مستقبل العلويين في سوريا بين الوهم والرغبة والواقع

بقلم: فواز تللو

2012-11-04

قرأت مقالا للسيد منذر خدام الذي  أكن له احتراما لمواقفه الوطنية التي لم يؤثر عليها انتمائه الطائفي كونه علوي، مقالا نشرته صحيفة الشرق الأوسط بتاريخ 20/10/2012 بعنوان “اللاذقية في وضع الانتظار”، وكانت لي ملاحظات أقرب منها إلى تحليل شامل لطبيعة الصراع ومآلاته في سوريا من بعض النواحي الطائفية، في رد على الفكرة الرئيسية التي وردت في المقال حول التحذير من دخول الثوار السوريين إلى مدينة اللاذقية، وهي فكرة كانت أشبه بتلخيص لطبيعة وتاريخ ومستقبل الصراع في سوريا.

اللاذقية كما يعلم الجميع، مدينة سنية بأكثريتها مع أقلية مسيحية وبعض القليل جدا من العلويين الذين أتوا من الجبال الشرقية للمدينة قبل انقلاب البعث عام 1963، ولكنهم استوطنوها بكثرة منذ هذا الانقلاب الذي أخفى وراءه مشروع حكم طائفي عبر عن نفسه منذ اليوم الأول لذلك الانقلاب المشؤوم، لكنه أخذ أبعاده الواسعة المكشوفة بعد انفراد حافظ اسد بالسلطة وذلك بعد أن قام رفاق الانقلاب الطائفيين بتصفية بعضهم البعض ليصل الأمر إلى صغيرهم الذي فاقهم شرا وخبثا أي حافظ أسد، وكانت إحدى النتائج نزول العلويين بكثرة من الجبال ليحصلوا على موطن إضافي يتركونه ايام العطل عائدين لموطنهم الأول في الجبال، فكان أن بنيت لهم أحياء كاملة في اللاذقية، سكنوها وكانوا فيها أكثرية كبيرة بل ربما خالصة ضمن هذه الأحياء،فحصلوا على مساكن في اللاذقية بأسهل الطرق وبكل الطرق المتاحة بتشجيع وتسهيل بل ودفع من قبل النظام، وهي سياسة انخرط فيها العلويون بمعظمهم عن سابق علم وإصرار ورغبة، مع العلم أن هذه السياسة طبقت في مدينتين أخريين، هما دمشق وحمص، دمشق العاصمة السياسية للحكم الطائفي العلوي لحافظ أسد وفيها فقط يمكن إعلان سقوط النظام أو استمراره، والتي احيطت بمستوطنات علوية خالصة سكنها من كان او لا زال من منتسبي الأجهزة الأمنية والعسكرية التي حولها النظام إلى مؤسسات يسيطر عليها العلويون بنسبة تفوق 90%، وتمثل حاليا الخزان البشري للشبيحة الذين يرتكبون أبشع المجازر في دمشق وريفها بحق جيرانهم من السكان الأصليين السنة.

