سليمان القانوني ومارغريت تاتشر تسفيه المعالجة الدرامية للتاريخ

د.ديمة طارق طهبوب

لقد وضح المؤرخ البريطاني وروك أن التاريخ ليس سجلا مقدسا منزها عن الشبهات بل هو كثيرا ما يخلط مع الحقائق أنصافها وأشباهها التي قد تصل الى درجة التلفيق والافتراء، فالمصادر التاريخية التي يُعتمد عليها في البحث والتحقيق قد تكون منقوصة أو مفقودة بحيث لا تعطي صورة متكاملة عن الحدث أو الشخصية التاريخية، كما قد تُختلط الحقائق برأي المؤلف والمؤرخ والمدرسة الثقافية والأيدلوجية التي يتبع لها، وبناء على ذلك فقد وضع وروك قاعدة 8020 والتي أوصى من خلالها بدراسة 80  من أحداث التاريخ على أنها حقائق و20 كمعلومات قابلة للنقض وإعادة البحث.

والتاريخ هو الوعاء الحضاري الذي يخبر عن الشعوب والأمم واستقراؤه خطوة أساسية لاستشراف المستقبل والتعامل مع الواقع فما من حدث حالي الا وله جذور ممتدة في زمن سابق وإغفال دراسة المقدمات يؤدي على الأغلب الى سوء تقدير في النتائج، ويجب التفريق بين الماضي past والتاريخ history ، فالماضي هو كل ما وقع من أحداث سابقة في حياة البشر،كبيرها وصغيرها، معلومها ومجهولها، أما التاريخ فهي الأحداث التي يختار المؤرخون توثيقها دون غيرها وتسليط الضوء عليها، وهذه الاختيارات للأحداث والشخصيات قد لا تكون دائما متجردة أو بريئة!

و قد يخضع التاريخ للمبالغات كذلك ما بين الإفراط في المدح والتمجيد أو الذم والقدح وبخاصة عندما يُكتب بأقلام أعداء الأمة أو من غير أبناءها، وقد تزداد مساحة الخلط والتشويه المقصود، ويعاني التاريخ العربي والإسلامي أكثر من غيره من دخول أقلام مشبوهة من بعض المستشرقين كانت تدخل الزيف عن قصد الى تاريخنا، ولعل أشهر ما نذكره من روايات متضاربة ما يتعلق مثلا بسيرة الخليفة هارون الرشيد الذي صور كثير من المستشرقين حياته ما بين كأس وغانية في مجالس اللهو، وربما جاء دفاع المؤرخين العرب حادا كذلك فجاءت روايتهم أن هارون الرشيد كان يحج عاما ويغزو عاما، والحقيقة قد تكون وسطا بين الروايتين، فلقد عُرف عن بعض الخلفاء العباسيين توسعهم وإسرافهم ولكن عصور بعضهم، وبالذات عصر الرشيد الذي يعتبر أحد العصور الذهبية، قد شهد كذلك توسعا في الفتوحات والبحث العملي والترجمة والتأليف والبناء والإعمار، ولذلك ربما زادت وتيرة تقصده من قبل المؤرخين أصحاب الأقلام والذمم العلمية المأجورة!

و بما أن الجيل الجديد في أغلبه لم يعد جيل قراءة وبحث وتدقيق فإن كثيرا من المعلومات التاريخية تصله عن طريق وسال الإعلام الحديثة وأهمها التلفاز، وقد لا ينتبه المشاهدون أن كثيرا من الأحداث التاريخية في المسلسلات التاريخية تحديدا تخضع للمعالجة الدرامية بالإضافة والتغيير والحذف وإدخال عناصر التشويق وإغفال المهم والتركيز على الأقل أهمية وذلك من أجل زيادة نسب المشاهدة بأي ثمن كان، وهذا الحال ينطبق على المسلسل التركي المدبلج (حريم السلطان) والذي يتناول سيرة السلطان سليمان، عاشر السلاطين العثمانيين والذي عرفه الغرب بالسلطان العظيم، وسُمي عصره بالذهبي، وجاء تعريفة في الموسوعة الالكترونية ويكيبيديا حاكم بيت عثمان، سلطان السلاطين، خان الخانات، أمير المؤمنين، وخليفة رسول الله في الأرض، حامي المدن المقدسة الثلاث مكة والمدينة والقدس.

