بين اليوم والأمس … الرجيع وبئر معونة

هدية إلى شهداء داريا وكل بلاد الشام

إعداد : ربيع عرابي

بعث الرجيع:

وفي شهر صفر من نفس السنة -أي الرابعة من الهجرة- قدم على رسول الله صلّى الله عليه وسلم قوم من عضل وقارة وذكروا أن فيهم إسلاما. وسألوا أن يبعث معهم من يعلمهم الدين، ويقرئهم القرآن، فبعث معهم عشرة نفر وأمر عليهم عاصم بن ثابت جد عاصم بن عمر بن الخطاب في رواية البخاري  فذهبوا معهم، فلما كانوا بالرجيع -وهو ماء لهذيل بناحية الحجاز بين رابغ وجدة- استصرخوا عليهم حيا من هذيل يقال لهم بنو لحيان، فتبعهم قرابة مائة رام، واقتصوا آثارهم حتى لحقوهم، فأحاطوا بهم وقالوا: لكم العهد والميثاق إن نزلتم إلينا أن لا نقتل منكم رجلا.

فأما عاصم فأبى النزول، وقاتلهم في أصحابه، فقتل منهم سبعة بالنبل، وبقي خبيب وزيد بن الدثنة ورجل آخر فأعطوهم العهد والميثاق مرة أخرى، فنزلوا إليهم، ولكنهم غدروا بهم وربطوهم بأوتار قسيهم، فقال الرجل الثالث: هذا أول الغدر، وأبى أن يصحبهم، فجرروه وعالجوه على أن يصحبهم، فلم يفعل، فقتلوه، وانطلقوا بخبيب وزيد فباعوهما بمكة، وكانا قتلا من رؤوسهم يوم بدر، فأما خبيب فمكث عندهم مسجونا، ثم أجمعوا على قتله، فخرجوا به من الحرم إلى التنعيم، فلما أزمعوا على صلبه قال: دعوني حتى أركع ركعتين، فتركوه فصلاهما، فلما سلم قال: والله لولا أن تقولوا: إن ما بي جزع لزدت، ثم قال:

اللهم أحصهم عددا، واقتلهم بددا، ولا تبق منهم أحدا، ثم قال:

لقد أجمع الأحزاب حولي وألبوا                 قبائلهم واستجمعوا كل مجمع

وقد قربوا أبناءهم ونساءهم                      وقربت من جذع طويل ممنع

إلى الله أشكو غربتي بعد كربتي                 وما جمع الأحزاب لي عند مضجعي

فذا العرش صبرني على ما يراد بي            فقد بضعوا لحمي وقد بؤس مطعمي

وقد خيروني الكفر والموت دونه                فقد ذرفت عيناي من غير مدمع

ولست أبالي حين أقتل مسلما                    على أي شق كان في الله مضجعي

وذلك في ذات الإله وإن يشأ                     يبارك على أوصال شلو ممزع

 فقال له أبو سفيان: أيسرك أن محمدا عندنا نضرب عنقه، وأنك في أهلك؟ فقال:

لا والله ما يسرني أني في أهلي وأن محمدا في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه.

 ثم صلبوه ووكلوا به من يحرس جثته، فجاء عمرو بن أمية الضمري، فاحتمله بخدعة ليلا، فذهب به فدفنه، وكان الذي تولى قتل خبيب هو عقبة بن الحارث وكان خبيب قد قتل أباه حارثا يوم بدر.

وفي الصحيح أن خبيبا أول من سن الركعتين عند القتل، وأنه رئي وهو أسير يأكل قطفا من العنب، وما بمكة تمرة.

واما زيد بن الدثنة فابتاعه صفوان بن أمية فقتله بأبيه.

وبعثت قريش إلى عاصم ليؤتوا بشيء من جسده يعرفونه- وكان عاصم قتل عظيما من عظمائهم يوم بدر- فبعث الله عليه مثل الظلة من الدبر- الزنابير- فحمته من رسلهم، فلم يقدروا منه على شيء. وكان عاصم أعطى الله عهدا أن لا يمسه مشرك، ولا يمس مشركا، وكان عمر لما بلغه خبره يقول: يحفظ الله العبد المؤمن بعد وفاته كما يحفظه في حياته.