أما المدينة الثانية التي استوطنها العلويون بكثرة فهي حمص، وهم من استخدمهم النظام كشبيحة للقتل والسرقة والاغتصاب بحق سكان حمص الأصليين، فحمص هي النقطة الأقرب جغرافيا لجبال اللاذقية الشرقية وممر المواصلات الإجباري الذي يربط ما بين دمشق و”جبال العلويين”، وهي تسمية أطلقها الاحتلال الفرنسي بعد أن عرفت قبل ذلك بجبال النصيرية نسبة للطائفة التي سكنتها بأمان منذ ألف عام لكن الاحتلال الفرنسي غير اسم الطائفة والجبال إلى “الطائفة العلوية” بدلا من الطائفة “النصيرية”،والسبب في ذلك يمكن رؤيته في استمرار سياسة “التمويه الطائفي” التي اتبعها حافظ أسد بعد استيلائه على السلطة عام 1970، حيث دعى رجل دين إيراني، هو حسن الشيرازي الذي مات او قتل عام 1988 في لبنان، جاء به عام 1971 إلى سوريا ولبنان ليقضي عاما ونيف في لقاءات وحوارات مع مشايخ الطائفة العلوية ليصدروا عام 1972 وثيقة تقول أن الطائفة العلوية (أو النصيرية ما قبل فرنسا)، أنهم شيعة جعفريون في محاولة لدمج وربط الطائفة ذات المعتقدات الخاصة جدا، ربطها بمحيط أكبر هو الشيعة الجعفرية التي تمثل نسبة تدور حول 15% من مسلمي العالم، وتحظى باعتراف السنة كطائفة ضمن بوتقة الإسلام، وعلى إثر هذه الوثيقة بنيت بضعة مساجد في جبال العلويين (وهي كل ما يوجد في عشرات القرى العلوية)، والتي لم تضم قبل ذلك أي مسجد بل كانت تنتشر فيها (ولا تزال) مزارات (قبور) مشايخ الطائفة، لكن هذا الإقرار الرسمي من قبل مشايخ الطائفة العلوية لم ينعكس لاحقا على عموم العلويين كممارسات دينية شيعية إلا على نطاق محدود جدا من العلويين، وبممارسات غير منتظمة محدودة جدا بين هؤلاء، لكن، ومن جهة اخرى استخدمت هذه الرابطة سياسيا من قبل حافظ أسد الذي سعى لها منذ البداية (كما الفرنسيون)، سعى لها واستخدمها فقط لأغراضه السياسية، وهو ما يفسر إلى حد كبير موقفه من الحرب العراقية الإيرانية وموقفه في لبنان، واندمج فيها ابنه بشار ليصبح أداة فيها بعد أن كانت أداة في يد أبيه، وهو ما يعطي تفسيرا إضافيا غائبا عن طبيعة العلاقة السياسية – الطائفية التي تدفع بحلفاء بشار أسد في إيران ولبنان والعراق وأينما وجد شيعة، تدفعهم لدعمه كما يحصل الآن.

بعد هذا العرض التاريخي، وبالعودة إلى اللاذقية، (ومعها جبلة التي حصل بها ما حصل في اللاذقية من تغيير ديموغرافي قصري)، والتي جوبهت ولا زالت بأعتى هجمة طائفية سواءا ترهيبا أو تشبيحا، وأجهضت فيها كل محاولة للتظاهر والتعبير السلمي، ومورست فيها أقذر وأخس عمليات القمع والإذلال الطائفي الممنهج، وهي حملات شارك بها معظم المستوطنون العلويون، وطالت الأفراد العلويين القلائل الذين اتخذوا موقفا وطنيا ومنهم السيد منذر خدام والدكتور منير شحود، وسمر يزبك وخولة دنيا وقلة آخرين، مما اضطر هؤلاء بمعظمهم للالتجاء إلى دمشق أو مغادرة سوريا أو الاختفاء والتواري عن الأنظار أو الأضواء.

طبعا لابد من الإشارة إلى الجزء السني لريف اللاذقية والذي التجأ له كل الثوار السلميين بعد تدمير الملجأ الأخير لهم في مخيم الرمل الجنوبي (وهو خليط من الفلسطينيين وأكثرية سورية سنية فقيرة)، حيث غادروا منذ أقل من السنة إلى ريف اللاذقية السني الذي لحقه ما لحق المدينة، فكان أن حمل هؤلاء الثوار السلميون السلاح ليدافعوا عن أنفسهم وظهرهم للحائط، وسط هجمة طائفية شارك فيه الريف العلوي بحماس كبير لفترة طويلة، وكلنا يذكر ما حصل في بانياس وقرية البيضا، وهو حماس بدأ يفتر بين العلويين بعد الهزائم العسكرية التي تعرض لها النظام مؤخرا، لكن ظهرت بالمقابل نغمة جديدة تمثلت في التهديد بالحرب الطائفية فيما لو حاول الثوار دخول مدينتهم وتحريرها من نظام الأسد بعد أن تركوها مجبرين، وكأن الحرب الطائفية لم يبدأها النظام وأنصاره وأدواته الطائفيون منذ عام 1963، وكأن هؤلاء لم يشنوا حربا طائفية من طرف واحد من خلال ممارسات ومواقف كثير من المستوطنين العلويين في اللاذقية وجبلة وبانياس منذ اليوم الأول للثورة، مدعومين بأقربائهم من الريف العلوي المجاور ليتصرفوا كمستوطنين محتلين، وهو الأمر الذي تكرر في أي مكان وجدوا فيه وخاصة في حمص ودمشق، اللتين ذاقتا القتل والتشبيح والمذابح والتهجير والهدم والسلب والنهب والاغتصاب من قبل مستوطنين علويين فعلوا الأفاعيل بجيرانهم أينما وجدوا وأينما وجدت فيه مستوطنة أو حي علوي، وشاركهم في ذلك مع الأسف سكان هذه المدن الأصليين من الشيعة الذين يحمل معظمهم (أي الشيعة)، جنسية إضافية هي الجنسية الإيرانية التي بدؤوا بالحصول عليها منذ زمن الشاه وتزايدت الوتيرة زمن الخميني، ويؤيدهم سياسيا وماديا قطاع واسع من المسيحيين (وهم أقلية صغيرة)، خاصة في مدينة دمشق التي يسكنها خليط من السكان الأصليين والمستوطنين الآتين من الريف المسيحي القريب والبعيد، وكل ذلك بتحريض طائفي يمارسه كثير من رجال الدين العلوي والمسيحي ومعهم قيادات اجتماعية من هذه الطوائف استخدمها النظام منذ اليوم الأول لهذا الغرض، وهو ما سخر له كل أدواته الإعلامية والاجتماعية الرسمية وغير الرسمية مما دفع أقرب أتباعه السنة للانشقاق، نتيجة طغيان النفس الطائفي على هذه السياسات والممارسات بشكل يزكم الأنوف، مع أن هؤلاء الأتباع عرفوا بقدرتهم على استيعاب جرائم النظام بل والمساهمة فيها في أوقات سابقة.

