قراءة السيرة النبوية

مقتطفات و فقرات مختارة من خطب الجمعة ألقيت بين عامي
1975 و 2000  في مساجد متفرقة في دمشق و مدريد

بين السنن والخوارق … والبرامج والأمنيات

ربيع عرابي

قال الله تعالى :

English: Arabic Calligraphy for 'ṣallā llahu ʿ...

“هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّـهِ شَهِيدًا ﴿٢٨﴾ مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّـهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّـهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّـهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ﴿٢٩﴾” الفتح.

  الأمة الإسلامية أمة ذات تاريخ عريق جاء ذكرها في التوراة والإنجيل والقرآن واستمر وجودها الحضاري من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم وحتى يومنا هذا وإلى أن يشاء الله عز وجل.

و الأمة الإسلامية لم تنشأ من فراغ ولم تتحرك طيلة حياتها في فراغ ولكن محاولات سلخها عن تاريخها وإقصائها عن عقيدتها جعلها عاجزة عن الإستفادة من هذا التاريخ.

إننا نعاني اليوم من فقدان القدرة على القراءة الصحيحة لتاريخنا مما يفقدنا بالنتيجة القدرة على الإلتزام بمعطيات ذلك التاريخ ويفقدنا أيضا حس الإنتماء إلى ذلك التاريخ.

إذا كان التاريخ الإسلامي كله هو مجال للإعتبار فإن سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم هي وحدها من بين ذلك التاريخ مجال الإقتداء والتأسي والإتباع.

” لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّـهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّـهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّـهَ كَثِيرًا﴿٢١﴾” الأحزاب.

 فالسيرة النبوية لا تعدو أن تكون في حياة كثير من الناس فترة زمنية أو مرحلة تاريخية انتهت بأشخاصها وأحداثها فهي بالتالي غير قادرة على تقديم الأطر والقواعد والحلول لمشكلات الإنسان المعاصر.

وقضية الإعجاز والخوارق مثال واضح على هذا الفهم المغلوط للسيرة النبوية ، فعشرات الحوادث التي يرددها بعض المؤرخين ليثبتوا للناس أن انتصار الرسول صلى الله عليه وسلم إنما كان بالخوارق غير العادية لا بتطبيق السنن والإلتزام الصارم بها ، ومن الغريب أنهم يعتبرون ذلك من مستلزمات الإيمان ، الأمر الذي يخالف حقائق السيرة ونصوصها بل وآيات القرآن الكريم نفسه.

 “وَقالوا لَن نُؤمِنَ لَكَ حَتّى تَفجُرَ لَنا مِنَ الأَرضِ يَنبوعًا ﴿٩٠﴾ أَو تَكونَ لَكَ جَنَّةٌ مِن نَخيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنهارَ خِلالَها تَفجيرًا ﴿٩١﴾ أَو تُسقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمتَ عَلَينا كِسَفًا أَو تَأتِيَ بِاللَّـهِ وَالمَلائِكَةِ قَبيلًا ﴿٩٢﴾ أَو يَكونَ لَكَ بَيتٌ مِن زُخرُفٍ أَو تَرقى فِي السَّماءِ وَلَن نُؤمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتّى تُنَزِّلَ عَلَينا كِتابًا نَقرَؤُهُ قُل سُبحانَ رَبّي هَل كُنتُ إِلّا بَشَرًا رَسولًا ﴿٩٣﴾” الإسراء.

ولو كانت الحياة تسير اعتمادا على الخوارق والمعاجز لما كان هناك داع لهجرة الرسول صلى الله عليه وسلم وأن يرمى بالحجارة حين عودته من الطائف حتى تدمى قدماه وأن يشج رأسه وتكسر رباعيته في أحد.

إن هذا الدين للبشر ويتوافق مع واقع البشر وفطرة البشر وإمكانات البشر.

أما القضية الأخرى والأهم فهي أن عظمة الرسول صلى الله عليه وسلم إنما تكمن في تمكنه من نقل المبادئ إلى عالم الواقع.

إن داءنا الدوي اليوم إنما يكمن في توقفنا عند حدود الإكتفاء بالإيمان بالإسلام أخلاقا ومبادئ ومن ثم الإسترخاء وخداع النفس بالأماني والإستسلام لنوم عميق وعدم القدرة على تجاوز هذه المرحلة إلى مرحلة ترجمة المبادئ إلى برامج عملية.

إن علينا اليوم التدرب على وضع الخطط المرحلية على ضوء رؤية شاملة للظروف المحيطة والإمكانات المتاحة ومن ثم إعطاء الزمن الكافي لإنضاج كل مرحلة دون إستعجال الثمرة.

لقد أثبتت المبادئ مصداقيتها تاريخيا فانتصرت على مشركي الجاهلية وصمدت في وجه الصليبيين والتتار والإستعمار الحديث ، وتمكن رسول الله صلى الله عليه وسلم من نقلها إلى الواقع بشخصه الكريم فكان قرآنا يمشي على الأرض.

إننا بتقصيرنا في هذا الأمر كأننا نحكم على مبادئنا بأنها مثالية غير قابلة للتطبيق .

أترك ردا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s