … وكانت هذه الإشاعات تركز على الإستعدادات السرية البيزنطية للمواجهة المقبلة مع الفرس … هذه الإستعدادات التي تتم في الخفاء وبسرية تامة وتهدف إلى توجيه ضربة قاصمة للإمبراطورية الفارسية خلال بضع سنوات على أبعد تقدير .

واستفاد أبو بكر من هذه المعلومات وتحدى قريشا -كما تذكر- وراهنهم على انتصار الروم وهزيمة الفرس في بضع سنين، لكن قريشا لم تأخذ ذلك على محمل الجد بل قابلته بالإستهزاء والسخرية … فلم يدر بخلدهم أن يتمكن الروم من النهوض من كبوتهم من جديد خلال هذه المدة القصيرة … لذلك تجاهلوا الأمر وتعاملوا معه على أنه شطحة من شطحات الصابئين فلم يرفعوه إلى المخابرات المجوسية عبر أصدقاء الطرفين من يهود المدينة وخيبر واليمن.

وعندما أخرجت هذه المجموعات الإرهابية من مكة منذ عامين تقريبا … واتخذت من يثرب وكرا لمؤامراتها ومركزا لأعمال القرصنة على القوافل التجارية المسالمة، ومنطلقا لغزو القبائل المجاورة الوادعة وتهديد أمنها واستقرارها … ولم يتمكن حلفاء قريش في يثرب كصديقنا عبد الله بن أبي بن سلول، والذي يعلم الجميع مكانته وزعامته سواء بين الخزرج أو في يثرب عموما … كذلك شركاؤه من يهود بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة … لم يتمكن هؤلاء جميعا من التصدي للإرهابيين القادمين من مكة بعد أن تلقوا الدعم والتأييد من غالبية أهل يثرب.

وأخذ هؤلاء الإرهابيون يفرضون فكرهم وعقيدتهم بقوة السلاح فألغوا التقاليد الديمقراطية العريقة وحاربوا الفكر والفن والإبداع وأغلقوا بيوت الدعارة الترفيهية وأراقوا دنان الخمور فهددوا بذلك ثقافة المجتمع وسلمه الإجتماعي وتراثه الحضاري … وعادوا بالناس إلى عصور التخلف والإنغلاق والجمود … عصور إبراهيم و إسماعيل.

وفي اللحظة القاتلة سربت المخابرات البيزنطية نبأ قافلة أبي سفيان العائدة للتو من الشام في طريقها إلى مكة، وبلغوا الإرهابيين بإحداثياتها وخط سيرها وزمن وصولها المتوقع … وكانت أجهزتهم المختصة تراقب كل شاردة وواردة لهذه القافلة منذ وصولها إلى الشام … فما إن شقت طريقها صوب مكة حتى طار الخبر إلى يثرب …

عندها خرجت مجموعة من الإرهابيين على وجه السرعة من يثرب لإصطياد القافلة قبل أن تفوتهم وتدخل الحرم فتمتنع منهم … فلم يتمكنوا لذلك من إعداد العدة الكافية والسلاح اللازم لضيق الوقت وخطورة المهمة المكلفين بها من قيصر … لذا كان عددهم صغيرا وسلاحهم قليلا.

وخرجت قريش حين علمت بالأمر لتدافع عن قافلتها وعن الشرعية القبلية والسلم والأمن القبليين وحقوق الإنسان في وجه هذه الفئة المارقة الخارجة عن القوانين والأعراف والمواثيق الإنسانية والتقى الجمعان عند مياه بدر … وكان ماكان … انهزمت قريش في نفس اليوم الذي ألحق فيه الروم هزيمة ساحقة ماحقة بالفرس فأبادوا جيشهم وكادوا أن يقضوا على دولتهم.

وهكذا تمكنت بيزنطة من إذلال فارس وإذلال حلفائها من قريش ويهود أيضا !!!

أرأيت هذه الخطة الماكرة !!!

أرأيت هذا الخبث والدهاء !!!

وهاهي قريش تنوح على قتلاها بينما الإرهابيون يصولون ويجولون في يثرب دون خوف أو وجل … والروم يسرحون ويمرحون يحتفلون منتشين بنجاح خططهم وبالنصر الذي حققوه بعد طول انتظار.

احذر الروم يا مغيرة …

احذر الروم … ومكر الروم … وخبث الروم .

ـسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسـ

وبعد مضي أقل من عشر سنوات على هذا الحوار السياسي العميق بين المغيرة والوليد عن مؤامرة بدر الكبرى وأسرارها الخفية.

صار المغيرة جنديا في جيش القادسية تحت لواء سعد بن أبي وقاص وشارك في هزيمة جيوش فارس والقضاء المبرم على الإمبراطورية الفارسية !!!

بينما خرج الوليد مجاهدا في جيش اليرموك تحت لواء خالد بن الوليد ليطهر الشام من ظلم الرومان ويقضي على جيوش الإمبراطورية البيزنطية فيها !!!

وقد نال كلاهما الشهادة في سبيل الله بعد أن عوفيت عقولهما وقلوبهما من أوهام وخيالات وحكايات المؤامرة.

لكن بعضا من أحفادهما لا زال يعاني من عقدة المؤامرة حتى يومنا هذا … ويأبى أن يتخلص من أوهامها وترهاتها.

ولله الأمر من قبل ومن بعد.

والله غالب على أمره.

ـسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسـ

وصلى الله على سيدنا محمد أشرف النبيين وعلى آله وصحابته أجمعين.

ملاحظة هامة : يمنع إقتباس هذه الحكاية أو جزء منها من قبل قناة الد… ومن شابهها تحت طائلة المساءلة القانونية من ورثة الشهيدين.

أترك ردا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s