أما عن امتداد دولته فلا تدركه العيون شرقا وغربا. وكان لقبه القانوني وهذا يشير الى واحدة من أعظم انجازاته في صياغة القانون العثماني الذي نظم شؤون الدولة داخليا وخارجيا وحياة المواطنين، ويذكر الاستاذ زياد أبو غنيمة في كتابه (جوانب مضيئة في تاريخ العثمانيين الأتراك) أن الشعب تعلق بالسلطان الذي وحدهم، وجعل بلادهم سوقا واحدة، وحماهم من العدو الافرنجي، ورفع راية الاسلام وطبق أحكام الشريعة، ويذكر مثلا أن القانون الذي وضعه السلطان ينص أن يكون من يتولى منصب الصدارة العظمى (رئيس الوزراء) مواظبا على أداء الصلاة في أوقاتها.
هذه الشخصية وهذه المنجزات تقزم ويقل ذكرها وتحشر في زاوية هامشية بين جنبات المسلسل الذي لا يجد في السيرة العظيمة ما يستحق الإحياء سوى حريم السلطان اللواتي تمكن من استخفاف رجل كانت تخشاه ملوك أوروبا واللعب به كدمية وهو يمضي وقته في التنقل بين حرمة وأخرى!!

والسؤال البسيط هنا: إذا كان هذا السلطان الدنجوان يمضي وقته في الحرملك بين الخليلات فكيف تحققت كل هذه الانجازات في عهده وأين وجد الوقت ليقود الجيوش ويكتب القانون والشعر ويتعلم اللغات؟!
و حتى زوجته روكسيلانا التي تظهر في المسلسل كالشيطانة التي لا تعرف سوى المكائد تقول المصادر التاريخية عنها أنها كانت تحب عمل الخير وأوقفت في القدس وأكملت مشروع عيون زبيدة الذي بدأته زوجة الرشيد لتوفير المياه للحجاج وصولا الى مكة المكرمة، فأين الحقيقة من الخيال في هذا المسلسل ولمصلحة من يتم إغفال الجوانب المضيئة؟!
و بينما يغرق العرب في متابعة الحبكة يأتي الرد الأول من الجمهور التركي الأدرى بتاريخه، ففي سابقة لم تشهدها الساحة الإعلامية التركية وصلت لمؤسسة الإذاعة والتلفزيون التركية 70 الف شكوى على المسلسل واحتج بعض الأتراك أمام مبنى القناة المنتجة على التلقيق والإهانة التي وجهها المسلسل لفترة عظيمة وأثيرة من تاريخهم
في ذات الوقت الذي خرج فيه هذا المسلسل الى العلن خرج أيضا فيلم أجنبي يتناول سيرة أول امرأة تتولى منصب رئاسة الوزراء في أوروبا، بريطانيا تحديدا، هي مارجريت تاتشر والتي عرفت بلقب المرأة الحديدة The Iron Lady ويحمل الفيلم ذات الاسم، وهذه المرأة ذات السيرة الجدلية والتي تعاني الآن من الخرف وضعف الذاكرة dementia يقدمها الفيلم بصورة إنسانية تستجلب الاحترام بالرغم من كل أخطاءها، فالفيلم يظهرها كامرأة مكافحة قوية أرادت أن تصنع من نفسها ولشعبها وبلدها مكانة، وأنها تفوقت على الرجال وفعلت ما لم يستطيعوا فعله ،و تنقل الممثلة على لسانها في أحد المشاهد قولها ‘حياة الفرد يجب أن يكون لها معنى لا يمكن أن أموت وأنا أمام المجلى أغسل كوب شاي’.

والمشاهد يخرج بانطباع إيجابي عموما قد يصل الى درجة التعاطف مع هذه المرأة التي كانت في العلياء تدير دولة عظمى ثم سقطت فريسة الفقد والمرض، وبالرغم أن كثيرا من الشعب البريطاني كان يكرهها وطالب بإسقاطها غير مرة بسبب سياساتها على المستويين الاقتصادي والاجتماعي، الا أن الفيلم يقدمها كشخصية لها ما لها وعليها ما عليها وحياتها تستحق التقدير سواء أختلفنا أو اتفقنا معها!

لماذا تختلف المعالجة الدرامية للتاريخ بين الشـــرق والغرب؟ لماذا يبدو الغربييون وهم الذين ينادون بالموضوعية والإنصاف أكثر تسامحا مع تاريخــــــهم وشخوصهم بينما يبدو بعض كتابنا كالذباب لا يقعون الا على كل مستقذر؟!

أترك ردا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s