أخرجوني من بلادي مكرهة ولو خيروني والله ما تركتها

أسماء السقطي

من موطن ليس موطني , من أرض لم أسكنها في حياتي أرفع قضيتي إلى العالم واناشد الأحرار بالدفاع عن حقوقي وهويتي … هويتي التي سرقها مني الظلام وأخرجوني من دياري بغير حق … وبأي حق أبعدت عنك يا أرضي ؟ بأي حق منعوني من العودة إليك ؟

بعد أن خرجت حرة من سجني بتاريخ 19\1\ 2012 وقام حينها أحرار وحرائر الشام مطالبين بحريتي بكل قوة ومروءة , انتظر فرع الأمن السياسي 4 أشهر تماماً حتى أبلغ العشرين سنة وأصدر قراراً بطردي خارج البلاد ليكون هذا هدية عيد ميلادي العشرين.

اليوم هو الأحد 27\5\2012 : أذكر أنني كنت في منزلي أتهيأ للذهاب لفرع الامن السياسي الذي كان قد اتصل بي في اليوم السابق واخبرني أن علي الذهاب لمراجعة الفرع في أمر ما, كنت أحس أن أمراً جللاً سيحدث وأن الأمور ربما لن تجري على مايرام , ولم أخبر أحداً بأنني ذاهبة إلا قلة قليلة من الأصدقاء …

واريت الأمر عن والدتي الوحيدة في المنزل وغادرته حزينة لا أدري ما المصير فاتجهت إلى منزل صديقتي حيث ودعتها وأودعت عندها هاتفي … ثم إلى مقر الفرع

بقيت فيه ربما أقل من خمس دقائق ! فقد استقبلني النقيب عمار بوجه يفيض غيظاً وقال لي بضع كلمات تثير الأعصاب فقط ولم يقم باستجوابي … ولم يسألني أي سؤال

كان كتاب ترحيلي جاهزاً موقعاً والأمر محسوم والسيارة تنتظرني في الخارج … ولم نستغرق سوى ربع ساعة للوصول إلى إدارة الهجرة والجوازات ليتم إنهاء الأوراق كلها

قضيت في الإدارة 6 ساعات لا أنساها ما حييت … كنت الفتاة الوحيدة و حولي أشباه رجال لا أستطيع أن أقيم لهم قدراً ولو رأيتهم على عروش من ذهب

عرفني معظمهم وكانت ملامحي مألوفة لديهم منذ الاعتقال الماضي … فسألوني : شو جابك ؟ ليش بدن يرحلوكي ؟

ما بعرف ! .. هيك .. استدعوني بس بعدين حولوني لهون …

طيب ليش ؟

ما بعرف ! ما بعرف !

كانت الدموع تملأ عيوني والبكاء بالكاد أحبسه ولا أدرك ما يحصل حولي …. حاولت النظر إلى الأوراق الكثيرة في ملفي …. لكنني لم أر إلا الورقة الأولى :

( ومنعها من العودة إلى القطر مستقبلاً ) قرأتها بعيني ولن أنساها للأبد

ماذا فعلت حتى أمنع من دخول بلادي !! ماذا فعلت يا بلادي !! هل هذا جزائ أم بلوى ام ماذا !

سألني أحد الشرطة عن بعض معلوماتي الشخصية … وانتهى بقوله: شو جرمك ؟

ما بعرف ! ما بعرف ! مافي جرم ! مافي تهمة

بأي حق بجيبني النقيب لهون بدون ما يحقق معي ؟!

بدي روح عالقضاء انا !

هاد قرار !

ماشي … قرروا لتشبعو .. لانو الناس لعبة .. ماشي

إلى الآن أطالب باستجواب … أطالب بتحقيق … أطالب بمعرفة جريمتي التي أخرجت من أجلها

أطالب بزيارة القصر اللاعدلي علني أجد فيه قاضياً عادلاً يحكم بيني وبين ظلامي

إلى الآن أطالب

اطالب بالاعتراف بهويتي السورية … أطالب باعتراف حكومة بلدي أنني من الشام … عملت من أجلك يا شام .. فلا تخذليني الآن

