العمل الإسلامي بين الخطط المرحلية والأهداف البعيدة

مقتطفات و فقرات مختارة من خطب الجمعة ألقيت بين عامي
1975 و 2000  في مساجد متفرقة في دمشق و مدريد

ربيع عرابي

Prophet Mohammed (peace be upon him) Mosque - ...

تتلخص القواعد الأساسية للعمل الجماعي الناجح في مجموعة من المبادئ الأساسية التي تشكل العمود الفقري لأي خطة عملية قادرة على تحقيق الأهداف وتحصبل النتائج المرجوة وهي  :

    • وضوح الهدف وهو الأمر الغائب الحاضر فلئن سألت العديد من العاملين للإسلام لأعطوك إما أهدافا عامة أو أجابوك إجابات غامضة تنبئ عن تحركهم على غير هدى ووفق ما يسمى سياسة الأمر الواقع أو متطلبات اللحظة الراهنة.

  • الإستخدام الحصيف للإمكانات المتاحة وذلك يتطلب تحديد هذه الإمكانات وتوصيفها بشكل علمي ثم محاولة استخدامها على الوجه الأمثل.
  • المعرفة الكافية بإمكانات الخصوم وقدراتهم دون تصغير ولا تهويل ليتم إعداد العدة المناسبة للتعامل معه دون التواكل على الغيبيات أو الإصطدام بالمفاجآت.
  • الإستغلال الأمثل للوسائل المتاحة في المواقع الفاعلة والتقليل من الهدر في الطاقات البشرية والحصول على أعلى النتائج بما يتوفر من وسائل.

إن عملية البحث عن موطن للدعوة الإسلامية الناشئة توفر له الحد الأدنى من الأمان مع حرية الحركة والدعوة بعد أن عرف الرسول صلى الله عليه وسلم أن مكة لم تعد تصلح لإستمرار الدعوة الإسلامية فضلا عن قيام الدولة فيها وصار من الواجب البحث عن مكان وبيئة أخرى تحتضن هذه الدعوة وتتقبل وجودها وتسمح بتحركها وكانت الخيارات المطروحة قليلة وهي :

  • الحبشة : ومن ميزاتها توفر قدر من الحرية والأمان للمسلمين “فيها ملك لا يظلم عنده أحد” ولكنها مع ذلك لا تستوفي جميع الشروط اللازمة لقيام الدولة بسبب البعد الجغرافي والإختلاف الثقافي  .
  • الطائف : لمحاولة الإستفادة من موقعها الجغرافي ومركزها الهام بين العرب.
  • قبائل العرب المختلفة والتي كانت تطمح إلى منافسة قريش.

وأحد النماذج الهامة أيضا والتي توضح تحديد الأهداف الصغيرة أو الفردية ووضع خطة لتحقيقها بناء على الظروف والإمكانات المتاحة هو نموذج زيد بن ثابت الأنصاري رضي الله عنه:

  • يقول زيـد بن ثابت: أُتيَ بيَ النبـي صلى الله عليه وسلم مَقْدَمه المدينة، فقيل: هذا من بني النجار، وقد قرأ سبع عشرة سورة، فقرأت عليه فأعجبه ذلك، فقال: “تعلّمْ كتاب يهـود، فإنّي ما آمنهم على كتابي”. ففعلتُ، فما مضى لي نصف شهـر حتى حَذِقْتُـهُ، فكنت أكتب له إليهم، وإذا كتبوا إليه قرأتُ له. وعن ثابت بن عبيد عن زيد بن ثابت قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أتحسن السريانية؟” قلت: لا. قال: “فتعلمها فإنه تأتينا كتب”. قال فتعلمتها في سبعة عشر يومًا. قال الأعمش: كانت تأتيه كتب لا يشتهى أن يطلع عليها إلا من يثق به، من هنا أطلق عليه لقب ترجمان الرسول صلى الله عليه وسلم. ثم تم له الفضل بجمع القرآن ونسخه في ايام أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم اجمعين.
  • وهناك أمثلة كثيرة منها : “رفيدة” الممرضة في المسجد النبوي وجعفر سفير المسلمين وناطقهم الرسمي في الحبشة وربعي بن عامر رسول سعد إلى رستم قائد الفرس وغيرها الكثير.

