تشابه أسماء

الطغيان يعيد نفسه

ربيع عرابي

كلما مرت العين على قصة فرعون في القرآن الكريم تأملت في العبرة القائلة : السعيد من اتعظ بغيره والشقي من اتعظ بنفسه وسألت نفسي : ترى ألم يقرأ هذه القصة أي من الزعماء العرب الذاهبين واللاحقين –لا على سبيل العبادة والتقرب إلى الله – فنحن نعلم أن أوقاتهم ثمينة وغالية فهم مشغولون بإدارة شؤون شعوبهم ونهب خيراتهم وبيع ثرواتهم ، غارقون في عبادة أهوائهم وملذاتهم فليس لديهم من الوقت ما يكفي لعبادة الواحد الأحد ولكن تراهم لم يقرؤوه من باب العبرة والعظة واكتساب الخبرات ولتجنب الوقوع في نفس أخطاء من سبقهم من الزعماء.

فقد أقام فرعون دولته وسلطانه على أسس طائفية من جهة وعلى استقطاب الحثالة وسفلة المجتمع من جهة أخرى : “إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم” القصص- 4  وبنيت هذه الدولة على الأوهام والأساطير وكان لسانها وواجهتها الإعلامية السحر والشعوذة وأدواتها ووسائلها المال والثروات الطائلة : “إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم وآتينه من الكنوز ماإن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة” القصص – 76 وكان سلاحها البطش والإرهاب والقتل والتنكيل ، هذا الحلف غير المقدس الذي جمع رجال الدين الذين باعوا أنفسهم للسلطة وروجوا لها الأساطير والخرافات ورجال المال الفاسدين المفسدين المترفين الذين ينشرون الإنحلال والدونية في المجتمع وأبواق السلطة من رجال الإعلام وأساطينه الذين يزيفون الحقائق ويبيعون الأوهام وعصابات الأمن ذات الطبيعة المافيوية المجردين من القيم والأخلاق والذين يبيعون ولاءهم لمن يدفع أكثر، هذا الحلف الفاسد المفسد الذي يقف على ذروته فرعون الحاكم الأوحد والذي ارتكب أبشع صنوف الإبادة بقتله الأبناء حديثي الولادة  في سبيل المحافظة على نفوذه وسطوته وحول الأمهات إلى ثكالى ليصل الأمر بهن أن يلقين بفلذات أكبادهن بأنفسهن في الماء لإنقاذهم من سكين فرعون.

فرعون الذي حول قيمة العدل والمساواة التي أمربها الله وأجمع عليها البشرإلى قانون طائفي يحمي حقوق فئة قليلة من الأمة فيعليها وينصرها على بقية مكونات المجتمع ويستقطب حوله كل مجرم أثيم غمست يده في دماء الأمة وملآت جيوبه من أموالها كهامان وقارون فيجعل منهم أدوات حكمه وسلطانه فيؤسس بذلك دولة الحثالة وحزب الأفاقين واللصوص.

وحين عاد موسى من غربته بعد فراره من القتل إثر حادثة المدينة المشؤومة وقابل فرعون وقدم له مطالبه البسيطة الواضحة المحقة : “أن أدوا إلي عباد الله إني لكم رسول أمين* وأن لا تعلوا على الله إني آتيكم بسلطان مبين* وإني عذت بربي وربكم أن ترجمون* وإن لم تؤمنوا بي فاعتزلون” الدخان – 18-21 مطلب بسيط يتلخص في العدل والمساواة بين جميع فئات المجتمع وحجة جلية مبينة ولا عذر لكم في إستخدام العنف والقوة معي فدعوتي سلمية عمادها الشرح والتبيين ولستم مجبرين على اتباعي وتصديقي بل لكم الحرية في اعتزالي واجتنابي وتركي لأقوم بمهمتي بسلام ، فجاءه جواب فرعون البدهي العاجل : “ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين * وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين” الشعراء – 18-19 فالزعماء هم الذبن يهبون لأممهم الحياة وهم الذين شادوا أمجادها متمثلة في القصور الفارهة واليخوت الباهرة والتماثيل المنصوبة لتتذكر الأمة دائما ذلها وانكسارها وتتحسس قيد العبودية في معصمها وتخر ساجدة لعظمة هؤلاء الجبابرة الذين منوا عليها بنعمة البقاء والحياة فلا يحق لهم أن يتمردوا عليهم وأن ينكروا أفضالهم ويكفروا بنعمهم ، قال موسى : “وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل” الشعراء – 22

