من فرعون إلي طالوت

هل في القرآن ما يعارض الديمقراطية؟

د. عبدالوهاب الأفندي

11/12/2007

روي ابن عبد ربه أن الحجّاج أتي بامرأة من الخَوارج فقال لأصحابه: ما تَقُولون فيها قالوا: عاجِلْها القَتْلَ أيَها الأمير قالت الخارجية: لقد كان وزراءُ صاحبِك خَيْرًا من وُزرائكَ يا حجّاج قال لها: ومَن صاحبي قالت: فِرْعون استشارهم في موسي فقالوا: أرجِه وأخاه. وفي رواية مشابهة أن رجلاً ادعي النبوة أيام المأمون فأشار عليه جلساؤه بقتله، فقال الرجل للمأمون: إن فرعون كان أعدل منك وملؤه كانوا خيراً من ملئك. فعندما جاءه موسي بدعواه في النبوة طلب منه البرهان قبل أن يحكم عليه، وعندما استشار ملأه قالوا له: أرجه وأخاه وأرسل في المدائن حاشرين. أما أنت فتحكم قبل أن تسأل البرهان، وملؤك يشيرون عليك بالتعجل في الحكم بدل التريث. فتراجع المأمون عن قراره بالإعدام الفوري للرجل.

ويذكرنا هذا بأن السلف كانوا يقرأون القرآن قراءة متكاملة، وأيضاً بأن السجال حول الإسلام والديمقراطية يتعامل بصورة مجتزأة مع النصوص، خاصة حين يقتصرالاستشهاد في كثير من الأحيان علي آيتي الشوري في القرآن، ويغفل عن مواضع أخري كثيرة ذات صلة في القرآن والحديث. ومن أمثلة ذلك كثرة الاستشهاد بالحديث المشكوك فيه: ما أفلح قوم ولوا أمرهم امرأة ، مع إهمال آيات سورة النمل التي تحدثت عن ملكة سبأ ونهجها في الشوري بدون إنكار لأي من ذلك. ومن هذا المنطلق نود أن نبدأ هنا بتقديم هدية مجانية لمعارضي الديمقراطية من السلفيين بالإشارة إلي موضعين في القرآن يبدو من ظاهرهما أنهما يدعمان التفسير الذي يري تضارباً بيناً بين الديمقراطية وقيم الإسلام.
أما الموضع الأول فهو الآيات 246 ـ 249 من سورة البقرة التي تتحدث عن طلب بني إسرائيل إلي أحد أنبيائهم أن يبعث لهم ملكاً لقيادتهم في الجهاد في سبيل الله. وحين استجيب إلي طلبهم، اعترض ممثلو المجتمع علي شخص الملك بحجة أنه غير مؤهل لتولي المنصب بسبب وضعه المالي والاجتماعي المتدني نسبياً في بني إسرائيل. ولكن النبي رفض هذا الاعتراض الجماعي، مذكراً القوم بالاختيار السماوي للرجل. وحين خرج الملك المعين ـ طالوت ـ علي رأس جيشه، وضع للجند اختباراً حين نهي أفراد الجيش العطشي عن الشرب من نهر اعترضهم، وحين شرب غالبية الجند من النهر قام بطردهم من الجيش واكتفي بالأقلية التي اتبعت أوامره. فهذه الحكاية تشير بوضوح إلي أن رأي الغالبية لم يكن له اعتبار في أمرين مهمين، هما القيادة السياسية ـ العسكرية وعضوية الجيش.
أما الموضع الثاني فهو الآية 154 من سورة آل عمران التي ورد فيها: وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية يقولون هل لنا من الأمر شيء؟ قل إن الأمر كله لله. يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك، يقولون: لوكان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا . ففي هذا الموضع ينتقد القرآن هؤلاء المعارضين لاتهامهم الرسول صلي الله عليه وسلم ضمناً بأنه لا يشركهم في اتخاذ القرار، ويرد عليهم رداً حاسماً: إن الأمر كله لله. وففي كلا الموضعين يبدو أن القرآن تعامل مع حالتين وقفت فيهما القيادة الدينية ضد شريحة مهمة من أهل الرأي، فدعمها الوحي وانتقد بوضوح حجج وموقف المعارضين، حتي حين كانوا يمثلون رأي الغالبية.