وبالعودة إلى السيمفونية الجديدة التي تقول أن دخول الثوار إلى مدنهم سيثير حربا طائفية، لتبدأ النصائح “الوطنية” بهذا الاتجاه، وهي نصائح تحمل في طياتها تهديدا مبطنا بتطبيق شعار النظام “الأسد أو نحرق البلد”، نجد أن هذه النغمة بدأت بعد أن حقق الثوار مؤخرا نجاحات ميدانية ملفتة بعد تحرير معظم الريف السني للاذقية وصولا للحدود التركية، مع قطع طريق حلب – اللاذقية الدولي، وباتت المعارك تجري على تخوم الريف العلوي، وبات حلم الثوار بتحرير مدينتهم اللاذقية قريب المنال، وهي إنجازات باتت تهدد عاصمة الدويلة أو شبه الدويلة العلوية التي يحلم بها هؤلاء فيما لو خسروا معركتهم في استمرار احتلال سوريا، وهو حلم مجنون لاشك سيصطدم أيضا بوجود ما يقارب المليون من المسلمين السنة في مدن وريف الساحل السوري، والذين قد يشكلون عائقا لهذا المشروع، وبالتالي يحلم الطائفيون من العلويين بعملية تطهير طائفي تحل مشكلتهم، وهنا نجد أن سيطرة الثوار على اللاذقية السنية الأصل والسكان، وربطها جغرافيا بمحيطها الريفي السني وريف أدلب وصولا إلى الحدود التركية وإلى حلب وبالتالي ربطها بباقي أجزاء سوريا، سيشكل ضربة قاصمة لمشروع السيناريو الأخير للمهزوم، أي الدويلة العلوية بأي شكل سياسي جاء (مستقلة أو في إطار فيدرالي أو كونفيدرالي أو أي صيغة أخرى)، فكانت هذه الدعوات والنصائح والتهديدات المبطنة للثوار بأشكال مختلفة، كانت بمثابة تكتيك سياسي، ومنها المقال الأخير للسيد خدام (وحتما دون أن يكون ذلك هدفه في مقاله التحليلي الموصف للواقع)، تكتيك سياسي يهدف لتحذير الثوار من الاقتراب من اللاذقية، فأهل الثوار هناك تحت سكين المستوطنين الطائفيين المتحفزين للانتقام والتطهير الطائفي، لكن ما فات كاتب المقال الإشارة له أن هذا التطهير الطائفي سيجري لاحقا أيضا في حال هزيمة النظام استكمالا لمشروع الدويلة الطائفية، حتى لو لم يكن الثوار قد دخلوا اللاذقية ساعتها، ومن هنا فإن الدعوات إلى عدم دخول اللاذقية تبدو تكتيكا سياسيا – عسكريا من قبل النظام وأنصاره، لا صونا للمنطقة من حرب طائفية هي بالفعل تجري من قبل طرف واحد، أي النظام الأسدي الطائفي العلوي وأتباعه الكثر من الطائفة في كل نقطة وصل لها هؤلاء المستوطنون وخاصة في اللاذقية وحمص ودمشق.