أقام فرعون بنيان دولته على الحكم الفردي المطلق فجمع بيده جميع السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية وحتى الأخلاقية فقال لقومه : “وقال فرعون ياأيها الملآ ماعلمت لكم من إله غيري” القصص – 38 وقال : ” أنا ربكم الأعلى” النازعات – 24 فهو الشعب وهو من صنع الأمة بل هو الأمة بعينها فلا وجود لها من غيره فمن يعرف تونس بلا زين العابدين ومن يعرف مصر بغير مبارك ومن يعرف ليبيا بغير القذافي ومن بعرف اليمن بغير صالح ومن يعرف سوريا بغير الأسد فالوطن يذوب في شخصه والأمة كلها حاضرها وماضيها وتراثها وفكرها تتمثل في شخصه ففرعون هو المالك الأوحد لمقدرات الأمة : “ونادى فرعون في قومه قال ياقوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون” الزخرف – 51 وهو الآمر الناهي وهو الحاكم القاضي : ” لئن اتخذت إلها غيري لآجعلنك من المسجونين” الشعراء – 29 وهو الذي يضع ويرفع ويعطي ويمنع لا قول فوق قوله ولا حكم فوق حكمه.

وحين وقعت الواقعة وعاد موسى ومعه هارون ليواجها فرعون فيعيداه إلى حجمه الحقيقي بشرا ضعيفا آثما مجرما قاتلا سليب الفطنة عليل الحجة دنيء الخلق وضيع الهمة همجي السلوك فاسد القيم ذليل النفس ماكان من فرعون إلا أن لجأ إلى السخرية والهزء واستصغار أمر موسى واحتقار رسالته : ” قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون” الشعراء – 27 ….”أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين * فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب أو جاء معه الملائكة مقترنين” الزخرف – 52-53 ….”فلما جاءهم بآياتنا إذا هم منها يضحكون” الزخرف – 47 فموسى وهارون حمقى ومجانين أدمنوا حبوب الهلوسة وجاؤوا بأفكار تثير الضحك والسخرية هدفها تعكير صفو السلام الإجتماعي وتغيير الموروث الثقافي دون أن يملكا حجة مبينة أو لسانا فصيحا أو خطة واضحة أو أرضية إقتصادية أو تأييدا شعبيا ففرعون هو المؤتمن على تراث الآباء والأجداد بشهادة علماء السلطة وأبواق الإعلام ولديه خطة واضحة لقيادة الأمة وأرضية اقتصادية عريضة في جميع المؤسسات المصرفية العالمية وتأييد شعبي كاسح فالملايين تملآ الشوارع تهتف باسمه ليل نهار مستنكرة أفعال موسى ودعاويه. فليس لموسى وهارون والحال هذه إلا السخرية والإستهزاء أمام الملأ والزجر والنهر والترهيب في الخفاء .

وحين كبرت كرة الثلج ولم يعد بالإمكان التستر أو إخفاء الحقيقة عن الناس اضطر فرعون لإجراء تعديل تكتيكي في خطة المواجهة فاعترف فجأة بأن هناك من يخالفه الرأي وإن كان قليل الشأن صغيرا ضعيفا لا وزن له ولا قيمة ولكن وإعلاء لشأن الديمقراطية التي آمن بها فرعون فجأة  ونظرا لآنه يؤمن بحرية التعبير والحق في الإختلاف والرأي والرأي الآخر فقد طلب من موسى أن يظهر حجته ويقدم دعاواه فالحوار الديمقراطي الهادئ كفيل بتبيان الحقيقة وجلاء القضية، وماإن ألقى موسى بعصاه فانقلبت ثعبانا مبينا ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين حتى تهلل وجه فرعون فرحا وابتهاجا وهو بذكائه المحدود وامكاناته المتخلفة لم يميز بين الثعبان الحقيقي والمزيف وبين اليد البرصاء والبيضاء لم يميز بين قدر الله الغالب وتقدير البشر الضعفاء فخانه عقله الذي اتكل عليه واعتقد أن ما يملكه من الأدوات والوسائل كفيل بحسم المواجهة مع موسى لصالحه دون كبير جهد فقال لموسى قولة المطمئن الواثق : “قال أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يا موسى * فلنأتينك بسحر مثله فاجعل بيننا وبينك موعدا لانخلفه نحن ولا أنت مكانا سوى * قال موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى” طه – 57-59 فلتكن المواجهة الساخنة على شاشات الفضائيات وأمام أعين الناس أجمعين وفي ضوء النهار الواضح ليقوم السحرة بدورهم التاريخي المشهود بفضح تزوير موسى وألاعيبه وخداعه للجماهير وليعلم الجميع أن قرار فرعون هذا لم يكن قرارا فرديا سلطويا –كالعادة- وإنما هو قرار نابع من إرادة الجماهير وتحقيقا لرغباتها وأمانيها : “قال للملأ حوله إن هذا لساحر عليم * يريد أن يخرجكم من أرضكم فماذا تأمرون * قالوا أرجه وأخاه وابعث في المدائن حاشرين * يأتوك بكل سحار عليم” الشعراء – 34-37 .