ولكن التأمل الأعمق يشير إلي خطأ هذه القراءة. ففي القضية الأولي نجد أن ممثلي بني إسرائيل هم الذين طلبوا من النبي اختيار القيادة السياسية بمحض إرادتهم، وجاء الوحي مستجيباً لطلبهم. فلو أنهم اختاروا الملك بأنفسهم بدون طلب توليته عبر الوحي لما ثارت هذه القضية أصلاً. وبما أنهم طلبوا مشورة الوحي كما فعلوا في قصة البقرة، كان يجب عليهم أن يمتثلوا. وحتي هنا فإن النبي لم يقل لهم فقط إن الله اصطفي طالوت عليهم بقرار سماوي، بل فسر لهم ذلك بأن لطالوت مؤهلات بدنية وعقلية تجعله الأصلح للمنصب، وأن اعتبارات الثروة والمكانة الاجتماعية ليست هي كل شيء في هذه القضية. وزاد النبي فأعطاهم آية تتمثل في عودة التابوت المحمول من الملائكة لرفع الروح المعنوية وتأكيد الدعم السماوي المباشر لجهادهم العادل.
في المسألة الثانية، وهي تتعلق بالمداولات التي وقعت بعد هزيمة أحد، حين احتج البعض علي قرار الخروج لملاقاة العدو، وكانوا يريدون القول بأن الهزيمة وقعت لأن الرسول صلي الله عليه وسلم لم يستمع لنصيحتهم بالبقاء داخل المدينة، فإن القرآن يذكر المعترضين بأن النصر والحياة والموت كلها بيد الله: قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلي مضاجعهم . وقد كان قرار الخروج وواقع الهزيمة تدبيراً إلهياً: وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم والله عليم بذات الصدور .
ولا بد من التذكير بأن الخروج إلي أحد كان قراراً ديمقراطياً كما هو مشهور، لأن الرسول صلي الله عليه وسلم لم يكن يريد الخروج، ولكنه انصاع لإرادة الأغلبية التي أشارت بذلك في المداولات المفتوحة التي سبقت المعركة. إذن فإن الفئة المعترضة لم تكن تدافع عن الديمقراطية ورأي الأغلبية، بل بالعكس، كانت تجادل بأن يكون لها هي موقع متميز في اتخاذ النبيالقرار لا يؤهلها له سند شعبي ولا رجاحة رأي معروفة ولا إخلاص مشهود به. والمشهور أيضاً أن آية وشاورهم في الأمر قد نزلت بعد واقعة أحد مباشرة مما يفند تحديداً أي استنتاج أن استشارة النبي لأصحابه كانت خطأً كما ادعت هذه الفئة. ومن هنا فإن هذه الآيات مجتمعة تؤكد علي قيم تؤيد الديمقراطية من شوري مفتوحة واستئناس برأي الأغلبية.
ولا بد من ملاحظة أن الواقعتين أعلاه يتميزان أولاً بوقوعهما في وقت نزول الوحي، وثانياً بتعلقهما بشأن حربي. والمعروف أنه حتي في الديمقراطيات الحديثة فإن الأمور العسكرية، خاصة في جوانبها الميدانية، لا تخضع بالكامل للاعتبارات الديمقراطية. إضافة إلي ذلك فإن وقت نزول الوحي حالة خاصة لا تتوفر فيما عداها. علي سبيل المثال فإن المعارضة لحكم سليمان وداوود عليهما السلام قد تكون معارضة للنبوة أكثر منها معارضة سياسية واختلاف اجتهاد، ولكن ليس في كل حال. ومع ذلك فقد واجه النبي صلي الله عليه وسلم أكثر من حالة معارضة سياسية من أصحابه ولم يعتبرها هو خروجاً علي الدين. حدث هذا في قصة أسري بدر التي نزل الوحي فيها مؤيداً للرأي المعارض، وواقعة الحديبية التي عالجها بالحكمة (بناءً علي مشورة إحدي زوجاته) وقصة غنائم حنين التي عالجها بالحوار والإقناع.
