أولئك إخواني فجئني بمثلهم

د. عزمي بشارة

هي لحظة صمود تاريخية تسجل لشعب عظيم أمام قسوة غير مسبوفة لنظام تحميه كذبة “المجتمع الدولي”. لقد رفض هذا النظام اي إصلاح مخيرا حلفائه أن يقبلوه كما هو، أو يمضي إلى الحرب مع شعبه حتى النهاية غير آبه بدمار سورية ككيان، فتخلى عنه كثيرون رفضوا خياره الدموي، واختار حلفاؤه مصالحهم الاستراتيجية مع النظام، وقبلوه كما هو. وبغض النظر عما يفكر فيه بعضهم حول النظام ومساوئه، فقد لحق بهم العار أيضا، لأنهم قبلوا شرطه أن يقفوا معه من دون شروط، وأصبحوا طرفا في حربه على شعبه. و”المجتمع الدولي” فلا يهمه إذا تدمّرت سورية ككيان أصلا، وشقه الإسرائيلي يريدها اصلا ان تستنزف تماما في حرب أهلية.

أما الشعب في مرحلة الثورة فيرفض هذا الخيار: يرفض أن يأخذه النظام رهينه عدم مبالاته بالنتائج، يأبى أن يأخذه النظام رهينة الخيار الدموي إما العبودية أو الحرب الأهلية. فهذا الخيار ينفع في ردع الناس قبل الثورة، أما وقد اقتحموا بها حواجز الخوف، فلم يعد بإمكان أحد أن يضعهم أمام هذه الخيارات. فهم أيضا ماضون حتى النهاية.

بهذه الخيارات السياسية الأمنية وبتسليح ميلشياته قاد النظام الشعب الى الدفاع عن نفسه، كشعب مسلح، وقاد البلاد الى الحرب الأهلية. فهو يعتبرها مبرر الاستبداد. ولكن الحرب الأهلية المفروضة من أعلى لا تلغي طبيعة الثورة المنطلقة من القاعدة الشعبية.

وإذا كانت الشعوب على حق فهذا لا يعني أنها تشكل معسكر الأخيار، ولا أنها إذا تسلحت فإنما تتسلح بالطهارة. في سوريا شعب مسلح حاليا، والشعب يخرج بمناقبه ومثالبه، بآماله العظام وتنوره، وتخلف بعض قطاعاته، وهو يصمد بالتعبئة ضد الاستبداد من أجل الحرية، وبالتعبئة بالتضامنات الأهلية التي تحتضن الناس في محنتهم وتشد من أزرهم، والتي تلوثها الأحقاد من ناحية أخرى. ولن يعالج الجراح واللوثات الطائفية والأهلية على أنواعها سوى وعي الثوار السوريين وإصرارهم على أن الهدف هو إقامة نظام حكم ديمقراطي لمواطني سورية كافة، وتحديد طبيعة المرحلة الانتقالية، من هنا أهمية نشوء قيادات سياسية واعية على المستوى الوطني، وليس المحلي فقط في الداخل السوري. وهي تنشأ باستمرار، فأتون الثورة السورية العظيمة يولد قيادات ميدانية وسياسية من دون توقف.

ولم يقل أحد أنه ما دام الشعب ثائرا فإن مطامع الدول سوف تتوقف، وأنه لن تحاول كل دولة أن تمرر مصالحها من خلال الاحتراب.

وقد ينشأ الوضع الذي يقتنع فيه حلفاء النظام أنه لا يمكن إنقاذه، وأنه لا بد من قبول مرحلة انتقالية من دون الأسد، ولو بمجلس عسكري يقود الى انتخابات. ربما يقتنعون أن يتخلوا عنه مقابل ذلك. لكن الشعب السوري سوف يتحرر بفضله هو، حتى لو جاءت مساعدات متأخرة، فسوف يبقى هو صاحب الفضل الأول والأخير. سوف يقدر من تضامنوا معه، ولن يقدر من تخلوا عن النظام لأنه لم يعد بوسعهم إنقاذة، وبعد كل هذا الدم والخراب. ولكن لا أحد يمكنه أن يفرض اي وصاية عل الشعوب السوري في المستقبل. فالحرية كلها ملكه، لقد دفع ثمنها بدمه. وسوف يذكر التاريخ صموده في امتحان الايام الحرجة التي يعيشها حاليا في ظل القصف الذي تتلوه غارات العصابات.

كل من تعز عليه قيم العدالة والحرية وكرامة البشر يمكنه أن يقول عن ثوار سوريا أولئك إخواني فجئني بمثلهم…

أترك ردا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. تسجيل خروج   / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s