وسقط فرعون في الحفرة التي حفرها بنفسه وافتضح زيفه وخداعه على أعين الناس وانتقضت حججه ودعاويه وانكشفت سواته امام الملآ : “فالقي السحرة ساجدين” الشعراء – 46 فإذ به يعود إلى طبعه الغالب وسيرته القديمة ناسيا الديمقراطية والحرية والحوار وما شئت من شعارات : ” قال آمنتم له قبل أن آذن لكم” الشعراء – 49 فهو الحاكم الفرد المطلق الذي يعطي الإذن بتغيير المبادئ والعقائد وإذا جرأ أحد على مخالفته فهي مؤامرة كونية حيكت بليل للنيل من حكمه العادل الرشيد : ” إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها” الأعراف – 123 …..”إنه لكبيركم الذي علمكم السحر” طه – 71 .

حينها لابد من العودة وبسرعة إلى القبضة الأمنية الساخقة قبل أن تفلت الأمور من عقالها فتعيد المتمردين إلى حظيرة الطاعة وتعاقب الرافضين بالصلب والتقتيل والتشريد والحجة في ذلك كله جاهزة حاضرة : “وقال فرعون ذروني أقتل موسى وليدع ربه إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد” غافر – 26 ….”قال فرعون ماأريكم إلا ماأرى وماأهديكم إلا سبيل الرشاد” غافر – 29 ففرعون هو حامي البلاد والعباد من فساد موسى وهارون وأتباعهما وهو الذي تتمثل فيه قيم الصمود والتصدي والممانعة والمقاطعة والمضاجعة والمقاومة والإباء وال…….وليس هذا رأيه وحده بل هو رأي الأمة بقضها وقضيضها من القرد الأول وحتى فرعون الحالي : “وقال الملآ من قوم فرعون أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ويذرك وآلهتك” الأعراف – 127 فلتكن المعركة حاسمة لاهوادة فيها ولا شفقة ولا رحمة من أجل الأمة وكرامة الأمة .

وحين يتمكن فرعون من تحويل الشعب إلى جموع من اللاجئين والنازحين والمهاجرين والمهجرين والمغتربين والمنفيين والملاحقين والمعتقلين والمعذبين والمشوهين والشهداء واليتامى والثكالى والأرامل والبائسين والخائفين والمحزونين والفقراء الجائعين حينها يبعث فرعون ببرقية عاجلة إلى أعوانه المنتشرين في البلاد : “فأرسل فرعون في المدائن حاشرين * إن هؤلاء لشرذمة قليلون * وإنهم لنا لغائظون * وإنا لجميع حاذرون” الشعراء – 53-56 فما هم بنظر فرعون إلا قلة مندسة مأجورة أو مجموعة من الجرذان أو الجراثيم الضالة تأتمر بأجندات خارجية مشبوهة تهدف غلى ضرب الإستقرار وإغاظة الحاكم وتوهين عزيمة الأمة والإستيلاء على النظام.

وتصل الأمور إلى نهايتها وتطبق أمواج البحر على فرعون وجنده ويدركه الغرق ويسلب منه حوله وقوته وجبروته وسلطانه فلا يتخلى عن تكبره وتجبره وجنون العظمة فينادي والموج يبتلعه : ” آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل ” يونس – 90 فلم ينطق بلفظ الجلالة علوا واستكبارا .

وهكذا وبعد أن أصبح فرعون نسيا منسيا إلا من جثة هامدة وذكرى مظلمة أبقاها الله عز وجل لتكون لمن خلفه آية……وبعد أن خرب البلاد والعباد وأزهق الأرواح وهتك الأعراض وسرق الأموال وباع الغالي والرخيص فباع الجولان وباع النفط وباع كرامة الأمة وأفسد الضمائر وحارب الأخلاق ودمر العائلة وخرب بنية المجتمع وشوه القضاء ومسخ التعليم وأراد أن يحول الدنيا كلها إلى حصاة تدور في فلكه وأورث الأمة مسخا منه فرعونا صغيرا حينذاك وبعد أن حم القضاء وجاء أمر الله الذي لا يرد سيخرج علينا من يطلب له الرحمة ويطالب بمحاكمة موسى وهارون على إساءتهم وتشويههم لصورة فرعون العظيم أمام الأمم الأخرى ، لكن الحقيقة المرة ستظل رغما عن الجميع ساطعة مشرقة : ” فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين” الدخان – 29 وسيذهب فراعنة هذا العصر الصغار وراء جدهم فرعون الكبير تلاحقهم لعنات المظلومين ودعوات الأمهات ودموع اليتامى : “وحاق بآل فرعون سوء العذاب * النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب” غافر – 45-46 .

ربيع عرابي

أترك ردا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s