ولكن القراءة المتعمقة للواقعتين تؤكد أنها (بالرغم من هذين البعدين، أي استمرار الوحي والطبيعة العسكرية للقضايا الخلافية) تؤيد حجج المنادين بالديمقراطية وليس العكس. فمثلاً نجد أن طالوت لم يفرض علي الكل ما يمليه الالتزام العسكري في الجيوش قديماً وحديثاً بإصدار أوامر حاسمة بعدم الشرب من النهر، وإنما أعطي من شاء الخيار في الشرب من عدمه، ومن ثم الاستمرار في الجيش أو مفارقته. وهكذا كان الحال في الغزوات في العهد النبوي، حيث لم تكن هناك عقوبة مالية أو جسدية أو غيرها لمن يتخلف عن الحملة، بل كان هناك قبول لأعذار المتخلفين الكاذبة، وفي حالات نادرة عقوبات أخلاقية بالمقاطعة أو الحرمان من المشاركة في غزوات قادمة.
فيما يتعلق بواقعة أحد فإن الشوري كانت الأساس قبل المعركة (مثلما كان الأمر قبل بدر: أشيروا علي أيها الناس! ) وتم التأكيد عليها بعدها. ولم يكن النكير علي المنافقين الذين جأروا بالشكوي من إقصائهم من المشاركة في القرار إلا تأكيداً لهذا المعني. فهذه المجموعة كانت تطالب بوضع خاص يتميز عن بقية المؤمنين الذين تمت مشاورتهم كما أسلفنا. فإذا كانت الشوري والاستئناس برأي الغالبية مأموراً بها في إدارة العمليات العسكرية وفي وقت نزول الوحي، فمن باب أولي أن تكون هي السبيل في غير ذلك من الأوقات والظروف.
إن التأكيد في هذه الآية علي أن الأمر كله لله هو تأكيد علي حقيقة لا جدال فيها، وهي أن القرار النهائي بشأن الكون وما يقع فيه هو للمولي عز وجل، ولا يفهم من ذلك أن حق اتخاذ القرار منزوع من العباد، إذ أن الجدال هنا كان بين النبي وبين فئة من أهل الشقاق، وقد ورد في آية سبقت هذه في نفس السياق في مخاطبة النبي صلي الله عليه وسلم: ليس لك من الأمر شيء ، أي فيما يتعلق بمصائر العباد وهدايتهم أو هلاكهم. أما الأمر بمعني المشاركة في اتخاذ القرار في الشأن العام، فهو للأمة بمجملها، وليس كما يوحي تعبير ولي الأمر الذي يستخدمه البعض لتبرير استبداد الفرد أو الأسرة بالأمر من دون المؤمنين.
وتنسف هذه الخلاصة الحجة القائلة بوجود تعارض ومقابلة بين حكم الله و حكم الشعب ، لأن الله سبحانه وتعالي أوكل الحكم في الدنيا للبشر، وابتلاهم بذلك، حتي في وقت نزول الوحي وفي حضور الأنبياء، لينظر كيف يعملون. والمسألة الخلافية هنا هي هل تحتاج الأمة إلي وصاية من قلة تدعي أنها هي الناطقة باسم السماء، أم أن الأمر متروك للأمة تتداول فيه بما تراه؟ الثابت عند جمهور أهل السنة هو أن الأمر متروك لإجماع الأمة. ذلك أن القرآن يرفض وجود طبقة من الأحبار والرهبان تحتكر السلطة الدينية، ويؤكد المسؤولية الشخصية لكل فرد مع المسؤولية الجماعية للأمة.