ثم يأتي بعد ذلك معرفة الإمكانات المتاحة والإستخدام الحصيف لها ضمن خطة واضحة المعالم  ولعل خطوات الرسول صلى الله عليه وسلم الأولى في طريق الهجرة تعطي مثالا عظيما على هذا الأمر:

  • ففي اللقاء الأول مع الأنصار اكتفى الرسول صلى الله عليه وسلم بعرض الإسلام دون بيعة بل هو عرض واضح مبسط لأركان هذا الدين وحجم التغيير الذي ينشده في الفرد والمجتمع والأمة.
  • وفي اللقاء الثاني تمت بيعة العقبة الأولى والتي اشتملت على الجانب السلمي من الإسلام  لينشأ من ذلك عقد سياسي هدفه تحقيق مبادئ الإسلام طرفاه الرسول صلى الله عليه وسلم والأنصار.
  • أما في اللقاء الثالث فقد تمت بيعة العقبة الكبرى والتي كانت على السلم والحرب وهي بيعة على الطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره وتقديم الحماية للدعوة ورسولها الكريم.

وهكذا فقد رأى الرسول صلى الله عليه وسلم بفقهه العميق للواقع  :

  • محدودية إمكانات المهاجرين وقدراتهم في مواجهة طغيان قريش مهما عظمت تضحياتهم.
  • وأهمية عامل الوقت للإرتقاء بإمكانات الأنصار حديثي العهد بالإسلام لتصل إلى المستوى المطلوب .

والحركة الإسلامية التي تخطئ تقدير إمكاناتها وقدراتها فتعيش نتيجة لذلك في عالم التمنيات والأحلام حتى تصطدم بصخرة الواقع والسنن الكونية فتجني حصادها تراجعات وانتكاسات ليس لها نهاية وذلك ناتج عن فشلها في إدراك مفهوم الوسع : “لا يكلف الله نفسا إلا وسعها” وأثره في وضع الخطط القابلة للنجاح.

ثم من الأهمية بمكان التعرف على قدرات الخصم وحجمه الحقيقي : مواقعه ، عدده ، عدته مع التخلص من عادة تصغير وتحقير شأن الخصم وعدم الإكتراث بإمكاناته وقدراته الأمر الذي يؤدي إلى عدم إعداد العدة المناسبة أو تهويلها وتضخيمها مما يؤدي إلى الشعور بالعجز واليأس والإحباط من هنا جاءت خطط الرسول صلى الله عليه وسلم العسكرية في بدر وأحد والخندق لتعادل وتكافئ التفوق العددي للمشركين دون أن يؤدي هذا التفوق إلى حالة من اليأس والنكوص والإستكانة وهوالذي تعلمه صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم وطبقوه في اليرموك والقادسية وغيرها من معاركهم.

وأخيرا يجب تحديد الوسائل المناسبة والمواقع الفاعلة والمؤثرة دون إضاعة الجهد والوقت في المعارك الوهمية الجانبية أو صرف الجهود والقدرات فيما لايفيد ولا يجدي أو هو قليل النفع والأهمية والمردود من هنا أجاب الرسول صلى الله عليه وسلم ذاك الذي طلب منه الإذن في القتال بعد بيعة العقبة الكبرى قائلا : “والذي بعثك بالحق إن شئت لنميلن على أهل منى غدا بأسيافنا” فأجابه صلى الله عليه وسلم : “لم نؤمر بعد” لم يقل له حرام أو أن الإسلام دين السلام والمحبة والوئام إنما وضح له أن القتال وسيلة مشروعة في زمانها ومكانها وأسلوبها المناسب .

وهنا نرى أيضا دور نعيم بن مسعود في غزوة الأحزاب حين قال له صلى الله عليه وسلم : “إنما أنت رجل واحد فخذل عنا مااستطعت فإن الحرب خدعة” فقد وضعه صلى الله عليه وسلم في مكانه المناسب حيث لم يكن ليزيد المسلمين إلا رجلا واحدا في ساحة المعركة إلا أن فقه الرسول صلى الله عليه وسلم جعل من ذلك الرجل الواحد قوة تعادل عشرة آلاف رجل من الأحزاب ومن حالفهم من يهود.

أترك ردا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s