صمت الشرطة من حولي … فهم عبيد ينفذون الأوامر ولا تستطيع ضمائرهم ( إن كانت موجودة التمييز بين خير وشر) هكذا أمرهم فرع الأمن .. فلنرى إلى متى سيحكم الأمن البلاد .. فلنرى إلى متى سيبقى حكمه فوق القضاء

ستأتي الأيام بالخبر اليقين وسيأتي الحق حتماً … فالله فوق المعتدي … والله أكبر على الظالمين

مضت الساعات كأيام … وحياتي التي كانت مليئة بكثير من الأشياء تمر في ذاكرتي … وامي الحبيبة لم تغب عن خاطري .. سأخسرك يا حياتي القديمة وأبدأ من جديد

وياليت أحداً كان لا يدري بما يجري وياليت أهلي كانوا لا يعلمون بما يحصل !! فقد رفض الجبناء أن أتصل بهم .. إلا واحد منهم خانه الشر في قلبه وسمح له بأن يتصل بصديقتي ليخبرها .. وبدأ الأهل والأصدقاء بالبحث عني

امضيت معظم الوقت على نافذة في الإدارة أرقب يائسة وصول احد ما اعرفه … لكن لا جدوى .. وفقدت الامل أكثر عندما أخذوا بصمات يدي وعيناي وكل شيء وكأن توقيعاً ختم على ورقة : لن تعودي !! سترحلين …

غادرنا الإدارة الساعة الرابعة إلى حيث لا أدري … ومن حسن حظي انهم لم يضعوا القيود في يدي … وكنت أنظر من نافذة السيارة على آخر لمحات من بلادي .. وانظر في وجوه الناس .. علني أجد أحداً أعرفه … فلا أحد يعلم أين أنا ولا معين سوى مولاي الكريم

قبل ان أركب الباص الذي سينفيني بعيداً … قال لي أحد الشرطة : انظري لقد جاء أخوكي … نظرت خلفي فإذا به خاطبي ( ولم يكن حينها قد تقدم إلي بعد ) …

أخيرا … شخص عزيز علي أودعه … لقد وصل أخيرا … رأيته حزيناً جداً يحبس الدموع من اجلي .. ورآني حزينة أكثر منه تبدو علي ملامح التعب واليأس

فرحت كثيراً بقدومه وارتسمت أخيرا ابتسامة حزينة على وجهي وامتزجت في داخلي مشاعر الألم والفرح واليأس والرضا بقضاء الله

قال لي: عم نستناكي … لح ترجعي

فبشرني وطمأنني أنهم لن يتركوني وأعطاني هاتفه الخاص وبعض الحاجيات .. ثم افترقنا

ركبت بعدها حافلة للشرطة بعد أن قال لي أحد شرطة الهجرة : بالسلامة ان شالله … كان لطيفاً معي … ثم ودعت حياتي السابقة … وصرت أبكي .. ليس ندماً بل أساً على حالي وعمري الذي ضاع مني

وصلت إلى الحدود السورية وكففت عن البكاء هناك لاأدري لماذا … فقد طردت من البلد وانقضى الأمر .. ولن تعيدني الدموع إلى منزلي

وهناك قضيت ليلة باردة في سجن صغير على حدود وطني …قررت أنا انام فيها … لأنني خفت ألا مأوى بعد ذلك أنام فيه , ففي الصباح وطن جديد ومصير جديد مجهول وشرطيان يفتحان باب السجن ويقول أحدهم: انتي اسماء ؟

– اي؟

– يلى تعي

– هلأ رايحين على لبنان؟

– اي

– وهنيك لح تتركوني ؟

– اي اكيد

اخيرا … اطلق سراحي … لاصبح أسيرة ذكرياتي !!

وصلنا إلى لبنان صباحاً واستلم أوراقي الشرطة هناك وقد كانوا لطفاء معي جداً وخاصة بعد أن علموا قصتي ووعدوني ألا يتركونني إن لم أجد مأوى …

واخيرا , اتصلت بشخص كان قد أوصاني خاطبي أن اكلمه عندما أدخل الحدود اللبنانية .

خلال رحلتي القصيرة تلك : كان كل من يراني يسألني : شو قصتك ؟ ليش هيك لحالك ؟…

مافي شي … مرحّلة سياسية من سوريا !

وداعاً سوريا … وداعاً يا وطني

أسماء السقطي

أترك ردا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s