وإذا كان الأمر للأمة بعمومها، فإن هذا لا بد أن يترجم بآليات ترتضيها الأمة بغالبيتها لاختيار القيادات ومحاسبتها والتأكد من سيرها علي هدي الشرع. وقد فهم السلف الصالح ذلك حين تخيروا الآليات المتاحة وقتها لتحقيق هذا الغرض. وليس صحيحاً كما يزعم البعض أن ممارسات الخلافة الراشدة كانت تقوم علي الحكم الفردي وفرض الخليفة بقرار فوقي. فبيعة أبي بكر تمت بعد حوار مفتوح شارك فيه غالبية أهل المدينة، ولم يخالف في الأمر إلا قلة معزولة. وبنفس القدر فإن ترشيح أبي بكر لعمر لم يكن قراراً فردياً ولم يفرض علي الأمة، بل إن أبابكر لم يزد علي أن رشح عمر، وعرض ذلك علي جمهور المسلمين فوافقوا عليه في حياته بعد مداولات طويلة، ثم أمضوا الأمر بعد موته. ونفس الأمر فيما يتعلق باختيار عمر للمجلس السداسي، إذا كان الأمر اقتراحاً لو شاء من جاء بعده لرفضوه. ولم يتم اختيار الخليفة من بين الستة إلا بعد مشاورات مكثفة شملت كل رجال (ونساء) المدينة لاستطلاع آرائهم في الأصلح للقيادة. وينسحب هذا الأمر ليس فقط علي قرارات اختيار الخليفة، بل كل قراراته التنفيذية التي كانت تتعرض للمناقشة في برلمان الأمة (المسجد النبوي)، وكان يكفي اعتراض فرد واحد (أحياناً امرأة نجهل اسمها حتي اليوم كما كان الحال في محاولة عمر تحديد المهور) لتعويق أو إلغاء القرار.
ومن هذا المنطلق فإن الاعتراضات علي الديمقراطية تسقط. ولا يعني هذا أن الديمقراطية بشكلها الغربي لا بد أن تطبق اسلامياً وألا بديل عنها. فليس هناك ما يمنع الأمة الإسلامية (وغيرها من أمم العالم) من ابتداع نهج يجسد قيم الإسلام بصورة أفضل. ولكن الثابت هو أن الديمقراطية هي اليوم أفضل المعروض، خاصة وأنها جربت في بيئات كثيرة، وتم تطويرها لتلافي عيوب التطبيق. ولا بد أن نضيف هنا أنه لولا الديمقراطية الحديثة ومزاياها لما تنبه كثير من المسلمين إلي وجود بديل عن الاستبداد، وهو ما نوه به الشيخ رشيد رضا حين كتب في عام 1906 رداً علي قارئ سأله لماذا لا يسمي الحكم الدستوري حكم الشوري يقول: ولا تقل أيها المسلم إن هذا الحكم (الدستوري) أصل من أصول ديننا، فنحن قد استفدناه من الكتاب المبين وسيرة الخلفاء الراشدين لا من معاشرة الأوروبيين والوقوف علي حال الغربيين، فإنه لولا الاعتبار بحال هؤلاء الناس لما فكرت أنت وأمثالك بأن هذا من الإسلام . وقد صدق الشيخ، فإن التنبه إلي هذا الجانب من تعاليم الإسلام جاء نتيجة للإطلاع علي مزايا الديمقراطية الحديثة، بينما نجد العلماء في معظم بلاد الإسلام ما زالوا يؤيدون كل أصناف الاستبداد، وهو أمر ذكر به رضا قراءه، حين أشار إلي حكام مراكش وغيرهم ممن كانوا يكثرون تلاوة سورة الشوري دون أن توحي إليه بمقاومة الاستبداد الذي يؤيدون.
فلتكن البداية إذن من الديمقراطية بشكلها الحالي، ثم لنفتح الباب لتطويرها عبر التجربة الحرة وإجماع المسلمين. ومن كان عنده اقتراح أفضل فليطرحه لنا حتي تتداول الأمة حوله، هذا بالطبع إذا سمح لها المستبدون بذلك.

One thought on “من فرعون إلي طالوت

أترك ردا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s