من ناحية أخرى تبدو هذه الدعوات لعدم دخول اللاذقية أيضا تكتيكا سياسيا – عسكريا كونها تدرك حقيقة الصراع الجاري حاليا في سوريا، صراع لا تسويات فيه، وهي النتيجة التي أوصلتنا لها سياسات النظام الوحشية من جهة، وتجاهل العالم لكل ما يجري من جهة اخرى، وبغض النظر عن التفكير الرغبوي لدى البعض وعلى رأسهم الأمريكيون والأوروبيون والروس للوصول إلى تسويات تبقي على السيطرة العلوية على الدولة السورية حتى لو أزيح بشار أسد من المشهد السياسي وذلك بالاحتفاظ بسيطرتهم على جهازي الجيش والأمن والكثير من المواقع الوظيفية الحساسة، بغض النظر عن هذا التفكير الرغبوي، إن أحد الطرفين سينتصر على الآخر انتصارا ناجزا لا لبس فيه وبثمن كبير جدا لن يسمح بالتسويات، لذلك كانت هذه النصائح التكتيكية بعدم دخول المدينة، باطلا (وليس حقا) يريد به الكثيرون الباطل لربح موقع عسكري سياسي في أرض المعركة.

وانطلاقا من حقيقة الصراع الذي لا يقبل التسويات، لابد من إقرار حقائق بات على العلويين استيعابها بعيدا عن الأوهام التي يسوقها النظام بمساعدة المجتمع الدولي، فالثوار اعتمدوا على الله فقط وبعض المساعدات المحدودة من بعض الأصدقاء بعد أن خذلهم العالم، وباتوا قريبين من النصر الناجز مع أن الثمن كبير، وهو نصر سيعني فيما يعني أن الثوار سيدخلون حتما مدنهم وبلداتهم بدءا من اللاذقية فجبلة فبانياس فطرطوس وكل القرى السنية التي تحيط بها، وذلك في لحظة مناسبة تحددها المعطيات السياسية والعسكرية، بل أكثر من ذلك، الثوار سيسيطرون على كل المناطق العلوية مهما كان الثمن، فسوريا الديموقراطية لا تحتمل أشباه الدويلات الطائفية، وعلى الطائفة العلوية أن تدرك أنها لن تستطيع أن تبقى مدججة بالسلاح، ولن يسمح لكل من ارتكب جريمة من الطائفة بالنجاة بفعلته بملاذ آمن في المناطق العلوية، وبعبارة أخرى، الصراع في سوريا لن يتوقف إلا بتحرير القرداحة من النظام الأسدي‘ وعلى الطائفة العلوية أن تدرك أن ثمن عبورها ومشاركتها ومواطنيتها بدولة سوريا الحرة الديموقراطية الجديدة سيمر عبر هذه الإجراءات التي ستعني تخليها عن العديد من الامتيازات التي حصلت عليها دون وجه حق خلال خمسين عاما، وتقديم الآلاف على الأقل من القتلة والمجرمين إلى العدالة، وهو ممر إجباري لا هروب منه ولابد منه ولو تدخل العالم أجمع، وذلك من اجل بناء سوريا الجديدة التي لن تكون إلا موحدة، وهو ممر ضروري أيضا للثوار، لضمان مشاركة ومستقبل وأمن العلويين لأنهم جزء من سوريا وسيبقون كذلك، وسوريا لن تكون إلا بهم ومعهم، فهذا قدر التاريخ والجغرافيا، وهذا الممر يمثل باب التطهر والتكفير عن نصف قرن من الجرائم التي ارتكبها النظام الأسدي باسمهم وبمشاركة جزء كبير منهم بأشكال مختلفة، لذلك كلما قبل العلويون هذه الحقيقة بسرعة أكبر، وعملوا لها ومن أجلها، وفروا على انفسهم عناءا وثمنا أكبر، وهي الرسالة التي يدركها حتما كل علوي سوري وطني، وعليه أن يعمل على توعية الطائفة بها، لانتشال العلويين من الوهم والهاوية التي يدفعهم لها النظام الأسدي، ففي النهاية التي باتت قريبة سيذهب الأسد وسيلاقي جزاءه العادل أينما فر، لكنه يقوم بإحراق البلد كما هدد، والأكيد أيضا أن الحريق لن يتوقف إلا في القرداحة فوق قبر حافظ الأسد فهل من عقلاء لتخفيف الثمن على الجميع.

فواز تللو

معارض سوري مستقل

أترك ردا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s