تافه … يُستفاد منه

جان عزيز

 كان ذلك في سوريا قبل أربعة عقود ونيف. في منطقة السويداء كان مسؤول كبير وشهير في حزب البعث هو المقدم سليم حاطوم. بعد أشهر قليلة على تحالفه مع صلاح جديد وتنفيذهما الانقلاب على الرئيس أمين الحافظ، بدأت خلافاته مع «الرفاق». حتى حاول الثورة عليهم، قبل أن يفشل وينتقل مع بعض من عسكرييه إلى الأردن. خلا مركز المسؤول الحزبي هناك، فجيء برفيق شبه مغمور اسمه حمود قباني. مرت الأيام، اندلعت حرب الـ67، ثارت الحمية القومية في صدر حاطوم، فأعلن عزمه العودة إلى سوريا لقتال العدو. لكن مصيره كان الاعتقال والمحاكمة والإعدام الشهير…

في ذلك الوقت بالذات، كان نور الدين الأتاسي رئيساً للدولة، وكان صلاح جديد الرجل القوي في دمشق في موقع مساعد الأمين العام للحزب. ذات صباح فتح خط الهاتف الحزبي بين العاصمة والجبل: الرفيق حمود قباني مطلوب لاجتماع مع الرفيق صلاح. كان الخبر كافياً لإلقاء مزيج من الهلع والترقّب في قلب المسؤول المناطقي. في الموعد المحدد نزل صوب الشام. أعدّ العدة ليصل باكراً، فيتاح له من الوقت ما يكفي قبل الموعد ــــ القطوع ليزور صديقاً له ورفيقاً حزبياً قديماً، هو كمال شرف. من السلام مباشرة أخبره، بصوت يحاول إخفاء ما في القلب، أنه ذاهب إلى موعد محدد له مع صلاح جديد. لا يعرف لماذا، ولا ما يمكن أن ينتظره. لكن الاسم والظرف والسياق، كلها عوامل تدعو إلى ألف حساب وحساب.
لم يقدم له شرف الكثير من النصح في زيارته الاستشارية. بضع كلمات عامة، وتوجيهات بديهية، ودعوة للاتكال على الله، واتفاق أخير على العودة إليه بعد المقابلة، إذا كان هناك ما بعدها.
وصل الرفيق حمود إلى موعده. دخل على جديد، فوجد الأخير واقفاً إلى نافذة مكتبه، يتأمل في خارجه. «تفضل» قال له من دون الالتفات إليه. بضع دقائق وأسئلة تقليدية بلهجة عسكرية عن المنطقة والرفاق والأوضاع، من دون أي ودّ أو لطف أو تعارف، في ظل غياب أي معرفة سابقة بين الرجلين. فجأة دخل العسكري، سكرتير جديد، ليبلغه أن رئيس الدولة ينتظره على الهاتف. مشى الأمين العام المساعد من حيث كان واقفاً متأملاً، إلى غرفة جانبية لتلقّي المكالمة الرئاسية. مرّ من أمام الرفيق حمود، لم يرفع رأسه صوبه، لم يرم نظرة إليه، خرج من الغرفة من دون حتى التفاتة إلى ضيفه الجالس على كرسيه القلق أمام مكتبه، ومن دون كلمة.
غاب جديد بعض الوقت، بدا قرناً للرفيق حمود. حاول إلهاء نفسه عن توتراتها، فراح يوزع نظره بين السقف، ثم الجدران، ثم الأرض… كاد أن يحفظ غيباً عدد البلاطات وشقوق الحيطان وخيوط عنكبوت الزوايا، قبل أن تقع عيناه على مكتب صلاح جديد. لم يستطع إشاحة نظره. هي ورقة كبيرة، عليها لائحة أسماء. حاول إبعاد طرفه، لكنّ أحرفاً مثل أحرف اسمه شدّته بالقوة إلى هناك. بلى، هو اسمه. اسمه مكتوب على لائحة أمام رجل دمشق الأقوى. وسط ارتعاد مفاصله قرأ بشيء من الذعر: حمود قباني. لم تنته الصدمات، إلى جانب اسمه ملاحظة بخط مائل، تقول للتعريف: تافه، يُستفاد منه…
لم يكد ابن السويداء يمسك دمه من الانفجار بين وجهه والأمعاء، حتى كان صلاح جديد يعود إلى الغرفة. الوجه القاسي نفسه، اللهجة الجافة ذاتها. بين محاولة قباني عدم إظهار أي تعبير عليه، كان جديد يعاجله بسؤال من نوع إقفال ملف: ماذا تفعل أنت في الحياة؟ وفي منتصف محاولة الإجابة الصعبة المعقدة، جاء ردّ جديد: طيب، خلص فيك تفلّ…
خرج حمود من مكتب جديد شاحذاً آخر ما في رجليه من عصب وعضل، مستجمعاً آخر نفس قبل أن يسقط فوراً على صديقه شرف في طريق العودة، راوياً شاكياً متوقعاً أن أمراً خطيراً سيحصل له حتماً. «تافه يُستفاد منه»، قال لصديقه الرفيق، كمن يودّعه، ويوشك على توصيته بأولاده. لكن شرف الخبير العتيق بشؤون الناس المن هذا النوع، والعارف بعقول العسكريتاريا ونفسيات أصحابها، لم يلبث أن قهقه معانقاً حمود، ومهنّئاً مبشّراً: اضحك في عبك يا حمود. فُتحت بوجهك، وغداً سترى.
لم يفهم قباني شيئاً، حاول تقليب الواقعة وتعليق رفيقه في طريق العودة، من دون نتيجة. بعد أيام جاء الجواب اليقين. في 28 أيلول 1967 عُيّن حمود قباني وزيراً للتخطيط. بعدها عضواً في القيادة القطرية. وفي أيار 1969 صار وزيراً للإعلام. وظل برتبة «تافه يستفاد منه» حتى سقوط صلاح جديد…
لا سياق لهذا الكلام. ولا مناسبة له. أصلاً لا تحتاج الوقائع الحقائق إلى توقيت أو تسقيط، كما أن أي تشابه بين شخصيات هذه القصة وأي مسؤول حالي أو سابق أو لاحق في أي مكان من عسكريتارياتنا ليس حتى من باب المصادفة، بل مجرد وهم متخيّل… من قال إنه لا شيء ثابت في السياسة. ثمة أشياء لا تتغيّر.

السياسة : العدد ١٦٠٧ الخميس ١٢ كانون الثاني ٢٠١٢

أترك ردا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s