مأساة بئر معونة:

وفي نفس الشهر الذي وقعت فيه مأساة الرجيع وقعت مأساة أخرى أشد وأفظع من الأولى، وهي التي تعرف بوقعة بئر معونة.

وملخصها أن أبا براء عامر بن مالك (المدعو بملاعب الأسنة) قدم على رسول الله صلّى الله عليه وسلم المدينة، فدعاه إلى الإسلام فلم يسلم ولم يبعد، فقال: يا رسول الله لو بعثت أصحابك إلى أهل نجد يدعونهم إلى دينك؛ لرجوت أن يجيبوهم، فقال: «إني أخاف عليهم أهل نجد» ، فقال أبو براء: أنا جار لهم، فبعث معه سبعين رجلا وأمر عليهم المنذر بن عمرو أحد بني ساعدة الملقب بالمعتق ليموت، وكانوا من خيار المسلمين وفضلائهم وساداتهم وقرائهم، فساروا يحتطبون بالنهار، يشترون به الطعام لأهل الصفة، ويتدارسون القرآن، ويصلون بالليل، حتى نزلوا بئر معونة -وهي أرض بين بني عامر وحرة وبني سليم- فنزلوا هناك، ثم بعثوا حرام بن ملحان أخا أم سليم بكتاب رسول الله صلّى الله عليه وسلم إلى عدو الله عامر بن الطفيل، فلم ينظر فيه، وأمر رجلا فطعنه بالحربة من خلفه، فلما أنفذها فيه ورأى الدم قال حرام: الله أكبر، فزت ورب الكعبة.

ثم استنفر عدو الله لفوره بني عامر إلى قتال الباقين، فلم يجيبوه لأجل جوار أبي براء، فاستنفر بني سليم، فأجابته عصية ورعل وذكوان، فجاءوا حتى أحاطوا بأصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فقاتلوا حتى قتلوا عن آخرهم، إلا كعب بن زيد بن النجار، فإنه ارتث من بين القتلى، فعاش حتى قتل يوم الخندق.

وكان عمرو بن أمية الضمري والمنذر بن عقبة بن عامر في سرح المسلمين، فرأيا الطير تحوم على موضع الوقعة، فنزل المنذر، فقاتل المشركين حتى قتل مع أصحابه، وأسر عمرو بن أمية الضمري، فلما أخبر أنه من مضر جز عامر ناصيته، وأعتقه عن رقبة كانت على أمه.

ورجع عمرو بن أمية الضمري إلى النبي صلّى الله عليه وسلم حاملا معه أنباء المصاب الفادح، مصرع سبعين من أفاضل المسلمين، تذكر نكبتهم الكبيرة بنكبة أحد؛ إلا أن هؤلاء ذهبوا في قتال واضح؛ وأولئك ذهبوا في غدرة شائنة.

ولما كان عمرو بن أمية في الطريق بالقرقرة من صدر قناة، نزل في ظل شجرة وجاء رجلان من بني كلاب فنزلا معه، فلما ناما فتك بهما عمرو، وهو يرى أنه قد أصاب ثأر أصحابه، وإذا معهما عهد من رسول الله صلّى الله عليه وسلم لم يشعر به، فلما قدم أخبر رسول الله صلّى الله عليه وسلم بما فعل، فقال: لقد قتلت قتيلين لأدينهما وانشغل بجمع دياتهم من المسلمين وحلفائهم اليهود.

وقد تألم النبي صلّى الله عليه وسلم لأجل هذه المأساة، ولأجل مأساة الرجيع اللتين وقعتا خلال أيام معدودة تألما شديدا، وتغلب عليه الحزن ، حتى دعا على هؤلاء الأقوام والقبائل التي قامت بالغدر والفتك في أصحابه، ففي الصحيح عن أنس قال: دعا النبي صلّى الله عليه وسلم على الذين قتلوا أصحابه ببئر معونة ثلاثين صباحا، يدعو في صلاة الفجر على رعل وذكوان ولحيان وعصية، ويقول: «عصية عصت الله ورسوله» ، فأنزل الله تعالى على نبيه قرآنا قرأناه حتى نسخ بعد «بلغوا قومنا أنا لقينا ربنا فرضي عنا ورضينا عنه» فترك رسول الله صلّى الله عليه وسلم قنوته.

 الرحيق المختوم – صفي الرحمن المباركفوري

أترك ردا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s